منوعات

كيد الحموات 1

محمود قرب مني ورفع إصبعه في وشي بتهديد
صوتك ميعلاش يا ستي انتي، أمي خط أحمر، اللي تقوله هو اللي يمشي، وإذا كان على الخطوبة فاللي فات مات وخلاص خلصت ولبسوا الدبل وخلاص، كبري عقلك بقى وبلاش تشنجات نسوان، فزي اعمليلي لقمة آكلها عشان هموت من الجوع!
بصيت للراجل اللي عايشة معاه تحت سقف واحد بقالي ست سنين، حسيت إني مش عارفاه، كأنه غريب شحات دخل البيت بالغلط. راجل بايعني برخيص أوي، مستخسر حتى يعتذر لي على كسرة نفسي. قولتله بهدوء تام، والهدوء ده كان علامة الموت اللي جوة روحي
أكل؟ معلش يا ابن الأصول، اطلبلك أكل في أطباق فويل من برة، أصل إيدي مش هتمسلك أكل بعد النهاردة.
دخلت الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح، وسمعته برة بيخبط على الباب وبيزعق ويشتم، سيبته يخبط لحد ما تعب ودخل نام في أوضة الأطفال.
النهار فضل ماشي ببطء رهيب، عقارب الساعة كانت بتتحرك وكأنها بتجر وراها جبال. التليفون بتاعي مكنش بيبطل رن، وكل رنة كانت بتعمل خضة في صدري. مسكت التليفون، لقيت شاشة الواتساب منورة، مين اللي باعت؟
سلايفي، ومراتات أعمامه، وبنات خالاته! فتحت الرسايل، ولقيت الطوفان اللي كان مستنيني. صور… صور وفيديوهات بتنزل على جروب العيلة!
الصورة الأولى حماتي واقفة في وسط الصالة بتاعتهم، لابسة العباية الحرير ومزينة وشها ومبتسمة ابتسامة نصر، حاضنة خطيبة ابنها التانية وبتبوسها في خدها وبتضحك للكاميرا!
الصورة التانية بوفيه كامل محطوط على ترابيزات السفرة، محاشي، وطواجن لحمة، وصواني بشاميل، ومقبلات، وأكل ملوش أول من آخر!
وتحت الصور تعليق من أخت جوزي الكبيرة مكتوب فيه تسلم إيدك يا قمر يا أم العريس، كتر خير طنط نادية جارتنا اللي وقفت وسندت وعملت الأكل كله بدال الناس الكسلانة

اللي ملهاش في الواجب! ست بميت راجل رفعت راسنا قدام نسايبنا!.
والأدهى من ده، لقيت فيديو مدته دقيقتين للعروسة وهي بترقص مع حماتي، وحماتي ماسكة المايك وبتقول بالبلدي ربنا يخليكي ليا يا بنتي، إنتي اللي هتدخلي العيلة وتبيضي وشنا، مش زي غيرك اللي عايزين ياكلونا في ورق زبالة!.
المعازيم كلهم ضحكوا في الفيديو وزغرطوا، ومحمود جوزي كان واقف ورا أمه بيصقف ووشه كله انشراح وفرحة، ولا كأن عنده زوجة في البيت سابها مقهورة ودموعها مش بتنشف!
الفيديو كان بمثابة القشة اللي قسمت ضهري، بس مش عشان تكسرني، عشان تولع جوايا نار غريبة عمري ما حسيتها قبل كدة.
النار دي طفت الحزن، وسابت مكانه غضب جامد، غضب عاقل وبارد.
أنا فوزية، اللي كل الناس تشهد بأصلي وذوقي وأدبي، يتعمل فيا كدة؟ يتعمل فيا استقصاد وتشهير قدام نسايب الغفلة والجيران والعيلة كلها؟ يخلوني مضحكة الجروبات والناس؟
فضلت أقرأ التعليقات ألف مبروك يا حبيبتي، بس فين فوزية مش باينة في الصور ليه؟ ترد حماتي في فويس نوت بصوتها الأجش أصلها تعبانة شوية يا حبيبتي ومبتحبش الزحمة، إنتي عارفاها بقى مالهاش في تجمعات العيلة!
تعبانة ومبحبش الزحمة؟! يعني طلعتني كسلانة، وقليلة الذوق، ومعقدة، وكمان كدبت على الكل!
قومت من مكاني زي الممسوسة، وبصيت لنفسي في المراية. وشي شاحب، تحت عيني هالات سودا، وشعري منكوش، وشفافي نشفانة ومش قادرة أبلع الريق. بس عيني؟ عيني كانت بتلمع لمعة تانية خالص. لمحة مش لمحة واحدة مكسورة، دي لمحة واحدة مقررة تاخد حقها تالت ومتلت.
بقى كدة يا حماتي؟ ماشي.. ماشي يا ست الحبايب. إنتي اللي بدأتي الملعوب، بس أنا اللي هحط قواعد النهاية.
عدى اليومين اللي بعدهم في صمت مريب جوة شقتي. محمود كان بيطلع الصبح ويرجع بالليل يلاقي البيت ساكت، مفيش لا أكل ولا كلام، يدخل ينام وخلاص، مفكر إني استسلمت وخلاص الموضوع بلعته زي كل مرة وأني مكسورة الجناح. ميعرفش إن الهدوء ده مش استسلام، ده الهدوء اللي بيسبق طلقة المدفع.
في اليوم التالت، قررت أبدأ خطتي. لبست أشيك طقم عندي، دريس كحلي هادي ومحترم، وظبطت حجابي وحطيت كحل خفيف يداري أثر الدموع، ورفعت راسي في المراية وقولت لنفسي الحق مبيجيش بالدموع، الحق بيتاخد بالقوة والذكاء.
نزلت وركبت تاكسي، ورحت على عمارة حماتي. العمارة اللي شهدت أكبر كدبة اتقالت في حقي.
طلعت السلالم خطوة خطوة، وكل خطوة كنت بحس قلبي بيدق فيها بقوة، بس المرة دي مكنش خوف، كان استعدا لمواجهة عمرها ما كانت هتتخيلها.
وصلت عند باب الشقة، وسمعت صوتها جوة بتزعق وبتتكلم في التليفون مع حد من قرايبها وبتحكي على حلاوة الخطوبة ومين جاب إيه ومين أكل إيه.
رفعت إيدي، ورنيت الجرس. رنة واحدة.. طويلة وواثقة.
الصوت سكت جوة، وسمعت صوت شبشبها بيقرب من الباب ببطء. فتحت الباب نص فتحة وهي بتقول مين؟، بس أول ما شافتني، وشها اتقلب لونه، وبانت الصدمة في ملامحها لثواني قبل ما تتدارك نفسها وتتصنع البرود التام.
فتحت الباب على آخره، وحطت إيدها في وسطها وقالت بنبرة فيها تعالٍ وقسوة
خير يا فوزية؟ جاية ليه دلوقتي؟ إحنا مش قولنا إنك ملكيش في دوشتنا ولا ليكي في تجمعاتنا؟ جاية تدوري على إيه بعد ما الخطوبة خلصت ونضفت؟
دخلت خطوتين لجوة وهي وسعت غصب عنها من طريقتي الهادية والواثقة، بصيت في عينيها مباشرة، من غير ما أهتز ولا شعرة، وقولت بصوت واطي بس كان طالع كأنه رصاص
أنا جاية أبارك يا حماتي.. جاية أبارك لسلفي العزيز وأمه الغالية على الخطوبة اللي اتأجلت!.. وجاية أقولك كلمتين مكنش ينفع يتقالوا في التليفون.
حماتي برقت عينيها، ومسكت مقبض الباب جامد، وقالت بصوت واطي ومليان غيظ
انتي جاية تعمليلي فيها نمرة ولا إيه؟ اتفضلي اطلعي برة بيتي، مش ناقصة وجع دماغ وشحاتة كرامة!
ابتسمت ابتسامة باردة جداً، وطلعت تليفوني من شنطتي، وفتحت التسجيل الصوتي اللي كنت مخبياه، وقربته من ودنها.. الصوت اللي طلع من التليفون خلا وش حماتي يصفر تماماً، وتترعش شفايفها، وإيدها اللي كانت ماسكة الباب تسيب وتهبط جنبها في ثواني، كأنها شافت شبح واقف قدامها بيهدد إنه يهد البيت كله فوق نفوخها ويفركش الجوازة دي قبل ما تبدأ!

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى