طلقت مراتي
. فيه أورام ليفية واكلة نص الحنجرة، ولازم استئصال كامل للأحبال الصوتية خلال 48 ساعة عشان نلحق نوقف انتشارها”. بصيت للدكتور وأنا مش مستوعب. حاولت أتكلم، حاولت أسأله، أصرخ فيه، بس كل اللي خرج من حنجرتي كان فحيح مكتوم وتافه.. نفس الفحيح اللي كنت بقرف منه زمان.خرجت من المستشفى تايه في الشوارع تحت المطر. كنت بضحك بهستيريا ودموعي نازلة تحرق في خدي.العقاب مكانش مجرد ندم، العقاب جه من نفس الباب اللي ظلمت منه. أنا اللي كنت بتباهى بصوتي وحضوري ولبقاتي، هعيش بقية عمري أخرس، أكتب في كشاكيل زي ما هي كانت بتكتب، وأستنى شفقة الناس ونظرات فضولهم اللي كنت مرعوب منها.
رجعت الشقة، قعدت على مكتبي، وطلعت نفس الكشكول الأزرق بتاع فريدة. مسكت القلم بإيدين بترتعش، وفتحت الصفحة اللي بعد كلامها الأخير، وكتبت سطر واحد بس قبل ما أدخل العمليات:”الذنب مكنش في صوتك يا فريدة.. الذنب كان في روحي اللي كانت صماء وعمياء من البداية”.العملية خلصت، وخرجت منها وأنا مش حاسس غير بفراغ بارد بيبلع زوري، وثقب صغير في رقبتي بتنفس منه بالعافية. أول ما فوقت من البنج، حاولت أنده على الممرضة.
. فتحت بوقي، بس مفيش ولا ذرة صوت طلعت، حتى الفحيح البسيط اللي كنت بتكلم بيه اختفى تماماً. الصمت بقى هو لغتي الإجبارية لبقية عمري.الدكتور دخل، طبطب على كتفي بنظرة شفقة كنت بمو.ت من مجرد تخيلها، وسابلي كشكول أبيض وقلم فلوماستر أسود على الكومودينو وقال بهدوء: “ده وسيلة تواصلك من هنا ورايح يا كريم. . حمد لله على سلامتك”.بصيت للكشكول الأبيض، ولقيت صورة فريدة وهي ماسكة كشكولها الأزرق بتنط في خيالي.




