جوز امي 2

فتح المحامي “أستاذ كامل” حقيبته الجلدية وأخرج منها أسطوانة مدمجة (CD) وظرفاً مغلقاً بشمع أحمر، ثم التفت إلينا أنا وملك وخالي طارق، وقال بصوت رصين:
«أبوكم “حسن” الله يرحمه لما عرف إنه مريض وفي أيامه الأخيرة، اكتشف بالصدفة إن سامح بيحاول يقرب من والدتكم “فايزة”، ولما دور وراه بصفته محاسب قانوني، اكتشف إن سامح مش مجرد شخص طمعان في الفلوس… سامح كان نصاب مسجل خطر في محافظات تانية وبيهرب بأوراق مزورة».
اتسعت عيوننا من الصدمة، واستكمل المحامي:
«حسن ما رضيش يواجه فايزة وقتها لأنه كان عارف إنها ضعيفة وممكن تسرب الكلام لسامح، فعمل خطة ذكية جداً. الشرط الجزائي والوصية المغلقة اللي سابها عند المدعي العام بتنص على الآتي: أي محاولة للوصاية أو الحجر على التوأم قبل سن الثامنة عشرة، أو أي استغلال لأموالهم، بتلغي تلقائياً حق الأُم “فايزة” في الميراث الشرعي المخصص ليها، وبيتحول بالكامل لحساب أمانة مغلق للتوأم تحت إشراف الخال “طارق” كوصي قانوني بديل».
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ أضاف المحامي أن الأسطوانة تحتوي على فيديو سجل فيه بابا بصوته وصورته قبل وفاته بأيام، يوضح فيه بالتفصيل المعاملات المالية المشبوهة التي حاول سامح القيام بها باستغلال توكيل قديم من أمي، مع تحذير صريح للنيابة العامة من أي أذى قد يتعرض له طفلتاه.
في اليوم التالي، وأثناء وجودنا في المستشفى تحت الرعاية وبحراسة أمنية، وردنا اتصال من النيابة العامة. كان المستشار المحقق قد تسلم التسجيلات الصوتية التي جمعتها من الموبايل القديم، بالإضافة إلى التقرير الطبي الشرعي المفصل الذي أعده الدكتور شريف، وتقرير الطب الشرعي النهائي الذي أثبت وجود كسور قديمة وجديدة وآثار حروق سجائر على أجسادنا تعود لسنوات.
مواجهة سامح وأمي في النيابة كانت عاصفة؛ حاول سامح في البداية الإنكار والادعاء بأن التسجيلات الصوتية مفبركة باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكن تقرير الخبراء الفنيين الصادر من وزارة الداخلية أكد صحة التسجيلات وأنها حقيقية ولم يتم التلاعب بها، وأن الصوت مطابق تماماً لنبرة سامح وأمي.
وعندما واجه المحقق أمي بشرط الوصية وبفيديو والدنا الراحل، انهارت تماماً واعترفت بكل شيء لتنقذ نفسها من تهمة الاشتراك في محاولة القتل الشروع فيه. اعترفت أن سامح كان يهددها بنشر صور وإيصالات أمانة مزورة ضدها إذا لم تساعده في السيطرة علينا وعلى الميراث، وأنها كانت تتستر عليه خوفاً على نفسها، وتشارك في تعذيبنا بالصمت وحبسنا داخل البيت.
أمرت النيابة بتحويل سامح إلى محكمة الجنايات بتهم التعذيب، والتزوير في أوراق رسمية، والشروع في القتل، واستغلال قاصرين. كما تم حبس أمي على ذمة التحقيق بتهمة التستر والتآكل والامتناع عن إغاثة ملهوف.
خرجنا أنا وملك من المستشفى بعد أسبوع برفقة خالنا طارق، الذي أصر على أن ننتقل للعيش معه في شقته الجديدة ليضمن حمايتنا ورعايتنا النفسية والبدنية. ولأول مرة منذ سنوات، استطعنا أن ننام ليلة كاملة دون أن ننتظر صوت خطوات سامح في الممر أو نعيش تحت تهديد الخوف.
وبعد مرور شهرين، ومع حلول يوم ميلادنا الثامن عشر، أتممنا السن القانوني واستلمنا رسمياً إدارة أموالنا وشركات والدنا بحضور الخال طارق والأستاذ كامل.
لكن الأحداث لم تنتهِ عند هذا الحد؛ فقبل جلسة النطق بالحكم بأيام قليلة، وصلتنا رسالة غريبة ومجهولة على هاتف خالي طارق. الرسالة كانت من رقم دولي غير معروف، وتحتوي على صورة واحدة فقط… صورة لورقة كُتبت بخط اليد داخل السجن، وموقعة باسم سامح، وتتضمن عبارة واحدة جعلت الدماء تتجمد في عروقنا من جديد:
« فاكرين إن اللعبة خلصت؟ التسجيلات اللي معاكم مش كل حاجة… اسألوا خالكم طارق عن السبب الحقيقي اللي خلى باباكم يموت أصلاً».
سرت قشعريرة باردة في جسدي وأنا أقرأ الرسالة على شاشة هاتف خالي طارق. التفتُّ أنا وملك لننظر إليه، فوجدنا وجهه قد شحب تماماً، ويده ترتجف بشكل ملحوظ وهو يحاول إغلاق الهاتف. ساد صمت ثقيل في الصالة، صمت أعاد إلى أذهاننا ذكريات الليالي الخانقة في شقتنا القديمة.
سألته ملك بصوت يرتجف: «خالي… يعني إيه الكلام ده؟ بابا مات بمرض مفاجئ في الكبد… سامح يقصد إيه؟»
حاول خالي طارق التهرب من نظراتنا، وتصنع الابتسامة قائلاً: «ده مجرد أسلوب من سامح عشان يشتت انتباهنا ويربكنا قبل جلسة المحاكمة، هو بيحاول يلعب على أعصابكم ويشكككم فيا بعد ما فشل في كل خططه».
لكن أنا وملك لم نعد البنتين الخائفتين اللتين تقبلان أي كلام لمجرد الهروب من المواجهة. السنوات والوجع جعلانا أشد حذراً. تذكرتُ فوراً أن بابا، قبل وفاته بستة أشهر، كان صحته جيدة جداً، وأن تدهور حالته الصحية بدأ فجأة وبسرعة غير مفهومة، وكان وقتها خالي طارق يخوض أزمة مالية حادة في مشروعه الخارجي قبل أن يسافر مجدداً.
في اليوم التالي، وقبل موعد الجلسة النهائية في محكمة الجنايات بأيام قليلة، قررتُ الذهاب برفقة المحامي «أستاذ كامل» إلى مكتب المدعي العام لبحث هذه الرسالة رسمياً. الأستاذ كامل لم يستخف بالرسالة كما فعل خالي، بل طلب فتح تحقيق فرعي وطلب إعادة فحص الملف الطبي لوفاة بابا، خاصة أن الأوراق السابقة كشفت عن تزوير سامح لتقارير طبية من قبل.



