منوعات

طليقي واختي 1

قعدوني على كرسي بلاستيك ورا عمود رخام في آخر القاعة، أتفرج على أختي وهي بتتجوز طليقي وأبو بنتي، وبكل وقاحة تبصلي وترميلي بوسة في الهوا مع ابتسامة نصر. اعقلي بقى ومتبوظيش ليلة أختك، دي كانت نصيحة أمي. بلعت الإهانة وقعدت في الضلمة، لأن بقالي 18 شهر بكتب وراهم كل مليم هربان من الحسابات. بعد ما المأذون خلص، موظف قضائي حط ورقة قدام العريس وسأله عن ست كلمات بس.. قلبت الفرح لجنازة.
إياكي تعكّري مزاج أختك وتخربي بيتها الليلة دبي.
أبويا ميل على ودني وقالها بهمس، محدش في القاعة كلها سمعه غيري.
كنت محشورة في أبعد نقطة في الصالة بالتجمع، الرؤية مقطوعة بعمود خرساني ضخم، والصوت يدوبك واصلني مع الزغاريد ومراسم كتب الكتاب. وبنتي فريدة، اللي عندها تمن سنين، كانت واقفة جنب الكوشة بفستان أوف وايت وماسكة سبت الورد؛ خالتها أصرت هي اللي تزفهم.
أيوه، بنتي بتزف أبوها على أختي.
وأمي قبل ما المعازيم يكملوا، قربت مني وقالت بكل برود افهمي يا مريم، دي ليلة نهى.. وجودك في وشها ممكن يقلقها وينكد عليها، تعالي على نفسك المرة دي.
عمري كله وأنا باجي على نفسي عشان نهى تفضل مرتاحة.
من وإحنا أطفال، نهى ليها اللبس الجديد، الدلع، والطلبات المجابة. وأنا الشاطرة العاقلة اللي تجيب مجموع عالي ومبتطلبش

مليم. فهمت من بدري إن البيت فيه بنتين، بس واحدة بس هي اللي ليها تمن.
اتعرفت على شريف وأنا في نص العشرينات؛ كان لسه فاتح ورشة صغيرة لتوريد وصيانة تكييفات للشركات والمولات في القاهرة. بنينا الكيان ده طوبة طوبة مع بعض. وبحكم شغلي في إدارة اللوجستيات والحسابات، كانت شغلتي ألقط أي رقم مش مظبوط أو قرش تايه.
في الأول، شريف كان شايف دي ميزة وشطارة.
لحد ما بدأ يسحب إيده ورا ضهري؛ يغير باسووردات الحسابات، يخبي كشوفات البنك، ويرد بنبرة ناشفة الفلوس دي بتاعتي وإدارتي، ملكيش دعوة بتفاصيل شغلي.
بعد حداشر سنة جواز، رفعت قضية الطلاق.
نهى ساعتها مكانش ليها أي ذكر في الصورة.
وقت القضية، شريف وقف قدام القاضي وحلف إنه واقع ومبيكسبش، وقدم كشف حساب رسمي لبنك واحد بيقول إن رصيده فيه ملاليم وإن الشركة بتصفي وبتخسر.
بس أنا كنت فاكرة كويس.
كان فيه حساب تاني خالص في بنك استثماري، حساب بيشيل فيه عِربون المقاولات والسيولة التقيلة بتاعة الشغل. الحساب ده اتبخر ومظهرش في أي ورقة رسمية.
محاميتي، أستاذة نهاد، سألتني معاكي إثبات رسمي إن الحساب ده لسه شغال وفيه فلوس؟
رديت لأ.
قالتلي يبقى بلاش صوت عالي.. وثّقي كل حركة بالورقة والقلم. الفلوس دي لو حية، هتسيب وراها أثر ورجليها هتغرز لوحدها.
جبت أجندة صغيرة، وقعدت 18 شهر أسجل كل تعاقد، وكل فاتورة بتتسرب، وكل حركة شراء مش راكبة على إيراداته الميتة. الطلاق خلص، شريف أخد الشركة، ونفقة بنتي فريدة اتحسبت على أساس إنه راجل يدوبك بيكفي أكل يومه بالعافية.
قفلت الأجندة.. وفضلت مستنية.
بعد ست شهور، في غدا يوم جمعة عادي في بيت العيلة، شفت دراع شريف محاوط كتف نهى أختي.
أمي أول ما لمحت الصدمة في عيني، قالتلي متعمليش مشكلة، أختك أخيرًا لقت نصيبها وبقت مبسوطة.
تلت شهور بعدها، وأعلنوا الخطوبة والفرح.
نهى طالعة نازلة تستعرض خاتم ألماز حر، قاعة بمبلغ خيالي، فستان مستورد، وحجز شهر عسل في الجونة والمالديف.
ساعتها بس فهمت لو شريف ناوي يعيش أختي في المستوى ده، يبقى هيضطر يصرف من الفلوس اللي حلف على المصحف قدام المحكمة إنه مبيملكهاش.
الفلوس بدأت تنطق وتفضح كدبه.
يوم الفرح، ومن ورا العمود، سمعت المأذون بينده عشان التوقيعات.
نهى رفعت راسها، عينيها جت في عيني ورا العمود، وبكل شماتة باثت كف إيدها ورمتلي بوسة في الهوا. مكنتش حركة عفوية، دي كانت رقصة انتصار على كل السنين اللي فاتت.
مردتش.. ولا اتهز فيا عصب، بس بصيت في ساعة إيدي.
أختي كانت فاكرة إنها كسبت كل حاجة وكسرتني، وطليقي افتكر إنه دفن سرقته وشطارته للأبد، وأهلي كانوا متأكدين إني هفضل البنت الغلبانة اللي تتقبل الإهانة وتسكت.
محدش فيهم كان واخد باله من الباب اللي اتفتح، ولا من الراجل اللي كان داخل وسط المعازيم بخطوات هادية وبدلة رسمية.
وأنا نفسي، مكنتش مصدقة المشهد اللي خلاص كان على بعد ثواني.
السكوت اللي نزل فجأة على القاعة مكنش طبيعي، سكوت تقيل يخنق، كأن حد سحب الأكسجين من الصالة في لحظة واحدة. صوت الضحكات والزغاريد اللي كانت مالية المكان اتبخرت، والمزيكا اللي كان ال مشغلها ورا المأذون اتقفلت فجأة بصوت تصفير مزعج خلى كم واحد من المعازيم يحطوا إيديهم على ودانهم.
أنا كنت لسه قاعدة مكاني، ساندة ضهري على الكرسي البلاستيك ورا العمود الخرساني. ضلي كان مخفي، بس عيني كانت شايفة كل تفصيلة بتحصل في الكوشة كأنها بتتعرض على شاشة سينما. نهى كانت لسه إيدها اليمين متشعلقة في الهوا، نفس الإيد اللي كانت بتبعتلي بيها بوسة الشماتة من ثواني معدودة. صوابعها اتجمدت، والخاتم الألماز اللي عمت بيه عيون الكل لمع تحت كشاف الإضاءة الأبيض، بس الابتماسة العريضة اللي كانت مرسومة على شفايفها اتمسحت، وحل مكانها تعبير ممسوح، ملامح واحدة اتلخبطت ومش فاهمة إيه الحركة الغريبة اللي عطلت مشهد تتويجها.
شريف كان قاعد جنب المأذون، القلم الجاف الفضي لسه بين صوابعه بعد ما مضى على خانة الزوج في الدفتر الكبير.
وشه كان فيه توريدة الفرح والانتصار الزايف، ضهره مفرود، ولابس البدلة التوكسيدو الكحلي اللي أنا عارفاها كويس، البدلة اللي كان دايماً يقول إنه هيوفرها لأهم صفقة في حياته. لما لقى الراجل أبو بدلة رمادي وقف فجأة بينه وبين المأذون، حاجب شريف اليمين اترفع بنوع من العجرفة، وبص للراجل من فوق لتحت باستهزاء، كأنه شايف شحات دخل عليه القاعة بالغلط.
فيه إيه يا عمنا؟ أنت مين وداخل كده زريبة؟ ما تخرج تقف بره لحد ما نخلص مراسم الفرح!
شريف قالها بصوت عالي متعمد، عشان يضحك الناس اللي حواليه ويفرض هيبته قدام نسايبه الجداد. كام واحد من صحابه ضحكوا ضحكة خفيفة ومكتومة، بس الراجل اللي واقف قدامه متهزش فيه شعرة، ولا حتى رمش. ملامحه كانت جامدة زي صخر الجرانيت، وش وظيفي بحت، ملامح حد شاف أشكال وألوان من المماطلين والكدابين لحد ما شبع، ومبقاش يفرق معاه لا بدلة عريس ولا ليلة عمر.
الراجل فتح المحفظة الجلد اللي في جيبه الداخلي بهدوء مستفز، طلع كارنيه نحاسي محفور عليه نسر الجمهورية، وفرده قدام وش شريف والمأذون في ثانية واحدة، ورجعه تاني مكانه في صدر الجاكيت
محضر تنفيذ قضائي وإخطار نيابة الأموال العامة. شريف عبد المنعم المنشاوي؟
الاسم لما اتقال بالطريقة دي، بالصيغة الجافة الرسمية، كان له مفعول الرصاصة في نص الصالة.
أبويا، اللي كان واقف على جنب الكوشة بيعدل في ياقة قميصه وبيبتسم للمعازيم، وشه جاب ألوان، خطواته بقت سريعة ومرتبكة وهو بيقرب من التربيزة خير يا باشا؟ في إيه؟ إحنا ناس محترمين وبنكتب كتاب بنتنا، إيه الكلام اللي بتقوله ده؟ ده يوم فرح، مفيش احترام لحرمة المناسبة؟
المحضر القضائي حتى مابصش لأبويا، عينه فضلت متسمرة على شريف، اللي القلم في إيده بدأ يتهز هزة خفيفة مكنش عارف يسيطر عليها أستاذ شريف، الإخطار ده يخص الدعوى القضائية المرفوعة بالطعن في الذمة المالية وإخفاء أرصدة بقصد التهرب من أحكام قضائية واجبة النفاذ، وجنحة تقديم مستندات مزورة لجهة قضائية رسمية.
المأذون، وكان راجل عجوز دقنه بيضا ولابس قفطان، رفع نضارته الطبية لفوق جبهته، بص للراجل، وبص للدفتر المفتوح قدامه، وبعدين سحب الدفتر بهدوء ناحية صدره، كأنه بينأى بنفسه عن المصيبة اللي بتتشكل قدامه.
نهى صوتها طلع أخيرًا، صوت حاد، رفيع، ومخنوق بالغيظ إيه التهريج ده؟! بابا، طلع الراجل ده بره! إنت مين أصلاً عشان تهجم علينا كده؟ كلموا الأمن يا جماعة! أمن القاعة فين؟! إزاي حد يدخل كده في وسط كتب الكتاب؟
اهدي يا مدام. صوت المحضر كان واطي بس رنان، خلى نهى تسكت غصب عنها الأمن شاف الإذن الرسمي بره وسمح بالدخول. الورقة دي تخص العريس، والإجراء ده رسمي بقوة القانون.
شريف حاول يبلع ريقه، بس ريقه كان ناشف تماماً. شفته بتتحرك بس مفيش صوت طالع منها لأول ثانية، وبعدين بص للمحضر وابتسم ابتسامة صفرا باهتة، نوع الابتسامات اللي كان بيعملها لما يتزنق في كدبة قدامي زمان يا فندم أكيد فيه تشابه أسماء، تشابه أسماء مش أكتر. أنا لسه مخلص كل قضايا الأحوال الشخصية ومسوي كل أموري، ومعايا أحكام باتة بنفقة بنتي وكل مليم بدفعه بموجب إنذار عرض على يد محضر. الورق اللي معاك ده غلط، غلط خالص.
المحضر مسك الدوسيه الورقي اللي في إيده، دوسيه لونه أصفر مقفول بدوبارة بيضا، فك الدوبارة بروقان يحرّق الدم، وطلع ورقة رسمية متدبسة في كشف حساب طويل، متني كذا تانية، ومطبوع عليه شريط فسفوري أحمر. الورقة دي بالذات، أنا كنت عارفاها كويس أوي؛ ده إذن كشف السرية المصرفية الصادر بقرار من النائب العام بناءً على المذكرة اللي نهاد محاميتي اشتغلت عليها تلت شهور متواصلين في محكمة الأسرة والنيابة العامة.
المحضر فرد الورقة على التربيزة، بالظبط فوق الخانة الفاضية اللي كانت نهى المفروض تمضي فيها كزوجة بعد شريف. شاور بصباعه على سطر مكتوب بالبنط العريض، وقاله بصوت رخيم سمعه كل اللي واقفين في الدايرة الأولى حوالين الكوشة
ست كلمات بس عايزك تقراهم بصوت عالي يا أستاذ شريف.. رد عليا بخصوص الست كلمات دول، وبلاش نكبر الموضوع أكتر من كده قدام المعازيم حساب رقم سبعة، باسم شركة النيل للتوريدات.
لما الجملة طلعت من بق المحضر، شريف وشه اتقلب أصفر زي الكركم، وفجأة عرق بارد طفح على جبينه، كأن حد دلق عليه جردل تلج.
شركة النيل للتوريدات..
الاسم ده مكنش مجرد اسم تجاري، ده كان الصندوق الأسود بتاع شريف. الاسم اللي قعد خمس سنين يأسسه في الدرى، باسم حد من قرايبه الصوريين، عشان يحول عليه نص مستخلصات التكييفات المركزية اللي كان بيعملها لمولات التجمع والشيخ زايد. الشركة اللي يوم ما قعدنا في مكتب التسوية في محكمة الأسرة، حلف قدام الخبير وقدام ربنا إنه ميعرفش عنها حاجة، وإنها مجرد شركة منافسة بتاكل عيشه في السوق، وإنه بيخسر ومبيطلعلوش في الشهر أكتر من اتناشر ألف جنيه بيصفوا بعد مصاريف العمال والإيجار، وإن حتى الألفين جنيه بتوع نفقة بنته فريدة بيستلفهم من طوب الأرض!
شريف حاول يمد إيده عشان ياخد الورقة من على التربيزة، بس صوابعه كانت مرتعشة بطريقة واضحة جداً للمعازيم اللي بدؤوا يقربوا أكتر ويتساسروا.
نهى بصت للورقة، وبصت لوش شريف، وابتدت ملامح الذعر الحقيقي تزحف على
عينيها شريف؟ إيه الورقة دي؟ إيه الكلام ده يا شريف؟ أنت مش قولتلي إنك خلصت كل حاجة مع مريم ومبقاش في أي قواضي ولا مشاكل؟
شريف ماردش عليها. كان باصص في الورقة، عينه بتجري بين الأرقام. المبالغ اللي كانت مرصودة في الكشف الملحق مكنتش أرقام عادية.. ملايين. أرباح سنين، تحويلات بالدولار وبالجنيه، شيكات مقبولة الدفع، وكلها كانت بتتحرك في حسابات متجمدة من يومين بس بأمر تحفظ رسمي.
أمي هنا مقدرتش تمسك نفسها، دخلت في النص وزقت كتف شريف بخفة وهي بتزعق ما تنطق يا بني آدم! إيه الفضايح دي في وسط الناس؟! المعازيم بيتفرجوا علينا! أنت جايب لنا مصيبة في يوم فرح بنتي؟!
وفجأة، وفي وسط الفوضى دي كلها، شريف رفع راسه.
عينه مسابتش الورقة وطلعت تدور في القاعة، مكنش بيبص لأمي، ولا لأبويا، ولا حتى لنهى اللي كانت بتعيط عياط هستيري والميكب بتاعها بدأ يسيح على خدودها. عينه قطعت القاعة كلها، وراحت مباشرة على العمود الرخام الضخم اللي في آخر الصالة.
عينيه اتقابلت مع عيني.
أنا مكنتش بتحرك. فضلت قاعدة مربعة إيدي، لابسة فستاني الأسود البسيط اللي أمي قالتلي البسيه عشان متبانيش في الصور ومتاخديش اللقطة من أختك. بصيتله في عينيه مباشرة بنظرة باردة وهادية ومستقرة، زي بحر ميت مفيش فيه موجة واحدة. الابتسامة المكسورة اللي كنت شايلها طول السنين اللي فاتت اتبدلت بنظرة شخص قاعد بيتفرج على لعبة الشطرنج وهي بتنتهي ب كش ملك متوقعة ومحسوبة بالمللي.
شريف فتح بقه، وأول كلمة طلعت منه كانت اسمي مريم…
الكلمة دي لفتت نظر الصالة كلها. نهى لفت وشها بسرعة ناحية العمود، وأمي لفت، وأبويا اتسمر مكانه.
أنا قمت من مكاني بهدوء شديد. صوت كعبي على الأرضية الرخام كان هو الصوت الوحيد المسموع، خطوات رتيبة، منتظمة، مفيهاش أي تردد. مشيت من ورا العمود، وطلعت لنص الممر الطويل المفروش بالورد الأبيض والريش اللي كانت أختي متباهية بيه، الممر اللي كنت ممنوعة أمشي عليه عشان مكسرش فرحة العروسة.
بنتي فريدة كانت واقفة على جنب، ماسكة سبت الورد الأوف وايت ومرعوبة، عنيها متعلقة بيا. أول ما قربت منها، مسحت على شعرها بحنية، ومديت إيدي ليها تعالي يا فريدة، هاتي إيدك يا حبيبتي.
فريدة سابت سبت الورد يقع على الأرض، الورد اتنثر تحت رجليا، ومسكت في إيدي وجريت استخبت ورا ضهري. نهى شافت المنظر، وصرخت فيا بانهيار إنتي؟! إنتي اللي ورا المصيبة دي يا مريم؟! أنتي غيرانة مني؟! جاية تخربي فرحتي عشان شريف اختارني أنا وسابك أنتي بعد العمر ده كله؟! أنتي مش قادرة تشوفي أختك مبسوطة؟!
أمي قربت مني وهي بتنهج، عينيها بتطق شرار، رفعت صباعها في وشي كعادتها من وإحنا أطفال أنتي إيه يا شيخة؟ إيه السواد والغل اللي مالي قلبك ده؟! أنتي مش أخت، أنتي عقربة! تبيعي أختك الصغيرة وتفضحيها قدام نسايبها والمعازيم عشان حتة ورقة؟ مكنش عشمي فيكي كده! طول عمرك أنانية وبتبصي للنعمة اللي في إيد غيرك!
أبويا كان وراها، وشه كان مكسور، بس عينه فيها خذلان، قالي بصوت مرتعش ليه يا مريم؟ ده أنا جيتلك بنفسي وقولتلك راعي خاطر أبوكي وأمك ومتبوظيش الليلة.. تعملي فينا كده قدام الناس؟ الفضايح دي مش هتتلم!
أنا وقفت في نص الكوشة، قدامهم كلهم. بصيت لأمي، وبعدين بصيت لأبويا، وآخر نظرة كانت لنهى، اللي كانت بتبصلي بغل مخلوط بدموع ذل حقيقي.
سواد؟ غل؟ رديت عليهم بنبرة هادية جداً، مفيهاش ذرة انفعال واحدة السواد ده هو الفلوس اللي بنتك المحترمة كانت بتتباها بيها من الصبح. الخاتم اللي في إيدها، والفستان اللي مستورداه من برة، والقاعة اللي دافعين فيها دم قلبهم، وشهر العسل اللي في المالديف.. ده كله مش بفلوس شريف، دي فلوس بنتي فريدة. الفلوس اللي حلف قدام القاضي إنه مبيملكهاش عشان يديني ألفين جنيه نفقة لبنته ميكفوش تمن كتب مدرستها ومصاريف علاجها!
شريف حاول يصرخ، بس صوته طلع مخنوق ومتحشرج إنتي مجنونة! الورق ده مزور! أنتي بتلفقيلي تهمة عشان تنتقمي مني! أنتي مريضة نفسياً!
المحضر القضائي اتدخل بصرامة، وحط إيده على كتف شريف بثقل التزم الأدب يا أستاذ وصوتك ميعلاش. النيابة أصدرت قرارها بناءً على تقرير الخبراء وتحريات مباحث الأموال العامة اللي استمرت أكتر من ست شهور. وأنت مطلوب رسمياً بكرة الساعة تسعة صباحاً في سراي نيابة الشؤون المالية والتجارية للتحقيق، ومعاك أمر منع من السفر ساري من ساعة واحدة بس، والتحفظ على كافة أموالك وأرصدتك العقارية والنقدية وشركاتك، بما فيها شركة النيل وشركة التكييفات، لحد ما يتم الفصل في رد المبالغ المهربة ودفع الغرامات والتعويضات المدنية المؤقتة.
الجملة نزلت زي المرزبة على دماغ شريف. قعد على الكرسي بتاعه كأنه اتقطم نصين. وشه دفنه بين كفوفه، وبدأ ينهج بصوت مسموع، أنفاس سريعة كأنه هيجيله أزمة قلبية. كل الهيبة، وكل النفخة الكدابة اللي كانت عامية عيون الكل، ادشدشت في دقايق معدودة على بلاط القاعة.
نهى بصتله وهو واقع كده، وبصت للورق اللي على التربيزة، وبعدين مسكت دراعه وهزته بعنف، كأنها بتصحي ميت شريف! رد عليا! الحسابات دي فيها كام؟! يعني إيه منع من السفر؟! يعني مفيش مالديف؟! يعني الشقة اللي في التجمع اللي قولتلي هكتبهالك باسمك دي عليها حجز؟ ! رد عليا يا شريف
متبقاش جبان!
شريف زق إيدها بقرف وعصبية، وصوت زعيقه رج القاعة اخرسي بقى! اخرسي! مفيش زفت، مفيش حاجة! خربت على دماغي ودماغك! أنتي فاكرة الفلوس دي كانت بتطبع؟! دي فلوس شقايا اللي الهانم محاميتها كشفتها فلس فلس!
نهى اتراجعت لورا خطوتين كأن حد ضربها بالقلم، بصت للفستان، وبصت للناس اللي كانوا بيصوروا بالموبايلات من ورا، وبصت لأمي وبدأت تصرخ وتلطم على خدودها بهستيريا فرحي باظ! اتفضحت يا ماما! الفرح باظ والناس بتتفرج عليا!
أمي وقفت محتارة، مش عارفة تطبطب على نهى ولا تروح تهجم على شريف ولا ترجع تشتمني أنا. لفت وشها ليا وعيونها كلها غضب أعمى مبسوطة أنتي كده؟ ارتاحتي لما دمرتي حياة أختك وكسرتي قلبها في ليلة دخلتها؟ أنتي فاكرة إنك كده كسبتي؟ إنتي خسرتينا للأبد يا مريم! خسرتي أهلك!
أنا ابتسمت، ابتسامة خفيفة وصافية طالعة من قلبي لأول مرة من سنين طويلة أنا مخسرتش حد يا أمي.. أنتم اللي بعتوني من زمان، من يوم ما قررتوا إن كرامتي وحقي وحق بنتي فريدة تمنهم رخيص قدام ضحكة نهى وفرحتها. أنتم اللي قولتولي تعالي على نفسك، وأنا جيت على نفسي لحد ما لقيتني بداس بالرجلين. بس فريدة؟ بنتي محدش هيدوس عليها ولا هياكل حقها عشان أختي تلبس ألماز وتعيش في وهم هي مش قده.
بصيت للمأذون، اللي كان قاعد مراقب المشهد بحزن وأسى، وسألته كتب الكتاب تم يا مولانا؟ العقد اتسجل خلاص؟
المأذون بص في الدفتر، وبعدين بص لشريف ونهى وهز راسه بنفي العريس مضى، لكن العروسة مكملتش توقيعها ولا الصيغة الشرعية اكتملت، والشهود ممضوش.. الدفتر ده مش هيتقفل رسمي الليلة دي، ولا يصح شرعاً ولا قانوناً في الوضع ده.
المأذون لم حاجته، حط قلمه في جيبه، وقفل الدفتر الكبير بصوت رزعة كان ليها صدى عالي في الصالة. شال شنطته وقام وقف، بص لأبويا وقال جملة واحدة بس قبل ما يمشي ربنا يعوض عليكم ويصلح حالكم.. الفلوس الحرام مبيتبناش عليها بيوت يا حاج.
القاعة بدأت تفضى في دقايق. المعازيم، اللي كانوا من شوية بيسقفوا ويغنوا، بدؤوا ينسحبوا واحد ورا التاني، وكل واحد باصص في الأرض وشايل تليفونه بيحكي للموجة اللي برة عن الفضيحة اللي حصلت. أهل العريس نفسهم، اللي كانوا قاعدين في أول صفوف، قاموا وسابوا الكوشة من غير حتى ما يسلموا على ابنهم، كأنهم بيهربوا من مركب بتغرق ومفيهاش ولا طوق نجاة.
نهى رمت نفسها على الكنبة المدهبة اللي في الكوشة، تاج الطرحة وقع من على شعرها ومال على جنب، وبقت تعيط بصوت عالي ومنهار، صوت طفلة اتكسرت لعبتها ومش قادرة تستوعب إن الحفلة خلصت. وشريف فضل قاعد مكانه، باصص للورقة اللي على التربيزة ومش قادر حتى يرفع عينه في عين أي حد.
أنا مسكت إيد فريدة كويس. ضغطت على صوابعها الصغيرة عشان أطمنها، ولفيت ضهري للكوشة وللصالة كلها.
وأنا ماشية رايحة ناحية الباب، خطواتي كانت خفيفة، كأن جبل كان محطوط على كتافي ونزل مرة واحدة. كنت حاسة بكل نفس باخده، نفس نضيف مفهوش ريحة قهر ولا ظلم.
وقبل ما أعدي عتبة القاعة، وقفت ثانية واحدة، وبصيت ورايا للمرة الأخيرة. شفت المحضر وهو بيحط إيده على كتف شريف وبيديله إشعار الحضور الإجباري، وشفت أمي وأبويا واقفين مذهولين وسط الكراسي الفاضية والورد المرمي على الأرض.
رفعت راسي، وخرجت للهوا الساقع برة القاعة، وأنا عارفة كويس أوي إن الليلة دي مكنتش نهاية القصة، دي يدوبك كانت أول صفحة في حساب طويل لسه هيتفتح، ولسه فيه أسرار تانية شريف وأختي ميعرفوش إني مجهزاها ليهم في المحكمة بكرة الصبح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى