دراعي اتكسر 1

اتكسر دراعي وطلبت من جوزي يساعدني في التوأم اللي عندهم ٥ شهور، فرفض وقالي: “الأمهات ملهومش إجازات مرضي، أنتي اللي كان نفسك في عيال فشيلي شيلتك” — عشان كده كان لازم أديه درس عمره ما هينساه.
من كام يوم اتكعبلت وأنا نازلة على السلم في البيت، وقعت ودراعي اتكسر. الدكتور حطه في الجبس وحذرني إني ما أشيلش أي حاجة تقيلة لمدة كذا أسبوع عشان العضم يلحم صح.
طبعاً ومعايا توأم ولاد عندهم ٥ شهور بس، الموضوع كان شبه مستحيل وعذاب ما يتقدرش.
طلبت من جوزي، طارق، إنه على الأقل ياخد إجازة يوم من الشغل، أو يرجع بدري ساعة، أو حتى يشتغل من البيت كام يوم عشان يساعدني في العيال شوية.
طارق برّق بعينيه ونفخ وقال: “أنا راجل بشتغل، مش هقعد في البيت أسلّي العيال.”
حاولت أمسك أعصابي على قد ما أقدر وقلت له: “يا طارق، أنت شايف دراعي مجبس إزاي! هشيل طفلين ورضاعة وتغيير بإيد واحدة إزاي بس؟ أنا بطلب منك شوية مساعدة مش أكتر.”
هز كتافه ببرود وقالي: “بصي يا حبيبتي، أنتي اللي نزلتي زن وعايزة عيال وخلفة، يبقى تشيلي شيلتك بنفسك. الأم مابتتعبش ومالهاش إجازات عارضة ولا مرضي، دي مش مشكلتي!”
الكلام نزل عليا
زي المية الساقعة وكنت هقع من طولي على الكنبة من كتر الصدمة والقهرة. أنا شايلة العيلين لوحدي طول الوقت؛ بصحى بيهم طول الليل، أرضّع وأهشتك عشان يناموا، أغير بامبرز، أوديهم للدكتور وبتوع التطعيمات، ومع كل ده بطبخ وبغسل وبمسح الشقة. والمستفز إنه هو كمان كان هيموت على الخلفة ومخططين للحمل سوا خطوة بخطوة.
الأيام اللي بعدها هلكت تماماً والتعب هدّ حيلي، لدرجة إني اتحايلت على أمي تيجي تقعد معايا وتساعدني فيهم. لحد ما جه يوم وأمي جالها ظرف ومقدرتش تيجي، وأنا طبعاً مكنش ينفع أحمي الولدين بإيد واحدة متجبسة.
رجعت طلبت من طارق يمد إيده معايا.
ربع إيديه ووقف متنح وقالي: “أنا لسه راجع من الشغل مفروم ومهدود حيلي، هو أنا هرجع من الشغل برة عشان أشتغل هنا كمان؟ ما أنتي مبلطة في البيت طول النهار مابتعمليش أي حاجة!”
بقى شيل ورعاية عيلين صغيرين بقى اسمه “مابلّطة ومابتعملش حاجة”؟! لساني عجز عن الرد ومبقتش لاقية كلام أقوله.
بس ساعتها خلاص، الكيل طفح وجبت آخري منه.
كان جه الوقت المظبوط عشان طارق ياخد درس يربيه.
تاني يوم بالليل، طارق فتح باب الشقة ورجع من الشغل.. ووشه اتخطف وبقى لونه أبيض
زي الجير وعينيه مبرقة من الصدمة.
ودي مكانتش غير مجرد البداية بس.
وقبل ما الليلة دي تخلص، كان صوته جايب آخر الشارع وهو بيزعق بكل غل: “لأ! إزاي اتجرأتي وعملتي كدة؟!”
الدم نشف في عروق طارق في اللحظة اللي حط فيها المفتاح في الكالون وفتح باب الشقة. الشقة مكانتش بتغلي زي كل يوم، مفيش صوت غسالة شغالة تعصر، مفيش ريحة بصل متسبك طالعة من المطبخ مع ملوخية طازة، ومفيش زن ولولوة العيال اللي كان أول ما يدخل يتأفف منها ويقول “البيت ده عمره ما بيهدى؟”. السكون اللي كان مالي الصالة كان أتقل من حجر طاحونة نازل على الصدر.
أول خطوة خطاها جوة الطرقة، عينه وقعت على المنظر اللي خلى ركبه تخبط في بعضها؛ كان لابس قميص الشغل ومفرود، شنطة اللاب توب مدلدلة في إيده، بس وشه جاب كل ألوان الطيف، وشفايفه بقت بيضا مفيهاش نقطة دم.
في نص الصالة، كانت شنطة السفر الكبيرة، الشنطة الكحلي الدبش اللي كنا بنسافر بيها مصيف مرسى مطروح، مفتوحة على وسعها على السجادة. كل هدومي، بيجاماتي، خروجي، عباياتي البيت، مكياجي، حتى شباشبي، مرصوصة بطريقة فيها غل وبرود أعصاب يقلق أي راجل في الدنيا. وجنب الشنطة الكبيرة، كان فيه
شنطة تانية أصغر، فيها غيارات الولاد التوأم، كريمات التسلخات، الببرونات المتعقمة، وعلب اللبن الصناعي مرصوصة زي قوالب الطوب.
وأنا؟ كنت قاعدة على الكنبة الكبيرة، حاطة رجل على رجل، لابسة عباية خروجي السودة وشال شيك، لافة الطرحة بروقان عمري ما عشته من خمس شهور، ودراعي الشمال المتجبس ساندة عليه كوعي اليمين بكل شياكة، وماسكة مج نسكافيه سخن، وببص له من فوق لتحت بابتسامة صفرا تودي في داهية.
طارق فضل متنح، بلع ريقه بصوت عالي اتسمع في الصالة الفاضية، وقال وصوته بيترعش بين الخوف والمكابرة: “إيه… إيه اللي بيحصل هنا؟ شنط مين دي يا هانم؟ وأنتي لابسة ورايحة على فين والمغرب بيأذن كدة؟”
شربت شفطة نسكافيه بكل تلذذ، ونزلت المج بالراحة على الترابيزة الإزاز، بصيت في عينيه مباشرة وقلت بنبرة هادية أهدى من مية الترعة: “أبداً يا أبو يوسف.. مش أنت قلت الأمهات مالهومش إجازات مرضي؟ ومش أنت قلت إن اللي يتعب يكمل وإن أنا مبلطة في البيت ومبعملش حاجة غير إني باخد عيالي في حضني وأنت اللي شايل طاجن ستك ومفروم في الشغل؟ قولت لنفسي عيب، الراجل شقيان وبيطفح الدم برة، وأنا قاعدة أتدلع بدراع مكسور وبستعبط
وعايزاه يشيل معايا، فقررت أريحك على الآخر.”
طارق وسع عينيه أكتر، ورمى شنطة اللاب توب على الجذامة بعصبية، وقرب خطوتين والشرر بيطير من وشه: “تريحيني إزاي يعني؟ هتلمي عزيلك وتغضبي عند أمك عشان كلمتين قلتهم عشان مضغوط؟ أنتي اتجننتي يا سلمى؟ عايزة تفضحينا قدام أهلك وأهلي؟ يقولوا إيه؟ مراته سابتله البيت عشان دراعها واجعها؟ إيه حركات قلة العقل والجهل دي؟”
ضحكت ضحكة عالية رنت في الشقة، ضحكة سمجة خلت طارق يتسمر مكانه. قمت وقفت على حيلي، قربت منه خطوة بخطوة لحد ما بقيت قصاده بالظبط، وبصيت له من قريب أوي: “غضب إيه يا حبيبي؟ مين جاب سيرة الغضب ومين قال إني هروح عند أمي؟ أمي ست غلبانة ضغطها عالي ومش حمل شيل وحط، وكتر خيرها شالتني الأيام اللي فاتت وأنت رايح جاي تتفرج عليا كأني خدامة مستوردة جايبها من مكتب تشيل وترضع بإيد مكسورة. لأ يا طارق، أنا مش غضبانة، أنا رايحة أوتيل.”
طارق فتح بؤه على آخره، وشكله كان مسخرة، حواجبه اترفعت لحد منبت شعره: “رايحة فين يا ختي؟! أوتيل؟! أنتي واعية للي بتقوليه؟ أوتيل مين وفلوس مين؟ وجايبة الفلوس دي منين أصلاً؟”
طلعت الفيزا كارد بتاعتي من الشنطة الصغيرة وحطيتها قدام عينه: “فلوس جمعيتي اللي كنت محوشاها عشان أجدد بيها المطبخ اللي سيادتك مستخسر فيه مليم. حجزت أسبوع بحاله، في أوتيل محترم خمس نجوم على النيل، واخدة جناح هادي، مفيش فيه زن، مفيش فيه بصل، مفيش فيه غيار بامبرز، وفيه روم سيرفيس هيفتحولي الباب ويجيبولي الأكل لحد السرير، ومساج كمان عشان ضهري اللي
اتكسر من الرضاعة.. ودراعي يلحم في هدوء زي ما الدكتور قال.”
طارق حس إن الأرض بتميد بيه، اتلفت يمين وشمال كأنه بيدور على مخرج، وفجأة عينه راحت على أوضة النوم، وشه انقلب تاني وبص لي برعب: “والعيال؟ أنتي رايحة الأوتيل بالعيال بإيد واحدة؟ هتعملي إيه بالتوأم هناك؟ ولا أمك هتروح تقعد معاكي في الأوتيل تدفعي دم قلبك عشان الهبل ده؟”
هنا بقى كانت الصدمة الكبرى. هنا كانت النقطة اللي طارق حس فيها إن السقف بيقع فوق نفوخه بجد.
ابتسمت بكل برود، شيلت شنطة هدومي الكبيرة بالراحة، وبصيت له بكل قسوة الدنيا: “ومين قالك إني هاخد العيال معايا؟ الشنطة الصغيرة دي فيها لبس الولاد وحاجتهم، رصيتهالك عشان متتعبش وأنت بتدور في الدواليب.. الولاد قاعدين هنا، في بيتهم، مع باباهم حبيبهم.”
طارق صرخ بأعلى صوته، صوت رج الشباك والحيطان، كان بيزعق بهيستيريا: “لأ! إزاي اتجرأتي وعملتي كدة؟! أنتي اتجننتي رسمي؟! عيال مين اللي يقعدوا معايا؟! أنا راجل بشتغل! أنا مش دادة عشان تسيبيهم لي وتمشي! أنتي أمهم ودي مسؤوليتك أنتي!”
شلت شنطتي على كتفي السليم، وبصيت له من فوق لتحت وأنا بفتح باب الشقة: “مش أنت قلت أنتي قاعدة بتعملي إيه طول النهار؟ مبلطة ومبتعمليش حاجة؟ والعيال سهلين وبيدلعوكي؟ أهو الميدان يا حميدان، وريني شطارتك بقى في اللاشيء ده. أسبوع واحد يا طارق، أسبوع بحاله هتعيش فيه عيشتي اللي شايفها دلع وبلطجة.. اشرب بقى من الكاس اللي سقيتهولي، وقبل ما أنسى.. الببرونة الجاية
معادها كمان ربع ساعة، وياسين بطنه بتوجعه ومحتاج يتدفى ويشرب ينسون، ويوسف لو البامبرز اتأخر عليه خمس دقايق بيتسلخ وتفضل يصرخ للصبح. مع السلامة يا أبو العيال.. استمتع بإجازة الأمومة اللي مفيهاش مرضي!”
ونزلت على السلم وأنا سامعة صوته بيزعق من فوق، بيخبط على الباب وبيشتم وبيتحلف، بس كل خطوة كنت بنزلها كانت بتمسح وجع دراعي وبترد لي كرامتي اللي داست عليها أنانيته وبروده.
أول ما الباب اتقفل في وش طارق، الشقة رجعت سكتت ثانية واحدة بس، كأنها الهدوء اللي بيسبق الإعصار.
طارق فضل واقف ورا الباب مذهول، صدره بيعلو ويهبط، عروق رقبته ناطرة، ومش مصدق إن سلمى، مراته الهادية الطيبة اللي كانت بتجري وراه بالشبشب تريحه وتدلك له رجليه أول ما يرجع من الشغل، عملت فيه كدة ورمته في الغريق وقفلت الباب ومشت.
طلع تليفونه من جيبه وإيديه بتترعش بغباوة، طلب رقمها.. “الرقم الذي طلبته مغلق أو غير متاح حالياً.”
طلب رقم أمها، حماته، عشان يسلطها عليها ويخليها ترجع بنتها لبيت الطاعة: رن التليفون.. رنة، اتنين، تلاتة.. لحد ما الست ردت، وصوتها كان فيه بحة عيا وتعب: “ألو.. أيوة يا طارق يا ابني؟”
طارق مسك في السماعة كأنه غريق لقى قشة، وزعق بصوت مخنوق: “يا حماتي! الحقي بنتك اتجننت! سابتلي البيت وراحت قعدت في أوتيل وسابت العيال ورا ضهرها! في أم في الدنيا تعمل كدة؟ ده اسمه إهمال وعقوق وجنان! انزلي هاتيها من قفاها ورجعيها بيتها حالاً!”
ردت حماته ببرود وتنهيدة طويلة حرقت
دمه أكتر: “والله يا طارق يا ابني، سلمى كلمتني وقالت لي إنها تعبانة ودراعها مكسور ومحتاجة ترتاح عشان متعملش عملية وتركب شرايح ومسامير، وقالت لي إنك راجل البيت وهتشيل ولادك في غيابها زي أي أب محترم. وأنا بصراحة يا ابني ضهري واجعني ومقدرش أتحرك من السرير، ربنا يعينك يا حبيبي.. دول ولادك برضه، متقلقش هما عيلين صغيرين مبيعملوش حاجة، مش ده كلامك برضه؟ سلام يا ابني عشان باخد الدوا.”
الخط قطع.
طارق بص للشاشة وهو حاسس إن الدنيا كلها اتآمرت عليه. رزع الفون على الكنبة، ومفيش دقيقة عدت إلا وانطلقت السيمفونية.
صرخة خرمت ودنه جاية من أوضة النوم. “وااااااااع… أاااااااع!”
ياسين بدأها، ونغمته كانت حادة ومستفزة، وبعدها بثانية واحدة، كأنهم متفقين على شفرة لاسلكي، يوسف رد عليه بصرخة تانية تخينة وبتزن زن يرن في العضم.
طارق مسك دماغه بإيديه الاتنين: “يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. يادي المصيبة السودة!”
دخل أوضة النوم وهو بيجر رجليه، لقى الاتنين نايمين في السراير الخشب بتاعتهم، وشوشهم محمرة زي الطماطم من كتر الصريخ، ورجليهم بترفرف في الهوا بعصبية.
طارق وقف في نص الأوضة، حاطط إيده في وسطه، وبيبص لهم كأنه بيبص لكائنات فضائية نزلت الشقة بالغلط: “بس.. بس يا واد أنت وهو! بتعيطوا ليه دلوقتي؟ مش مامتكم مشت؟ اهدوا بقى عشان نعرف نفكر!”
طبعاً كلامه كان زي قلته، الصريخ علي أكتر، وياسين بدأ وشه يزرق من كتر البكا.
افتكر جملة سلمى: “الببرونة الجاية معادها
كمان ربع ساعة.. وياسين بطنه بتوجعه!”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




