حماتي جبتلي فستان 2

ومن اليوم ده، كل حاجة اتغيرت. ولاء وشيماء بقوا ينزلوا يجيبوا شغالات على حسابهم عشان ينضفوا قرفهم، والبيت اللي كان قايم على كتفي اتقسم بالعدل. بقيت أنزل لحماتي ضيفة مكرمة، أعملها الشاي وأقعد أضحك معاها، بس إيدي متتمدش في طبق ولا معلقة تخص سلفاتي. أحمد جوزي بقى يعاملني كأني عروسة جديدة، خايف على زعلي، وبيعملي ألف حساب قدام أهله.
الفستان الأحمر اللي رمتُه في وشي الصبح عشان تكسرني بيه، كان هو نفسه السلاح اللي كسرت بيه كبرياء البيت كله، وعلمتهم إن السكوت مش ضعف.. ده كان استراحة محارب لحد ما آخد حقي ناشف!
عفاريت الدنيا كانت بتتنطط في وش ولاء وشيماء. مكنوش مستوعبين إن سعاد، الخدامة المطيعة اللي كانت بترس الشقة وتقف قدام البوتجاز بالساعات، بقت بتدخل وتخرج زي الملكة.
الجمعة اللي بعدها، كانت عزومة خالة أحمد وولادها.. عزومة تقيلة فيها بتاع عشرين فرد. ولاء وشيماء افتكروا إن دي فرصتهم، اتجمعوا في صالة حماتي وكانوا بيكلموها بسبق وإصرار: “يعني إيه يا حماتي؟ سعاد مش نازلة تطبخ للعزومة؟ دي خالتهم جاية! هتقولي لها إيه؟ إن نسوان ولادك سايبينك؟”.
حماتي هزت رأسها وهي محتارة ومكسورة العين: “روحوا قولولها أنتو.. أنا مقدرش أفتح بؤي معاها تاني، أحمد ابنكم بقا واقف في ضهرها زي السد”.
دخلت ولاء شقتي، طلعت السلم وهي بتهبد برجلها، وفتحت الباب من غير ما تخبط بكبرياء مزيف: “أظن بقى يا سعاد هتانزلي تطبخي للمشويات والتنظيف؟ خالة جوزك تحت وما يصحش منظر البيت كده!”.
كنت قاعدة بقص أظافري وبروق بالي. بصيتلها ببرود قاتل، وابتسمت ابتسامة صفرا: “والله يا ولاء يا حبيبتي، خالتهم على راسي، بس أنا حماتي قالتلي من أسبوع إني ريحتي بصل وشكلي يسد النفس.. فقررت ما أدخلش المطبخ تاني عشان ما أقرفش حد. أنتي وشيماء بقى همتكم معانا، ورونا شطارتكم اللي بتتباروا بيها قدام الرجالة!”.
ولاء اتنططت: “أنا مش هطبخ لـ عشرين فرد! أنا ضوافري لسه معمولاني بستمائة جنيه!”.
رديت وأنا بقلب صفحة في مجلة كانت في إيدي: “يبقى هاتي شغالة على حسابك يا ختي، أو خدي شيماء في إيدك وشمروا.. ده بيت حماتكم برضه ولا أنتو فالحين بس في الدلع؟”.
خرجت ولاء تصرخ تحت، ووصلت الخالة والعيلة. الصالة كانت متكركبة، والأكل اتأخر، وولاء وشيماء اضطروا -لأول مرة في حياتهم- يشمروا أكمامهم ويدخلوا المطبخ وسط العرق والدخان. العرق أكل الميك أب بتاعهم، وضوافرهم اتكسرت، وهدومهم الغالية اتطينت بالصلصة والزيت!
الساعة أربعة العصر، نزلت أنا من على السلم.. كنت لابسة فستان نبيتي شيك، حاطة روج خفيف، وريحتي برفان فرنسي يفوح في الممر كله. دخلت الصالة بكل ثقة، سلمت على الخالة وقعدت جنبها.
الخالة بصتلي بإعجاب وقالت: “بسم الله ما شاء الله يا سعاد.. إيه الحلاوة والروقان ده يا حبيبتي! بس فين الأكل؟ أنتي مش واقفة في المطبخ ليه زي كل مرة؟”.
قبل ما أنطق، أحمد جوزي كان داخل من الباب، سمع السؤال، فرد بصوت عالي وواثق قدام العيلة كلها: “لأ يا خالة.. سعاد خلاص، كفاية عليها عشر سنين شالت البيت على راسها ومنعت عننا التعب. سعاد دي ست البيت وبرنسيسة المكان، واللي في المطبخ دول سلفاتها.. جه دورهم يشيلوا القفة شوية ويجربوا اللي سعاد كانت بشيلوا لوحدها!”.
الخالة هزت رأسها بتأييد: “جدع يا أحمد.. الأصيل يعرف قدر مراته!”.
حماتي كانت قاعدة ساكتة، بصالي بعيون فيها حسرة وندم، ومش قادرة تتكلم كلمة واحدة لأن ابنها الكبير هو اللي حسم الأمر. وفي لحظتها، خرجت ولاء وشيماء من المطبخ شايلين الصواني، ووشهم أحمر زي الطماطم من صهد الفرن، والميك أب سايح على وشوشهم، وشكلهم يرحم الكافر!
بصتلي ولاء بعيون مليانة كره، وأنا رفعت كوباية العصير، وابتسمتلها ابتسامة نصر هادية.. ابتسامة بتقولهم إن الفستان الأحمر اللي كانوا فاكرين إنهم هيقتلوا بيه كرامتي، كان هو الدبوس اللي أفرغ بالونة غرورهم للأبد. ومن الليلة دي، بقى كل واحد في البيت ده عارف مقامه كويس، وعارف إن سعاد مش مجرد رقم.. دي صاحبة البيت والكلمة الأولى والأخيرة.
مرت الأيام، والمشهد تحت في العمارة بقى أشبَه بمسلسل كوميدي أسود. ولاء وشيماء، اللي كانوا زمان زي السمن على العسل وبيتجمعوا بس عشان يلطشوا فيا، أكلوا في بعض! الخناقات بقت يومية وصوتها جايب آخر الشارع: “إنتي اللي عليكِ دور مسيح السلالم الأسبوع ده!”، “لا يا حبيبتي، إنتي اللي سيبتي حوض المطبخ زفر ومسفر من إمبارح!”.


