منوعات

طردني 2

عناية مركزة” نزلت على دماغي زي صاعقة كه τις قطعت نفسي. الدنيا لفت بيا، والأوضة كلها  . حسيت برجلي مش شيلاني، قعدت على الأرض بصرخة شقت سقف القسم كله:

«ولادي! عيالي يا كفرة! اديتوهم إيه؟! سممتوهم عشان تسكتوهم؟!».

أحمد وشه اتقلب أزرق زي الميتين، ونادية رجليها خبطت في بعضها ووقعت على الكرسي وإيديها بترتعش بهستيريا، وشفايفها بتتحرك من غير صوت. الظابط قام وقف فجأة من ورا مكتبه، وشه كان بيبرق من الغضب والحزم، شاور للعسكري اللي واقف على الباب وزعق بصوت جهوري:

«اقفل الباب ده وما تخرّجش حد منهم برة! وهاتلي قوة فورًا وعربية بوكس تحت!».

بص لأحمد ونادية وقال بنبرة تقطع عرق وتسيل دم: «بقى الولاد نايمين مع والدتك في البيت وزي الفل؟! وبتتحايلوا على القانون وبتزوروا تنازل، والعيال بتموت في المستشفى بسبب بلاويكم؟!».

أحمد حاول يتكلم ويتلجلج: «يا باشا والله ما نعرفش حاجة… نادية هي اللي نزلت بيهم الصبح، أنا ما كنتش أعرف إنهم تعبانين… هي اللي قالتلي هديهم دوا مغص عشان يناموا!».

نادية صرخت فيه لما لقت أخوها بيبيعها في ثانية عشان ينجد رقبته: «أنا يا أحمد؟! مش أنت اللي قولتلي خرسيهم بأي زفت عشان صوتهم ما يفضّحناش في العمارة ويقولوا رامي مراته وحابس عياله؟! مش أنت اللي جبت من الصيدلية دوا الحساسية وقولتلي حطي منه في الببرونة عشان يفضلوا نايمين لحد ما نخلص المحضر؟! بتلبسني أنا المصيبة لوحدي يا نطع؟!».

أبويا في اللحظة دي مسك في خناق أحمد، الراجل العجوز اللي في التمانينات بقى فيه عزم يهد جبال من حرقة قلبه على أحفاده، والظابط والعساكر فضلوا يسلكوهم بالعافية.

خرجت من القسم وأنا مش شايفة قدامي، خطواتي كانت بتتسابق مع الهوا، الدموع نشفت في عيني وحل مكانها رعب حقيقي ما يدوقوش غير اللي شال ضناه بين إيديه. ركبنا عربية مع أستاذ مجدي وأبويا، وكل ثانية في الإشارات كانت بتمر كأنها قرن كامل من السلخ.

وصلنا مستشفى النيل التخصصي، دخلت الطوارئ وأنا بنهج وأصرخ باسم يوسف ويونس.

ممرضة الاستقبال جريت عليا: «أنتِ والدتهم؟». «أيوة أنا أمهم! فين ولادي؟! عايشين صح؟! قوليلي إنهم عايشين بالله عليكي!».

الدكتور خرج من أوضة الملاحظة المركزة، وشه كان باين عليه الإرهاق والغضب. قرب مني وقال بسرعة: «اهدي يا مدام الحمد لله لحقناهم في آخر لحظة.. الطفلين جالهم هبوط حاد في وظائف التنفس وهبوط سكر، نتيجة  زايدة جدًا من دوا مهدئ ومضاد للهيستامين لا يتناسب نهائيًا مع سنهم الرضيع، غير إن كان عندهم جفاف لأنهم رفضوا الببرونة تمامًا وفضلوا يرجعوا.. إحنا عملنا غسيل معدة وركبنا محاليل، ودلوقتي تحت الملاحظة الدقيقة، وحالتهم بدأت تستقر، وممنوع أي خروج قبل ٤٨ ساعة».

وقعت على ركبي في طرقة المستشفى، بست الأرض وأنا بشكر ربنا وببكي بحرقة وانهيار. مفيش وجع في الدنيا يساوي رعب الأم على ضناها، ومفيش راحة تساوي كلمة “ولادك عايشين”.

دخلت شفتهم من ورا الإزاز.. يوسف ويونس، ملايكة مالهومش ذنب، الكانيولات في إيديهم الصغيرة الرقيقة، ووشوشهم دبلانة من التعب. في اللحظة دي بالذات، قلبي اللي كان ساعات بيحن أو يضعف عشان “العشرة” أو “أبو ولادي”، اتحول لحجر صوان. أحمد ونادية ماتوا بالنسبة لي تمامًا، ومش هسيب حق شقايا ولا حق ولادي اللي كانوا هيروحوا فيها هدر.

ساعتين بالظبط، وكان رئيس المباحث ومعاه وكيل النيابة واصلين المستشفى.

بدأ التحقيق في مكتب مدير المستشفى رسميًا. الدكتور كتب تقرير طبي مفصل ومختوم، بيثبت وجود نسبة عالية من مادة مهدئة سامة للرضع في دم الطفلين، وسوء تغذية وجفاف، مع إشارة واضحة لشبهة جنائية بالإهمال الجسيم وإعطاء عقاقير بدون تذكرة طبية.

وكيل النيابة قعد قدامي، راجل شاب وشه صارم بس عينيه فيها إنصاف: «احكيلي يا مدام نرمين، من البداية خالص.. إيه اللي وصل الطفلين للحالة دي، وإيه حكاية الشقة المكسورة والتنازل؟».

حكيت كل حاجة بما يرضي الله، ما زودتش كلمة ولا نقّصت حرف. حكيت عن أخته اللي كانت مستبيحة بيتي وحرمتي، عن ترويعي في نص نومي، عن سرقة راحتي وخصوصيتي، وعن الأجهزة اللي أبويا شقيان فيها. وحكيت عن الليلة المشؤومة لما طردني بالبيجامة عشان يرضيهم، والست الجارة الأصيلة اللي سترتني بإسدالها.

أستاذ مجدي قدم للنيابة قنبلة ما كانوش عاملين حسابها: «سيادة المستشار، إحنا مش بس بنطعن بالتزوير على ورقة التنازل اللي مقدمها المتهم، إحنا بنقدم دلوقتي فلاشة ميموري عليها تسجيلات كاميرات المراقبة بتاعة محل السوبر ماركت اللي قصاد العمارة بالظبط».

وكيل النيابة رفع راسه باهتمام: «جبتوا التسجيلات دي إمتى؟».

أستاذ مجدي ابتسم بثقة: «صاحب المحل راجل شهم، لما عرف اللي حصل وشاف عم حسين بيبكي الصبح، فرغ الكاميرات وسلمهالنا فورًا.. التسجيلات بتثبت الآتي: أولًا: خروج موكلتي الساعة ٣:١٢ فجرًا مطرودة بهدوم البيت ومنهارة من غير أي شنط أو متعلقات. ثانيًا: الساعة ٧:٣٠ صباحًا، وصول المتهمة نادية شقيقة الزوج، ومعاها تروسيكل وعمال نقل، ونزلوا محملين كراتين فيها الأجهزة الكهربائية الجديدة وأطقم الحلل من شقة الزوجية! ثالثًا: دخول أحمد الشقة بعد خروج النقل، وسماعه وهو بيتفق مع أخته على دغدغة المطبخ لتلفيق التهمة!».

وكيل النيابة بص في الفلاشة، وشاف الفيديوهات بعينه. الكاميرا كانت واضحة بجودة عالية، وجايبة نادية وهي بتشرف على نقل الأجهزة بنفسها وبتضحك مع العمال، وأحمد وهو بيقفل باب الشقة وراهم!

اليومين اللي قضيناهم في المستشفى كانوا أصعب يومين، بس لما الدكتور طمني وخرجت بولادي في حضني، حسيت إني اتولدت من جديد.

يوم تنفيذ قرار التمكين، كانت الشمس طالعة ناصعة في عز الضهر. عربية البوكس وقفت قدام العمارة، ومعاها معاون التنفيذ وقوة من الشرطة، وأنا وأبويا نزلنا من التاكسي، يوسف في حضني ويونس في حضن أبويا.

الشارع كله كان واقف بيتفرج. الست الجارة الأصيلة اللي إدتني الإسدال زغرطت لما شافتني راجعة وراسي مرفوعة.

أما المفاجأة، فكانت حماتي وباقي قرايبهم واقفين تحت العمارة مكسورين ومفضوحين. حماتي قربت عليا وهي بتعيط وتلطم على وشها وتترجاني: «ابوس إيدك يا نرمين… اتنازلي عن المحضر! أحمد ونادية مرميين في الحجز مع المجرمين، وأختك نادية جالها انهيار عصبي ومش مستحملة البهدلة! عشان خاطر العيال بلاش تيتيّمي أبوهم وتحبسي عمتهم! ده إحنا لحم ودم!».

بصيت لحماتي في عينها، النظرة اللي كانت زمان بتخاف وترتعش من زعلهم، بقت نظرة باردة وقوية زادتني هيبة. قولت بصوت هادي سمعه الشارع كله:

«لحم ودم؟! لما طردتوني في عز التلج بالبيجامة ما افتكرتوش اللحم والدم؟ لما سممتوا عيالي اللي لسه بيرضعوا بأدوية مهيبرة وموتوهم بالبطيء عشان تكيدوا فيا، كان فين اللحم والدم؟! لما سرقتوا شقا أبويا الراجل العجوز اللي لسه بيسدد ديونه، كنتوا فين؟! القانون هياخد مجراه يا خالتي، واللي عمل ذنب يدفع تمنه، وبيتي ده مش هيدخله خاين ولا حرامي تاني!».

طلعنا الشقة مع قوة الشرطة. كسروا القفل اللي أحمد كان مغيره، ودخلت.

المطبخ كان فعلاً متكسر ومتبهدل زي ما صوروه، بس الشرطة كانت لحقت الأجهزة والمنقولات في مخزن تابع لجوز نادية، والنيابة أمرت بإرجاع كل حاجة لمكانها وجرد القايمة بالكامل.

دخلت أوضة نومي، قفلت الباب عليا وعلى عيالي وأبويا.

أبويا قعد على السرير، مسك إيدي وباس راسي وهو بيبكي: «ربنا نصرك يا بنتي، رفعتي راسنا وما خليتيش حد يكسرنا».

بصيت للتوأم وهما نايمين في سريرهم بسلام بعد كل اللي شافوه، ورضعتهم بحب وحنان وكأني برضعهم الأمان اللي اتسلب منهم.

أحمد ونادية اتحالوا للمحاكمة الجنائية، والكلبشات بقت هي النهاية الطبيعية لغلهم وجشعهم وخراب البيوت اللي زرعوه بإيديهم. وأنا رفعت قضية طلاق للضرر مع كامل حقوقي، وقضية نفقة ومؤخر وتبديد منقولات.

اتعلمت إن الضعف في مواجهة الظلم جريمة، وإن البيوت ليها حرمة ما يدخلهاش حتى أقرب الناس لو كان ناوي يخرّب، وإن حق الأم اللي وراها أب أصيل ورب عادل… مستحيل يضيع في الأرض أبدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى