منوعات

دراعي اتكسر 3

وصل البيت.. البيت اللي ريحته بقت من الصبح خليط من لبن محمض وبامبرز مستعمل، كأنه دخل خرابة مش الشقة الفندقية اللي سلمى كانت بتخليها تبرق وتفوح بريحة اللافندر والمعطر كل يوم.
​حط الولاد في الصالة، وبص للشقة.. المطبخ مقلوب، المواعين متراكمة من فطار إمبارح، الببرونات مرمية في الحوض وعليها بكتيريا، السجادة عليها بقعة كحلي من القهوة اللي دلقها الصبح في توتره، وملايات السرير متكومة على الأرض.

​قعد على الكنبة وحط وشه بين إيديه.. فجأة سمع رنة موبايله:
صوت إشعار واتساب.
​فتح الموبايل، لقى صورة جديدة من سلمى.
​سلمى كانت لابسة روب فندقي أبيض، ناصع البياض وريحته واصلة من الشاشة، قاعدة في سبا الأوتيل، رجلها محطوطة في مية بورد وورق شجر، ودراعها المكسور محطوط على مخدة حريرية ومربوط عليه باندانا موف شيك، وماسكة عصير كوكتيل بشاليموه، وكاتبة رسالة:
“أخبار يومك إيه يا شقيان؟ متنساش إن يوسف لو معملش تمارين رجلين، الغازات هتحبسه ومش هيغمض عينيك الليلة كمان. أنا هنا بعمل جلسة مساج حجارة سخنة لكتفي اللي كنت بتضحك عليه وتقول ‘عضمك طري’.. سلملي على اللاشيء!”
​طارق حس ببركان بيغلي في دماغه. كتب لها:
“ارجعي يا سلمى كفاية مسخرة، الشغل اتخصم مني والعيال تعبانين، أنتي مش أم، أنتي معندكيش قلب!”
​سلمى شافت الرسالة، وبعد دقيقة ظهرت كلمة “typing”… وبعدين بعتت تسجيل صوتي مدته عشر ثواني.
​فتح الريكورد، طلع صوت ضحكتها الرنانة المريحة، صوت هادي جداً، فيه كمية برود أعصاب تشل:
“تؤ تؤ تؤ.. مخصوم منك تلات أيام؟ معلش يا حبيبي، ما هو الإجازات المرضي للأمهات

ملهاش مكان في قاموسك، اعتبر التلات أيام دول إجازة أمومة مجانية ليك عشان تستمتع بقعدة البيت والدلع اللي ملوش لازمة! باي بقى عشان مدام نيفين بتاعت المساج وصلت.”
​طارق رمى التليفون على الكنبة وهو بيزعق:
“ماشي يا سلمى.. والله ما هكلمك تاني.. والله ما هرن عليكي لو مت هنا!”
​الساعة دقت ٦ المغرب..
​المعركة التانية بدأت. ياسين ويوسف صريخهم اتحول لنواح يقطع القلب. بطونهم منفوخة زي البالونة. طارق مش عارف يعمل إيه، دخل على جوجل وكتب: “علاج المغص عند الرضع عمر ٥ شهور”.
​طلعت له فيديوهات لدكاترة أطفال: “نضع الطفل على بطنه، ثم نقوم بتدليك الظهر بحركات دائرية، أو نقوم بتمرين العجلة برجليه لتفريغ الغازات…”
​طارق قعد على الأرض، جاب ياسين، نيمه على ضهره، ومسك رجلين الواد الصغيرين وقعد يبدل بيهم زي العجلة. ياسين كان بيتلوى ويصرخ، وطارق عمال يعرق ويقول:
“بدّل يا ابني بدّل.. حسبي الله ونعم الوكيل في أمك.. بدّل!”
​وفجأة، طرقعت من بطن الواد طرقعة غازات طويلة، وياسين أخد نفس عميق، وشه هدي، ونزل دموعه وغمض عينه وسكت!
​طارق بلم.. بص للواد، وبص لإيديه:
“أنا عملتها؟ أنا فرغت الغازات؟! الله أكبر! أنا عبقري!”
​بس قبل ما يحتفل بالانتصار العظيم ده، يوسف على الناحية التانية كان بيزن زن خبيث، زن مش بتاع مغص، زن بتاع قرف.
​طارق شال يوسف، وبص في البامبرز..
“يادي البامبرز وسنينه السودة!”
​المرة دي قرر يركز ويبقى محترف:
جاب المشمع، المناديل، الكريم، الحفاضة النضيفة، وقفل التكييف عشان الهوا ميعملش نافورة زي بتاعة الصبح.
​بدأ يغير ليوسف بالراحة وبكل حذر كأنه بيفكك قنبلة موقوتة في فيلم أكشن. مسح ونضف، بس وهو بيحط الكريم، يوسف رفس برجليه رفسة غبية، كباية المية اللي جنب طارق وقعت على الأرض، وعلبة الكريم طارت دخلت تحت الدولاب!
​طارق وطى يزحف على بطنه تحت السرير والدولاب عشان يجيب علبة الكريم، وراسه اتخبطت في الكومودينو:
“آآآخ! يا ربي الصبر!”
​طلع بالعلبة، وهو وشه كله تراب وعفار، خلص تغيير ليوسف ولبسه، بس اكتشف إن هدوم الوادين خلصت كلها! كل السالوبيتات كانت متوسخة لبن وقشط وترجيع، والباسكت بتاع الغسيل طافح هدوم بيضا وملونة!
​”الغسالة بتشتغل إزاي دي كمان؟”
​دخل الحمام ووقف قدام الغسالة الأوتوماتيك كأنه واقف قدام كابينة طيارة بوينج. زراير، شاشات، بكرات، ورموز مريبة: شمس، ورقة شجر، علامة كوي، قطن، صوف!
​طارق مسك المسحوق، كب منه تلات كوبايات في الدرج عشان الهدوم تنضف بسرعة، ولم كل الهدوم اللي في البيت: الأبيض مع الأسود مع الأحمر مع السالوبيتات الصوفية مع الفوط، وحشرهم في الحلة لحد ما الغسالة كانت بتستغيث، وظبط البكرة على أعلى درجة حرارة عشان “الجراثيم تموت”، وداس زرار التشغيل!
​الغسالة بدأت تسحب مية، وطارق حس بالفخر:
“أهو.. شغلت الغسالة، أكلت العيال، وغيرتلهم، إيه الصعب في كدة بقى؟ نسوان مأفورة وبتحب تتباكى!”
​الساعة بقت ١٠ بالليل.
​طارق كان بطنه بتصوصو من الجوع، مأكلش من الصبح غير لقمة عيش ناشفة وجبنة بيضا في بؤه على الواقف.
​دخل المطبخ يدور على أكل، ملقاش غير تونة وتوست بايت. فتح علبة التونة وكلها بالشوكة من العلبة وهو واقف، ودموعه كانت محبوسة في عينه من القهر. بص على نفسه في مراية المطبخ:
دقنه نبتت عشوائي، عينيه غرقانة تحت هالات سودة كأنه مدمن هيروين، شعره منكوش، ولابس شورت وبنص كم مقطوع ومليان بقع صفرا وخضرا، وريحته تخنق بلد.
​وفجأة.. سمع صوت فرقعة جاية من الحمام، وصوت هبد وترزيع كأن في دبابة جوة!
​طارق جرى على الحمام وفتح الباب..
المنظر كان يفوق أي كابوس شافه في حياته:
​الغسالة كانت بتنط من مكانها، الرغوة بتاعة المسحوق طالعة من الدرج ومالية أرضية الحمام كلها واصلة لحد الصالة، والمية المغلية بتسرب من الخرطوم، وصوت العصر كان كأن محرك نفاث بيحتضر!
​جري طارق وشد الفيشة من الحيطة وهو بيتزحلق في الرغوة، وقع على ضهره في نص المية بالصابون، وقعد يصرخ من وجع عصعوصه:
“آآآآه يا ضهري! آآآآه يا قفايا!”
​قام يجر رجليه، فتح باب الغسالة عشان يشوف الهدوم..
الكارثة كانت مكتملة الأركان:
الفوطة الحمرا حلت على كل السالوبيتات البيضا بتاعت التوأم، فبقت كلها لونها بمبي فاقع، وبلوفر طارق الصوف المفضل اللي شاري بيه ألفين جنيه انكمش وبقى مقاسه ينفع لعروسة لعبة!
​قعد طارق في وسط الرغوة على أرضية الحمام، وبدأ يعيط بجد. عياط راجل اتهد، عياط راجل كل كبريائه وغروره اتداسوا بالجزم.
​وفي اللحظة دي، كأن الكون مكنش ناقصه غير المشهد ده..
ياسين ويوسف، اللي كانوا نايمين من التعب، صحيوا على صوت الهبدة، وانطلقت صفارة الإنذار التوأمية للمرة المليون:
“وااااااااع… واااااااع!”
​طارق زحف على ركبه برة الحمام، مبلول، مزحلق، وشه في الأرض، دخل الأوضة لقى يوسف بيصرخ ووشه محمّر وعمال يعطس ويكح.
​طارق قرب منه، حط إيده على جبين الواد..
إيده اتلسعت!
​يوسف كان مولع نار!

​طارق اتفزع، قلبه وقع في رجليه:
“يوسف! يوسف مالك يا حبيبي؟ حرارتك عالية أوي ليه كدة؟!”
​دور على الترمومتر في الأدراج، ملقاهوش، كل حاجة متبهدلة ومرمية في حتة. جاب كمادات مية من الحنفية، حطها على راس الواد، الواد صرخ ورفضها وقعد يرتعش من السخونية.
​هنا طارق حس بالرعب الحقيقي..
مش رعب الشغل ولا رعب الفلوس ولا رعب الفضايح.. رعب إنه ممكن يضيع ابنه بإهماله وجهله، رعب إن سلمى كانت حامية البيت ده من كوارث هو عمره ما حس بقيمتها.
​مسك الموبايل بإيد بتترعش زي الورقة في مهب الريح.
طلب رقم سلمى..
المرة دي رن.. رنة.. اتنين.. تلاتة..
​فتحت سلمى الخط، وصوتها كان جاي ناعس ومروق:
“ألو؟”
​طارق ممسكش نفسه، انهار في التليفون، صوته كان متقطع بالعبرات والشهقات زي عيل صغير ضايع في المولد:
“سلمى.. سلمى تعالي أرجوكي.. يوسف مولع نار يا سلمى، حرارته معدية الأربعين والواد بيترعش في إيدي وأنا مش عارف أعمل إيه! تعالي وحياة ولادك تعالي، أنا جزمة، أنا حمار، أنا مكنتش فاهم حاجة.. البيت غرقان وأنا متبهدل ومش قادر أتنفس.. تعالي انقذي ابنك يا سلمى!”
​الخط سكت ثانية.. صوت سلمى اتغير تماماً، كل البرود والشماتة طاروا في ثانية، وحل محلهم صوت الأم الملهوفة اللي مستحيل تتخلى عن ضناها:
“طارق! افتح التلاجة في باب التلاجة هتلاقي إزازة لبوس حرارة زرقا، حطله نص واحدة فوراً ومتحطش كمادات ساقعة على دماغه، اعمل كمادات مية فاترة بين فخاده وتحت باطه! أنا جاية حالاً!”
​قفلت السكة.
​طارق جري على التلاجة، إيديه كانت بتترعش لدرجة إنه وقع إزازة الدوا مرتين في الأرض. عمل اللي سلمى قالت عليه بالحرف، قعد جنب يوسف على السرير، بيبكي ويمسح بمية فاترة على جسم الواد الصغير، وياسين في السرير التاني بيهشتكه برجليه، ولسانه مش بيبطل دعاء:
“يارب احفظهم.. يارب احفظهم.. أنا الغلطان، أنا اللي كنت أعمى ومفتري.. يارب سامحني.”
​بعد نص ساعة بالظبط..
​صوت المفتاح رن في الكالون.
​الباب اتفتح، ودخلت سلمى.
​كانت لابسة عبايتها وطرحتها، دراعها المكسور محطوط في الحمالة، وشها كان باين عليه القلق الشديد، ووراها شنطتها الكبيرة.
​أول ما دخلت وبصت على الصالة: المنظر كان مهول.
رغوة غسيل واصلة للطرقة، ريحة البيت زبالة ولبن، بقع على الحيطان، وبامبرز مرمي في كورنر، والمطبخ كأنه موقع حرب نووية.
​بس عينيها مدورتش على الشقة، جريت على أوضة النوم.
​شافت طارق قاعد في الأرض جنب السرير، ساند راسه على حرف المرتبة، وشه غرقان دموع وتراب ورغوة، وماسك إيد يوسف الصغير بيبوسها.
​أول ما طارق رفع عينه وشافها، قام زحف على ركبه، ومسك في طرف عبايتها ودفن وشه في قماشها:
“سلمى.. حقك عليا.. وحياة ربنا حقك عليا، أنا آسف.. أنا جزمتك على راسي، أنا اللي طلعت قليل الأصل ومعنديش دم.. أنتي بتشيلي جبال، أنتي شايلة البيت ده على كتافك وأنا كنت نايم في العسل وبتبطر وبقول مبلطة.. متسيبينيش تاني يا سلمى، والله البيت ده من غيرك يتهد على دماغنا كلنا!”
​سلمى نزلت دموعها غصب عنها، مش عشان ضعفت، بس عشان شافت في عينيه الانكسار والندم الحقيقي، شافت إن الدرس كان كافي يدبحه ويربيه من أول وجديد.
​طبطبت على كتفه بإيدها السليمة بصعوبة، وقالت بنبرة حازمة بس فيها حنية:
“قوم يا طارق.. قوم نلحق ابنك الأول، وبعدين نتحاسب.”
​قربت من يوسف، قاست حرارته بشفايفها على جبينه، لقت الحرارة بدأت تنزل بفضل اللبوس والكمادات اللي طارق عملها:
“الحمد لله.. العرق نزل والحرارة كسرت، كان شوية تسنين مع لقطة برد من التكييف اللي أنت سايبه يضرب في صدورهم.”
​طارق قعد على الأرض بيتنفس بصعوبة كأنه كان في سباق موت:
“الحمد لله.. ألف حمد وشكر ليك يارب.”
​سلمى بصت لياسين، لقته نايم وبطنه هادية، ابتسمت نص ابتسامة وقالت له:
“أنت مكرعه وعامله تمارين بطن؟”
طارق هز راسه بكسوف:
“اه.. شوفتها على جوجل.. والله حاولت يا سلمى، بس لقيت نفسي عاجز، مكنتش متخيل إنك بتعملي كل ده كل يوم وبإيد مكسورة كمان وأنا رايح جاي أتنمر وأتأفف.”
​سلمى اتنهدت تنهيدة طويلة طلعت من قاع قلبها، وقعدت على الكرسي قصاده:
“طارق.. الست لما بتطلب مساعدة من جوزها، مش عشان هي كسلانة ولا عشان عايزة تذله. الست بتطلب مساعدة عشان بتحس إنها بني آدمة ليها طاقة، وإن العيال دول مسؤولية اتنين مش واحدة بس. أنت كنت شايفني ‘مبلطة’، وشايف أكلي وشربي ونضافتي ونضافة عيالك دي بتنزل من السما بمعجزة إلهية وأنا حاطة رجل على رجل. شوفت بعينك أهو، اللاشيء اللي أنا بعمله كلفك شغلك وكلفك كرامتك وكان هيضيعلك ابنك في يوم واحد!”
​طارق باس إيدها السليمة، وباس الجبس بتاع دراعها المكسور:
” توبة يا سلمى.. توبة من دي النوبة. من هنا ورايح، كل حاجة في البيت بالنص، وكل قرش محوشه للمطبخ هحطه تحت رجلك، ومش هنزل من البيت ده ولا هروح قهوة غير وإحنا شايلين الليلة سوا.. بس سامحيني يا أم العيال.”
​سلمى بصت له، وابتسمت ابتسامتها الصافية اللي طارق كان محروم منها:
“مسمحاك يا طارق.. بس على شرط.”
طارق اتنفض وقال بلهفة:
“شرط إيه؟ أؤمري، رقبتي ليكي!”
​شاورت على الصالة والحمام والمطبخ بإيدها السليمة وضحكت بخبث:
“شايف المهزلة اللي برة دي؟ الرغوة، والمواعين، والهدوم اللي بقت بمبي، والبامبرز اللي مرمي في كل حتة؟”
طارق بلع ريقه برعب:
“أيوة.. مالهم؟”
​سلمى حطت رجل على رجل، وسندت ضهرها لورا، وقالت بروقان:
“هتجيب مساحة وجردل، وتدخل تنضف البلاط ده يبرق، وتغسل المواعين على إيدك، وتلم الغسيل ده وتنشره، وأنا هقعد هنا في التكييف مع العيال أريح دراعي المكسور وأشرب نسكافيه وأتفرج عليك وأنت بتعمل ‘اللاشيء’.. ها، قولت إيه يا سي السيد؟”
​طارق ابتسم بمرارة، قام على حيله وهو ضهره متكسر وكل حتة في جسمه بتوجعه، شمر كمام قميصه المقطوع وقال بأعلى صوته:
“تحت أمرك يا ست الكل! هاتولي المساحة والجردل.. ده اللاشيء ده طلع أتقل من شيل الحديد، وأنا فدا تراب رجلك ورجلين العيال!”
​وخرج طارق على الصالة يبدأ أكبر عملية تنضيف في تاريخه، وسلمى بتبص له من الباب وهي بتضحك، بعد ما رجعت كرامتها وحطت النقط على الحروف، وعرفت جوزها إن البيوت مبتتبنيش بالقهر ولا بالكلام الفارغ.. البيوت بتتبني بالمشاركة والرحمة.. أو بدرس قاسي زي أسبوع الأوتيل!

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى