بشرى 1

الغرفة خيم عليها صمت ثقيل لم يقطعه سوى رنين الهاتف تنقلت نظرات رشاد في أرجاء الصالة المشتعلة بالصمت، تراجع خطوة إضافية للخلف وظهره يكاد يلامس الجدار، وعيناه مسمرتان على عمه وهو يعطي يبلغ احد رجاله بأن يأتى بالمأذون ـ هات المأذون في إيدك وتعالى على بيت بنتى فوراً إحنا مستنيين بس متتاخرش .في هذه الأثناء، كانت الزوجة الأولى تقف مكسورة الجناح لكنها لم تنحنِ؛ رفعت عينيها المليئتين بالدموع المحبوسة وعلّقتهما برجاء وفخر على أبيها وعمها. كانت ترى فيهما السند والحماية التي افتقدتها مع رشاد، نظراتها كانت تقول لكليهما إنها تضع كرامتها الجريحة في أيديهما، منتظرة منهما أن يغسلا عنها إهانة الضرة التي دخلت بيتها دون وجه حق.
على الجانب الآخر، كانت الزوجة الجديدة تقف محتفظة بثبات ملامحها الخبيثة، لم تتحرك ولم تنطق بحرف، لكن عينيها كانتا تشعان بشماتة مسمومة ونصر أسود وهي توزع نظراتها بين رشاد وبنت عمه. كانت ملامحها الباردة تفضح فرحتها الداخيلة برحيل الغريمة، وكأنها تعلن لنفسها أنها باتت الملكة الوحيدة على عرش هذا البيت.وسط هذا التناقض، كان رشاد يعيش أسوأ لحظات التشتت في حياته.
دارت الدنيا في رأسه؛ فالمفترض والمفروغ منه الآن أنه يشعر بالفرح والراحة، لأنه أخيرًا سيتخلص من قيود زواجه التقليدي ويعيش بحرية مع البنت التي اختارها قلبه واشتراها على حساب الجميع. لكن المفارقة المريرة، أن قلبه كان يقبضه بشدة؛ شعر بغصة حارقة في حلقه وضيق في صدره وهو يرى المشهد يتداعى أمامه.نظر إلى ابنة عمه، ثم إلى والده وعمه اللذين يوشكان على إخراجه من حياتهما، وتسرب إلى أعماقه إحساس مرعب بالخسارة. أدرك في تلك اللحظة، رغم جحوده، أنه يفرط في شيء ثمين وغالٍ جدًا، .. خسارة كبيرة وصعبة، يعلم تمام العلم في قرارة نفسه أنها لن تُعوض أبدًا مهما حاول .ولم تمر سوى ساعات ثقيلة ك دهر، حتى قُطع الصمت بطرق على الباب.



