منوعات

فاشلة في نظر حماتي 2

السكوت اللي نزل على الصالة ما كانش سكوت عادي، ده كان شبه الهدوء اللي بيسبق طلقة الخرطوش لما تطلع في مكان مقفول. صوت المروحة المعلقة في السقف كان عالي وبيزن، وتكتكة ساعة الحيطة الخشب القديمة بتاعة حمايا الله يرحمه بقت زي دقات قلب واحد محكوم عليه بالإعدام.
طارق قام وقف على حيله، طوله وضخامته خلوا الصالة كلها تضيق. عينيه كانت حمرت من الغضب، وصوته لما طلع المرة دي، هز إزاز النيش الصغير اللي حماتي شايلاه ورا ضهرها فلوس إيه يا أستاذة نيرمين؟! ما تنطقي يا دينا! إنتي وأحمد أختي وأخويا بتتعاملوا في ميتين ألف جنيه من ورايا ليه؟! هو أنا ميت ولا مش مالي عينكم؟!
دينا كانت متبسمرة في مكانها، فنجان النسكافيه اللي في إيدها دلق نقطتين على طرف فستانها الحرير، ووشها اتحول من اللون الأبيض للون الرماد، لسانها كان تقيل كأنها بلعت ريقها بالعافية ط.. طارق.. استهدى بالله بس، دي.. دي سلفة صغيرة عشان الدار كانت حجزت الدفعة الأخيرة من مصاريف الطبع والتسويق، وأنا كنت مكسوفة أطلب منك وإنت مضغوط في الغربة…
مكسوفة تطلبي من جوزك اللي بيبعتلك مصاريفك بالدولار كل أول شهر؟ طارق قاطعها بصوت حاد زي السكين مكسوفة مني أنا، وبتروحي تمدي إيدك لأخويا الصغير اللي طالع عينه في شركة قطاع خاص ومرتبه على قده؟! ده أنا باعتلك الشهر اللي فات بس أربعة آلاف دولار عشان شقة التجمع وتجهيزاتها! وديتي الفلوس دي فين يا هانم؟!
حماتي صفاء، اللي كانت طول عمرها عاملة زي الأسد في البيت، اتوترت، بس كبريائها العقيم ما سمحلهاش تسكت، وقفت ومدت إيدها تطبطب على كتف طارق بغيظ مكبوت وهي بتبصلي شزر اهدى يا واد يا طارق، اهدى يا حبيبي ما تفضحناش قدام الغُرب! الفلوس ما راحتش لغريب، دي مراتك برضه وواجهة العيلة، وأحمد أخوك الصغير وده واجبه يشيل مرات أخوه في غيابه، وبعدين دينا كانت هترجعهم أول ما الرواية تكسر الدنيا وتبيع ملايين! إنتي يا نيرمين، إنتي إيه اللي حاشرك في الكلام ده؟! ما لكيش فيه أصلاً! دي أمور رجالة وحسابات عيلة، تتدخلي ليه وتولعيها حريقة يا مفرقة الجماعات؟!
ابتسمت.. ابتسامة كانت أبرد من التلج، وقفت بكل هدوء وعدلت جاكيت التايير بتاعي، وفتحت الظرف الأبيض اللي كان مرمي على الترابيزة. طلعت منه كشف الحساب البنكي، ومعاه ورقة تانية مختومة كانت لسه واصلالي الصبح من صاحبة دار النشر ماجدة.
لا يا طنط، دي فلوسي أنا وشقى بيتي أنا قلت الكلمة دي ببطء ووضوح وثقة عمري ما حسيت بيها في البيت ده وأحمد ما حيلتوش ميتين ألف جنيه من مرتبه عشان يسلفهم لحد. الفلوس دي كانت شقى سنين وسلفيات من جمعيات هو دخلها على حسي أنا، ومصاريف كان بيحرم بيتي منها ويقولي معيش وأنا اللي كنت بسد إيجار وطلبات البيت من رسوماتي وشغلي الفريلانسر!
لفيت وشي لطارق ومديتله الورقة التانية اتفضل يا طارق، دي مش سلفة لمشروع ناجح.. دي فاتورة تكاليف طباعة كتاب على حساب الكاتبة الشخصي، لإن مفيش دار نشر محترمة في مصر رضيت تقبل الورق ده لضعفه! دينا كانت بتدفع للدار أرقام فلكية عشان يطبعولها كرتونتين ورق، وتوزعهم على صحابها وتعمل شو ع الفيسبوك وتوهمكم إنها أديبة العصر، وكل ده من جيب أخوك اللي كان بياخد من بيتي ويديلها بأمر من مامتك عشان برستيج العيلة!
طارق مسك الورقة، عينيه كانت بتقرأ الأرقام وتفاصيل الدار، إيده بدأت تترعش من كتر الغيظ. بص لدينا اللي حطت وشها بين كفوفها وبدأت تعيط بنحيب مصطنع، من النوع اللي كانت متعودة تداري بيه خيبتها بقى أنا عايم في عرق الغربة يا دينا.. سايب أهلي وبيتي وبقالي سنين بشتغل اتناشر ساعة في اليوم في الصحرا، عشان تبعتي فلوسك وتستلفي من أخويا وتعملي بيها وجاهة كدابة؟! طب والله العظيم ما هتدخلي شقة التجمع دي تاني، وحسابك معايا في البيت على كل قرش دخل وخرج من حسابك!
أحمد كان واقف مزنوق في ركن الصالة، وشه في الأرض، مش قادر يرفع عينه لا في عين طارق ولا في عيني. قرب مني وحاول يمسك دراعي وهو بيهمس بصوت مرعوب نيرمين.. كفاية بقى، أبوس إيدك لمي الموضوع، إنتي كده بتخربي بيت طارق ودينا!
نفضت إيده عني بقوة خلت جسمه يرجع لورا، وبصيت له باحتقار عمري ما اتخيلت إني أحسه تجاه الراجل اللي اتجوزته وأنا بيتي اللي اتخرب بقاله ست سنين ده ما فكرتش فيه ليه يا أحمد؟ لما كنت بتشوف أمك بتعاملني زي الشغالة في كل مناسبة وعزومة، كنت بتقول إيه؟ معلش يا نيرمين دي أمي ومن جيل تاني! ولما كانت بتشتم في شغلي وتقول شخبطة وتدلق الأكل اللي وقفت يومين أطبخه في الحوض، كنت فين إنت يا راجل البيت؟! كنت بتداري في قفا أمك وسايبني اتداس، ودلوقتي خايف على برستيج دينا؟!
حماتي صفاء وشها احتقن بالدم، عروق رقبتها برزت وصوتها جه مبحوح ومستفز إنتي طالعة فيها كده ليه يا بتاعة الأراجوزات؟! فكرتي نفسك بقيتي حد عشان جبتيلنا شوية كباب وكفتة دليفري؟! بكرة أحمد يرجعك لأصلك ويديكي على دماغك، وإنتي ملكيش قعدة في العيلة دي، اخرجي برة بيتي!
ضحكت.. المرة دي الضحكة طلعت عالية

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى