كيد الحموات 1

حماتي رنت عليا الصبح وصوتها طالع بنبرة الأمر اللي حافظاها كويس تعالي يلا يا فوزية عشان تطبخي وتجهزي الغدا بتاع خطوبة سلفك بكرة، شوفي هتطبخي إيه وتجهزي إيه من الليلة دي، الناس جاية بكرة على أكل نضيف ومش عايزين تقصير.
أنا بطبعي بحب أسهل الأمور وأوفر المجهود، فكرت فيها بعقلي وقلت أريحها وأريح نفسي بدل البهدلة ووقفة المطبخ بالساعات. رديت عليها بكل هدوء وذوق طيب يا ماما، إيه رأيك في فكرة تانية أسهل وأشيك؟ إحنا نجيب الفراخ ونوديها لمحل المشويات اللي على أول الشارع، يتبلها ويبيتها في التتبيلة وثاني يوم يشويها ويسلمهالنا سخنة على الفرازة. إحنا هنا بقى في البيت نعمل حلة رز بسمتي كبيرة، ونعمل السلطات والطحينة، ونجيب أطباق فويل شيك ونغلف لكل شخص نابه بطبق مقفول، حاجة تفتح النفس ومحدش يتمرمط.
ما لحقتش أكمل جملتي، لقيت البركان انفجر في وشي من ورا السماعة، وصوتها بقى يرن في ودني كأنه صفارة إنذار إنتي عايزة تفضحينا قدام نسايبنا؟! عايزة تأكلي ضيوفنا في أطباق فويل عشان كسلانة ومش عايزة تغسلي مواعين؟! عايزة تشوي الفراخ برة عشان ما تتعبيش نفسك؟! ده إيه العزوة والواجب المايع ده؟ أنا هجيب حد من الجيران يعمل لي كل حاجة، وخليكي
إنتي قاعدة في بيتك، مش عاوزين منك حاجة ولا عاوزين نشوف وشك أصلاً!
الخط قفل في وشي، والكلمات نزلت عليا زي الدبش. ردها أثر فيا وكسر خاطري جداً، حسيت إن نيتي الطيبة اتقلبت ضدي وإني بقيت في نظرهم الست المقصرة الكسلانة. فضلت أروح وأجي في الشقة، قلبي مش مطاوعني أسيبها زعلانة وتكبر الحكاية وتعمل مشكلة بيني وبين جوزي، قلت أشتري خاطري وأراضيها وأبين لها إني مش قصد وحش. لبست عبايتي وطرحتي ونزلت فوراً، روحت لها البيت وفتحت الباب بابتسامة مصطنعة وداريت إهانتي، ودخلت عليها المطبخ وقولت لها بصوت هادي ها يا ماما، أنا جيت أهو.. شوفي إنتي عايزة تعملي إيه وأنا هعملهولك بنفسي، إيه بس اللي يراضيكي وما تزعليش نفسك مني؟ أنا تحت أمرك.
بصتلي ببرود يقهر، ومطت شفتها وقالت بلامبالاة غريبة اسكتي مش الخطوبة اتأجلت؟ مش عاملين حاجة خلاص، أهل العروسة حصل عندهم ظرف وكل حاجة وقفت.
اتنحنحت ومقدرتش أقول حاجة، حسيت باكتئاب يخنق، قعدت ييجي نص ساعة كده أشرب كوباية مية بالعافية والجو مشحون ومحدش بينطق كلمة، قومت روحت شقتي لإننا ساكنين في عمارة تانية بعيد عنهم شوية.
تاني يوم جه واليوم كان ماشي طبيعي ومفيش أي حركة، وجوزي نزل من بعد العصر وقالي ورايا مشاوير وشغل برة. الليل جه والساعة دقت اتناشر، وتليفونه مقفول أو مش بيرد، القلق بدأ ياكل في قلبي وقولت أكيد في حاجة حصلت. اتصلت بيه تاني على الساعة واحدة بالليل، وأخيراً فتح الخط.
لسه بقوله بصوت متوتر إنت فين واتاخرت كده ليه كالعادة وقلقتني عليك؟
قبل حتى ما يفتح بؤه، وداني لقطت صوت مزيكا دي جي بتهز المكان وراه، وزغاريد طالعة في الخلفية، وأصوات ناس بتصقف وبتغني بأعلى صوت، والهرج والمرج واصل لقلب التليفون! سكت ثانية مذهولة وقولتله وأنا بتنفض إنت فين بالضبط؟ الصوت ده إيه؟
رد عليا ببرود وكأنه بيقول حاجة عادية جداً أنا في خطوبة أخويا.. هيكون فين يعني؟
الدنيا لفت بيا وسقف الأوضة حسيت إنه بيقع فوق راسي، صوتي اتحبس في زوري بالعافية وقولتله خطوبة أخوك إزاي؟! ده مامتك قالتلي إمبارح إن الخطوبة اتأجلت ومفيش أي حاجة هتحصل!
ضحك ضحكة صفرا سريعة وصوته اتردد في ودني بكلمة واحدة قطعت أنفاسي، قبل ما يكمل كلام خلاني أتجمد في مكاني وأنا شايفة خيوط مؤامرة رخيصة اتنسجت ورا ضهري عشان يطردوني من عيلتهم للأبد…حصري على صفحة روايات و اقتباسات.
الفصل الثاني النار اللي تحت الرماد
الضحكة الصفرا اللي طلعت منه في التليفون كانت كفيلة تدبحني. كأنها سكينة تلمة بتنحر في كرامتي بالبطيء. قالها ببرود يقصف العمر ضحكوا عليكي يا عبيطة.. أصل أمي قالت إنك مش وش نعمة ومش عاوزة تحضري وتعملي دوشة، فقرروا يعملوها على الضيق من غير دوشتك!
التليفون وقع من إيدي على السجادة، ماسمعتش هو قال إيه بعدها ولا حتى سمعت صوت الدي جي اللي كان قالع وداني. حسيت كأن وداني بتصفر صفير عالي ومكتوم، كأن في غارة طيارات نازلة فوق نفوخي. الدنيا اسودت لثواني، والأوكسجين اتسحب تماماً من الأوضة. قعدت على الأرض مش قادرة أصلب طولي، ركبي سايبة ومش شايلاني.
فضلت باصة في سقف الصالة، شريط السنين كلها بيجري قدام عيني في ثواني. هي دي حماتي؟ دي الست اللي كنت بصحي نفسي بدري عشان أعملها اللي هي عايزاه؟ دي اللي كنت بجري بيها على المستشفيات أول ما ضغطها يعلى وعيالها التانيين نايمين في العسل؟ دي اللي دخلت بيتها بنية بيضا وقلت هعتبرها أمي التانية؟
أمي؟! الأم متطعنش في الضهر بالشكل ده.. الأم متفضحش وتكسر خاطر وتخلي ابنها يكلم مراته بالنبرة الحقيرة دي!
الدموع نزلت من عيني مش دموع عادية، كانت دموع حامية زي مية النار، نازلة تحرق في خدي. قلبي كان بيدق بسرعة لدرجة حسيت إنه هيخرج من بين ضلوعي. من حقي أزعل ولا لأ؟ كلمة أزعل دي كلمة هايفة ورخيصة أوي قصاد القهرة اللي كانت بتاكل في حشاي جوة!
القهرة بتقتل يا ناس، القهرة بتخلي الواحد يحس إنه ملوش تمن، كأنه كيس زبالة ركنوه على جنب بعد ما خلصوا مصلحتهم منه.
البيت كان ساكت وهادي هدوء يخوف، هدوء الموتى. قومت بالعافية، زحفت لحد الكنبة، وقعدت لامة رجليا في حضني وضامة مخدة على صدري وبعيط بصوت مكتوم عشان الجيران ميعرفوش بالمهزلة اللي أنا فيها. فكرت في كل كلمة قالتها لي في المطبخ لما روحت أراضيها اسكتي مش الخطوبة اتأجلت؟ مش عاملين حاجة خلاص.
كانت بتبص في عيني وبتكدب! بتكدب بمنتهى البجاحة والثبات الإنفعالي، لا رمش لها جفن ولا بان عليها ذرة تردد! يا جبروتك يا شيخة! عملتلك إيه لكل الغل ده؟ عشان قولت نشتري فراخ مشوية ومحدش يتعب وماتقفيش في السن ده توجعي ضهرك في المطبخ؟ ده أنا كنت بفرّغ عليكي التعب، ده أنا كنت خايفة عليكي وعلى نفسي من بهدلة عزومة فوق التلاتين نفر! بقى ده جزاتي؟ تقدمي الخير تلاقي الشر قاعد مستنيكي بكرباج؟
فضلت قاعدة على الحال ده لحد ما الفجر أذن. سمعت الأذان وهو بيقول الصلاة خير من النوم، قومت اتوضيت وأنا بتنفض. المية الساقعة نزلت على وشي لسعتني، بس مصحتش فيا إلا نار الغيظ. وقفت على سجادة الصلاة، وفضلت ساجدة وأنا بعيط وبشهق من قهرتي، مكنتش قادرة أقول غير كلمتين اتنين بس حسبي الله ونعم الوكيل في كل من كسر بخاطري وذلني.. حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا أم أحمد.
سلمت من الصلاة وقعدت، جسمي كله كان مهدود ومش طايقة أكل ولا أشرب. ريقي نشف وبقى مر زي طعم الحنظل. فتحت التلاجة أطلع إزازة مية، معرفتش أبلع نقطة، لقمة العيش كانت تقف في زوري وكأنها حجارة.
على الساعة تمانية الصبح، لقيت الباب بيفتح بالمفتاح. دخل محمود جوزي، وشه متسخط من السهر، وريحته سجاير ودخان، ولابس قميصه الجديد اللي كنت كاوياه بإيدي الاتنين قبلها بيوم على أساس إنه خارج يقابل صحابه زي ما ضحك عليا!
دخل الصالة ببرود، بص عليا وأنا قاعدة بهدومي على الكنبة والعيون مورمة من العياط، محاولش حتى يطبطب عليا ولا يسألني مالك. رمى مفاتيحه على الترابيزة وقال بصوت خشن
إيه.. هتفضلي قاعدة عاملي فيها دور الضحية كدة كتير؟ ماتخلصينا بقى!
بصيت له ولساني مكنش طاوعني أنطق، قومت وقفت بالعافية وقولتله وأنا بصتي مسمرة في عينيه
ضحية؟ أنا عاملة دور الضحية يا محمود؟ إنت جاي من حفلة معمولة ورا ضهري، متفقة فيها أمك وأخوك وإنت معاهم عشان تداروا عليا وتطلعوني برة بيتكوا، وجاي تقول لي دور الضحية؟
رد وهو بيبص بعيد وبيخلع جزمته
انتي اللي جبتيه لنفسك! أمي قالت لك تعالي اطبخي، نزلتي عليها باقتراحاتك السخيفة بتاعة أكل دليفري ومشويات وأطباق فويل! إنتي عاوزة تعرينا قدام أهل العروسة الجداد؟ الناس يقولوا واخدين ناس مش قادرة تطبخ للضيوف؟ أمي حسّت إنك بتقللي منها ومن ابنها التاني اللي هيخطب، وقالت لي مراتك كسلانة ومش وش واجب ومينفعش تحضر وتفرش وشها الخشب قدام الناس، وأنا صراحة وافقتها.. دي ليلة أخويا ومش عايز نكد!
الكلمات نزلت عليا أتقل من الصخر. صرخت فيه وأنا بنهار
نكد؟! أنا اللي نكد ولا الغل اللي ساكن قلوبكم؟ أنا كنت بريحها! قولت لها بدل ما نقف نطبخ لخمسين نفر، نجيب الأكل جاهز وشيك.. ده اللي زعلها؟! طب حتى لو زعلها يا مفتري، تروحوا تعملوا الخطوبة وتقولوا لي اتأجلت وتنزلوها أنتوا وتتبسطوا وترقصوا وتسبوني قاعدة هنا زي البيت الوقف مضحوكة عليا؟! بقى ده اللي ربنا قاله؟ ده حق العشرة؟




