خطيب اختي 2
رفعت عيني بخضة وكنت هصرخ، لقيته “طارق”… أخوه الكبير.
طارق كان عكسه في كل حاجة؛ راجل هادي، ملامحه رجولية بجد، ومالوش في اللف والدوران ومبيضحكش في الفاضية والمليانة زي أخوه. من أول يوم جم فيه البيت وهو قليل الكلام، بس عينيه كانت دايماً متابعة كل تفصيلة.
أول ما شافني طالعة وعيني حمرة من العياط، عدل وقفته وبصلي بنظرة كلها وجع واهتمام حقيقي، وقرب خطوة وقال بصوت واطي بس حنين يربك:
“أنتي كويسة يا نور؟”
اتلجمت، ورجعت خطوة لورا وركبي بتخبط في بعض: “أ… أه، كويسة، عن إذنك.”
جيت أعدي من جنبه، بس هو وقف قدامي بهدوء ومن غير ما يلمسني، عينه كانت مركزة في عيني بطريقة خلت قلبي يدق من الخوف والربكة. بص على باب الصالة ورجع بصلي وقال بنبرة هادية بس تقيلة أوي:
“أنا مش أعمى يا نور… وشايف كل حركة وكل بصة بتتعمل من ساعة ما دخلنا البيت ده. شايف الرخص اللي بيعمله، وشايف كمان حزنك وكسرة عينك اللي أنتي فكراها مدارية.”
فتحت عيني بصدمة وحسيت الهوا طار من صدري، لساني اتشل ومكنتش عارفة أنطق بكلمة واحدة.
طارق كمل وهو بيقرب أكتر، وصوته كان فيه صدق غريب ومشاعر واضحة مفيهاش ذرة تمثيل:
“من أول دقيقة عيني جت في عينك وأنا مش قادر أشوف غيرك… أنتي مش مكانك هنا، ولا تستاهلي المعاملة دي ولا الوجع ده من حد. لو كان هو فاكر إنه داخل البيت ده عشان يلوي دراعك ولا يذلك، فـ هو ناسي إن البيت ده فيه راجل تاني عينه عليكي ومش هيسمح لشعرة منك تتأذى.”
الكلام نزل عليا زي الصاعقة، كنت باصة له ومش مستوعبة، مكنتش مصدقة إن اللي كان مراقب ومستوعب النار اللي أنا فيها، واللي طلع شايل في قلبه مشاعر ليا من أول لحظة… يبقى هو نفسه أخو الراجل اللي دبحني.
فضلت واقفه مبرقة فيه، الهوا طار من صدري والدم هرب من عروقي. كنت حاسة إن الحيطان بتلف بيا وصوته بيرن في ودني ومش قادرة أستوعب كلمة واحدة.
طارق؟ أخوه الكبير؟ الراجل الهادي اللي كان قاعد طول القعدة راسي ومبيتكلمش، هو ده اللي مركز معايا ومع تفاصيلي وعارف اللي بين السطور؟
رجعت خطوة لورا بخوف وضهري خبط في باب الحمام، صوتي طلع مهزوز ومخنوق:
“أنت… أنت بتقول إيه؟ ابعد عني لو سمحت، اللي فيا مكفيني ومش ناقصة جنان!”
جيت أتحرك وأجري من جنبه، بس هو فضل واقف مكانه، ممدش إيده عليا ولا حاول يلمسني، بس نظرة عينيه كانت مثبتاني في مكاني، نظرة مليانة حزم مع حنية غريبة أول مرة أشوفها في راجل.
اتكلم بصوت واطي ومبحوح كأنه بيحفر كل كلمة في قلبي:
“مش هبعد يا نور… ومش جنان. أنا شوفتك من شهور لما كنتي بتوصلي أختك وبتستنيها تحت، ومن يومها وأنتي في بالي. ولما هو جه وقال إنه عايز يتقدم لمريم، أنا حسيت إن في حاجة غلط… ولما شوفت نظراته ليكي وابتسامته الصفرا وهو بيلبسها الخاتم، وشوفت عينيكي اللي كانت بتنزل دموع بدل الدموع دم… اتأكدت.”
حطيت إيديا الاتنين على وشي وبدأت أعيط بهستيريا من غير صوت، خايفة حد من الصالة يسمعنا. قرب خطوة واحدة، وصوته هدي أكتر وبقى أدفى:
“متعيطيش… دموعك دي بتدبحني أنا. هو واطي، وأنا عارف أخويا وطينته كويس. فاكر نفسه كسرِك عشان لبس مريم الخاتم قدامك وبيغيظك بيها؟ والله العظيم ما هسيبه يتهنى باللي عمله، ولا هسيبك تدبحي نفسك في السكات.”
رفعت وشي وبصيتله بكسرة وسألته بقهر:
“وهتعمل إيه يعني؟! خلاص كتبوا الكتاب! مريم أختي حتة من روحي، لو عرفت هتموت، وبابا لو عرف هيتكسر، وأنا… أنا نهايتي هتبقى الفضيحة!”
ابتسم ابتسامة هادية كلها ثقة ورجولة، ومسح دموعه هو اللي كانت محبوسة، وقال وهو بيبص في نني عيني بجدية ترعب:
“مفيش فضايح هتحصل، وأختك هتفوق وتعرف حقيقته في الوقت المناسب ومن غير ما تتأذي… أما أنتي، فـ ليكي راجل هيعرف إزاي يخلي الواطي ده يندم على اليوم اللي فكر فيه يجرحك. أنا مش هسيبك يا نور، وسرك في بير معايا لحد ما أقفل الحساب معاه بمعرفتي.”
وفجأة، سمعنا صوت مريم وهي بتنادي من الصالة بدلع:
“نور! أنتي فين كل ده؟ طارق فين كمان، مش كان وراكي؟ تعالوا نشرب الشربات!”
بصينا لبعض في ثانية واحدة… الخوف كان مالي عيني، بس طارق غمزلي غمزة هادية سحبت نص الخوف من قلبي، وهمس:
“امسحي دموعك وادخلي… وخليكي فاكرة، أنتي مش لوحدك من اللحظة دي.”
مسحت دموعي بسرعة، ودخلت الصالة ورا طارق والرجفة لسه ماسكة جسمي. أول ما دخلنا، عيني جت في عين الواطي اللي كان قاعد جنب مريم، والابتسامة الصفرا لسه على وشه، باصصلي بتحدي مستفز كأنه مستني يشوفني منهارة أكتر.
قعدنا، وأمي وزعت الشربات، والكل كان فرحان ومريم ساندة راسها على كتف جوزها بدلع. فجأة، طارق حط كاس الشربات على الترابيزة برنة هادية لفتت انتباه الكل، وعدّل قعدته وبص لبابا مباشرة.
الصالة كلها سكتت، وبابا بصله باستغراب: “خير يا بني؟ في حاجة ولا إيه؟”
طارق ابتسم بوقار وهدوء، وتنحنح وقال بصوت جهوري مالي الصالة:




