حماتي جبتلي فستان 1

رزعة الباب ورا حماتي كانت زي إعلان استقلال شقتي.
أحمد كان واقف يبصلي وكأنه بيشوف واحدة تانية خالص، مش سعاد اللي كانت بتصحى من الفجر تمسح السلالم وتغرق في دموعها وخدمتها. قرب مني وهو بينهج، نسي الجوع ونسي الخناقة اللي شعللت تحت، ويمد إيده عشان يمسكني.. بس أنا حطيت إيدي على صدره بهدوء ووقفته، وبصيت في عينيه بثبات: “لأ يا أحمد.. مش بالسهولة دي. أنا بقالي عشر سنين بنسحق وبتهان عشان أمتّع عينك وأخدم عيلتك، والنتيجة إنكم كلكم رميتوني بالجزمة. من النهاردة، اللي عايز سعاد تشوفه راجل، لازم هو الأول يعاملها كست.. مش كخدّامة ببلاش!”.
الليل داك كله كان جهنم حمرا تحت في الصالة.
صوت الزعيق كان واصل للسطوح. ولاء وشيماء قفلوا على نفسهم الشقق بالضبة والمفتاح ورفضوا ينزلوا يحطوا إيدهم في المواعين. إخوات أحمد دخلوا في خناقة شوارع مع أمهم ومع نسوانهم. “هي سعاد كانت خدامة أبونا عشان ترموا عليها الشغل كدا؟”، “مانتوا كنتوا عايشين كبارات وهي اللي شايلة الطين لوحدها!”. الذباب اتلم على الأكل المصنّن على السفره، وحلل المطبخ بقت ريحتها ترمي العصفور من على الشجرة. ولأول مرة في تاريخ العيلة من عشر سنين.. البيت بات من غير عشا، وكل واحد دخل شقته وجوزه بيزعق معاه!
أنا فوق كنت قاعدة مع عيالي، عملتلهم أكل خفيف، وأحمد قاعد جنبي ساكت زي التلميذ الخايب، مش قادر ينطق كلمة ولا يطلب مني أنزل، لأنه عارف إن أي كلمة غلط هتخليني ألم هدومي وأروح بيت أهلي، ويبقى خسرت الست الوحيدة اللي كانت شايلاله بيته وكرامته.
الصبح بدري.. بدل ما أصحى الساعة خمسة والمية التلج تنزل على إيدي وأنا بمسح ممر العمارة، صحيت الساعة عشرة براحتي.
دخلت أخدت دش، لبست فستان أصفر مبهج، حطيت كحل في عيني، وعملت فنجان قهوة مظبوط. خرجت وقفت في البلكونة أشم الهواء وأشرب قهوتي ببدل الروقان.
سمعت صوت خطوات حماتي طالعة السلم وهي بتتسحب، رجلها تقيلة والتعب باين عليها. فتحت باب الشقة ولقتني قاعدة بالقهوة والابتسامة على وشي. بصتلي بعيون مليانة غل ومكسورة في نفس الوقت، وقالت بنبرة فيها رجاء مكتوم: “صباح الخير يا سعاد.. المطبخ تحت يقطع القلب، وسلفاتك هوانم مش بتوع شغل وشرخوا البيت خناق، تعالي سمّي الله وانزلي شوفي حال البيت معلش..”.
رفعت فنجان القهوة وابتسمت ابتسامة هادية: “صباح الفل يا حماتي. مش إنتي اللي قولتيلي ريحة البصل والصلصة مخليين ريحتك تسد النفس؟ أنا قررت من النهاردة أحافظ على نظافتي وريحتي عشان ابنك الكسيف. المطبخ تحت مقسوم على تلاتة، ولاء وشيماء ينزلوا يمسحوا وينضفوا، وكل واحدة تطبخ ليومها ولجوزها ولعيالها. وأنا طعام جوزي وعيالي هعمله هنا في شقتي على قدنا”.
حماتي برقت عينيها وجت تزعق: “وأنا؟ هتقعديني بطولي من غير أكل ولا شرب يا سعاد؟!”.
رديت ببرود ناعم: “أنتِ على راسي من فوق يا حماتي.. شقتك أنتِ ولزمتك أنتِ أنزل أعملهالك بعيني، أطبخلك ألك لقمة نضفة وأروقلك أوضتك وتاكلي معايا فوق هنا ست الكل. إنما أخدم نسوان أولادك تاني؟ على جثتي! اللي كانت بتخدم ببلاش راحت، واللي موجودة النهاردة ست البيت اللي جوزها بيعملها ألف حساب!”.
حماتي بلعت ريقها بالعافية، بصلتي بقلة حيلة وعرفت إن سعاد القديمة ماتت خلاص. نزلت تظبط بيتها من غير ما تنطق حرف.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




