دهب اخت جوزي 2
سقط على أقرب كرسي، وبص لي بعيون فيها مزيج من الذهول والذعر، وقالي بنبرة خالية من كل الجبروت اللي كان بيتكلم بيه من كام يوم: “عملتها سعاد؟ رفعالي ؟ أنا أخوها.. أنا اللي كنت بشيلها وأحطها لما جوزها ! تعمل فيا كده ربعت إيدي وقلتله بحسم ونبرة صريحة ما فيهاش : “أنت اللي لكده يا مصطفى! أختك ما ، أنت اللي نفسك لما وقفت قدام الراجل الكبير وقلت ‘مش عاجبها مالهاش عندي حاجة’. أختك مش بتفتري عليك، أختك بتبكي على حق أيتامها اللي أنت استخصرت ترجعهولهم بعين شبعانة بعد ما ربنا وسع عليك. أنت فاكر إن القانون هيطبطب عليك؟ ولا السايغ اللي شهد معاها هيغير كلامه؟”
قام وقف وجري على التليفون، مسكه وطلب رقم سعاد، لكن التليفون كان بيدي جرس لحد ما يقطع، المرة الأولى والثانية والثالثة. سعاد قفلت السكة في وشه تماماً، وقررت إن لغة الكلام الودي انتهت، وإن المسار بقى رسمياً في إيد النيابة.
على مدار الأسبوعين اللي بعدهم، تحولت حياتنا لشرارة نار موقودة. مصطفى ما بقاش ينام، يروح للشغل ويرجع يلف في الشقة زي المحبوس في قفص. راح أخد الورق وجري بيه على محامي في وسط البلد. دخلنا مكتب المحامي، وقعد مصطفى يحكي له القصة، وحاول يجمّلها ويقول إنها سلفة فلوس وإن الدهب كان مجرد تقويم.
المحامي قعد يسمعه بهدوء، ولما خلص، حط القلم على المكتب وبصله وقال بمنتهى المباشرة: “شوف يا أستاذ مصطفى، أنا مش هطبل لك ولا أخد منك قرشين وأبيعلك وهم. القضية دي لو فيها إيصال أمانة وشاهد زي السايغ اللي وزّن القطع وكتب أوصافها وجراماتها، وأضيفت لها شهادة المجلس العرفي اللي أنت اعترفت فيه بأصل أخذ الدهب بسعر زمان، تبقى موقفك الجنائي ضعيف جداً. خيانة الأمانة فيها حبس، والتأخير مش لصالحك. القاضي في مسائل الدهب والأمانات الموزونة بيحكم بالرد عيناً — يعني دهب زيه — أو بقيمته يوم السداد والطلب، مش يوم الأخذ! أنت كده بتغامر بحريتك وبسمعتك.”
خرج مصطفى من مكتب المحامي ووجهه أصفر كأنه طالع من مقبرة. الشارع كان زحمة، بس هو كان ماشي مش حاسس باللي حواليه. مسكني من دراعي في الطريق وقالي بصوت بيترعش: “سعر الجرام النهاردة زاد تاني يا سمر.. يعني الـ 100 جرام دخلوا في مبلغ أتقل من الأول! أنا لو اشتريتهم بسعر السوق الحالي هسحب كل السيولة اللي معايا، والمشروع اللي كنت ناوي أعمله بالفلوس اللي اتجمعت هيقف، وهنرجع لنقطة الصفر!”
رديت عليه بحدة وأنا بصلح طرحتي: “نرجع لنقطة الصفر بالحق والراحة، ولا نعيش في العز بفلوس سحت وأنت مهدد بالحبس؟ الفلوس اللي معاك دي يا مصطفى حلالها رايح في سداد الدين. أنت فاكر إن ربنا كان هيباركلنا في الشقة دي وأحنا بانيينها على دمعة يتيم؟ قوم امشي معايا، مفيش حل غير إننا نروح لسعاد وننهي المهزلة دي قبل ما جلسة المحكمة تيجي والخبر يوصل للشارع كله.”
في المساء، أخدت مصطفى من إيده بالعافية. كان ماشي ورايا وزي الطفل المذنب، كبرياؤه انكسر تحت ثقل الحقيقة والقانون. خبطنا على باب سعاد. فتح بكار الصغير، ولما شاف مصطفى وقف في وش الباب وما وسعش الطريق، وقال بلهجة حازمة: “عاوز إيه يا خالو؟ ماما مش عاوزة تتكلم في كلام تاني خلاص، المحامي هو اللي بيتكلم.”
طلعت سعاد من الصالة على صوت ابنها، كانت لابسة عبايتها السمرا، ملامحها كان يبان عليها التعب والسهر، بس عينيها كانت ثابته ومفيهاش الخوف القديم. بصت لأخوها وقالت: “خير يا مصطفى؟ جاي تسومني تاني على حق ولادي؟”
مصطفى نزل رأسه للأرض، خطى خطوة لجوه الصالة، وسعاد ما منعتوش بس فضلت واقفة. حط إيده على الترابيزة وقال بصوت مكتوم: “أنا أسيف يا سعاد.. الشيطان دخل بيني وبينك، وعمايا الطمع. أنا حسيت إن المبلغ كبر عليا وقلت هضيع شقا السفر، بس نسيت إن شقايا مالوش قيمة لو ضاع دمي وحق أختي.”
سعاد بصت له بسكوت، ودمعة كتمتها في عينيها. كمل مصطفى وهو بيطلع دفتر الشيكات وكارت البنك: “أنا مستعد أشتري لك الـ 100 جرام دهب بنفس الوزن والعيار، هننزل سوا للسايغ ونشتريهم جرام جرام، أو أديكي ثمنهم بسعر الصاغة النهاردة كاش قدام السايغ والمحامي، وتتنازلي عن القضية ونرجع إخوات زي ما كنا.”
سعاد تنفست الصعداء كأن هم جبل انشال من على صدرها، وبصت لصور زوجها الله يرحمه المعلقة على الحيطة، وبعدين بصت لمصطفى وقالت: “أنا ما كانش قصدي أئذيك يا مصطفى ولا أدخلك محاكم، أنت أخويا الوحيد.. بس أنت أجبرتني أقف لعيالي وأحميهم حتى منك لما استهنت بيا. الدهب هيرجع جرامات زي ما أخدته، مش عشان أنا طمعانة، عشان ده شقا المرحوم ورزق اليتامى.”
واتفقوا ينزلوا الصاغة تاني يوم الصبح عشان يتسلم الدهب رسمياً وتتكتب أوراق التنازل.. لكن الليلة دي ما عدتش بالسهولة دي، لأن سوق الدهب في مصر صبيحة اليوم التالي شهد مفاجأة وقرارات اقتصادية غير متوقعة هزت الأسعار وقلبت الحسابات كلها في اللحظة الأخيرة!
أشرقت شمس اليوم التالي ثقيلة ومحملة ببرودة خفيفة، لكن الحرارة كانت تجري في عروق مصطفى زي النار. استيقظ من أذان الفجر، يقف عند شباك الصالة، يمسك هاتفه ببدن يرتجف ويفحص شاشات أسواق المال والمواقع الإخبارية. وفي تمام الساعة السابعة صباحاً، نزل الخبر كالصاعقة على الشاشات: “قرارات استثنائية من البنك المركزي وإعادة تحريك سعر الصرف، وقفزة تاريخية غير مسبوقة في أسعار الذهب خلال ساعات الصباح الأولى!”
انفصل الجرام عن شاشة الأمس، وقفز قفزة جنونية أضافت مئات الجنيهات للجرام الواحد في لحظات! الـ 100 جرام اللي كان يحسب قيمتها بالأمس ويئن منها، أصبحت قيمتها الصباحية تطالب بمبلغ إضافي كفيل بمسح كل ما تبقى في حسابه البنكي بالكامل!
سقط الهاتف من يده على السجادة. دخلت عليه الصالة وأنا أحمل كوب الشاي، لقيت لونه شاحب كأنه جثة، وعينيه شاردتان في الفراغ. رفعت الهاتف من الأرض وقرأت العاجل المكتوب، فشهقت وحطيت إيدي على فمي.
“خربت يا سمر.. خربت كُلياً!” قالها مصطفى وهو يضرب كفاً بكف، ثم بدأ يشد في شعره بحسرة: “الساعة تسعة هنكون قدام السايغ، المبلغ اللي جهزته إمبارح في البنك بقا ناقص! الفلوس اللي كانت حيلتي عشان أسدد الدهب وأسيب مبلغ صغير نعيش منه، كده هتتنسح كلها ومش هتفي كمان! السايغ مش هيسلّمنا جرام واحد إلا بسعر اللحظة دي!”
قبل أن يستوعب الصدمة، رن هاتفه. كان المحامي. رد مصطفى بصوت مبشوم: “أيوة يا أستاذ..”
جاءه صوت المحامي حازماً ومباشراً: “يا أستاذ مصطفى، محامي أختك كلمني من ربع ساعة، وبلّغني إنهم منتظرينكم قدام محل الصاغة الكبير في الميدان الساعة تسعة بالظبط، ومعاهم إقرار التنازل المكتوب. بس المحامي أكد عليا إن الشراء هيكون بأسعار الصاغة لحظة التنفيذ، والتأخير مش في صالحك لأن الأسعار بتجري لفوق وكل دقيقة بتدفعك أكثر!”
خرجنا من البيت زي المجانين. مصطفى كان بيسوق العربية بسرعة وعينيه مش شايفه الطريق. أخذنا محطة البنك الأولى، سحب كل ما يملك في حسابه حتى آخر جنيه، وحط الفلوس في شنطة سوداء كأنه يحمل كفنه بيده.
وصلنا الميدان قبل الساعة تسعة بسبع دقائق. كانت الصاغة لسة بتفتح أبوابها الحديدية، والشوارع متوترة والناس واقفة طوابير قدام محلات الذهب بيراقبوا الشاشات الحمراء اللي بتغير الأرقام كل بضع دقائق.
عند باب “محلات أمانة للذهب والمجوهرات”، كانت سعاد واقفة ومعاها ابنها بكار، ومعاهم محامي الأسرة. سعاد كانت لافة شالها، وجهها هادئ ولكن فيه حسم لا يلين. لما شافت مصطفى نازل والشنطة في إيده، خطت خطوة لقدام وقالت بوقار: “حمد لله على السلامة يا مصطفى. الجرامات جاهزة للوزن والقطع متحددة عند الحاج “سليمان” جوة.”
دخلنا المحل. الحاج سليمان، السايغ العجوز اللي وزّن الذهب من سنتين فاتوا، كان قاعد ورا الفاترينة المضيئة، حاطط نظارته على طرف مناخيره ويراجع الدفتر القديم. رفعت سعاد المحضر والإيصال، والحاج سليمان هز رأسه وقال: “أيوة، الـ 100 جرام دول أنا وزنتهم حتة حتة قبل سفرك يا مصطفى.. كان فيهم غوايش بلدي وسلسلة عيار 21 وثقيلة.”
مصطفى حط الشنطة على الفاترينة بصوت مكتوم، وقال بصوت : “اتفضل يا حاج سليمان.. احسب الـ 100 جرام بسعر النهاردة، الفلوس أهي.”
الحاج سليمان بص للشاشة المربوطة بالبورصة، ضرب على الآلة الحاسبة ببطء قاتل، وكل ضربة على الزرار كانت بتنزل على قلب مصطفى زي المطرقة. السايغ رفع عينه وقال بصوت هادئ: “السعر حرك من عشر دقائق يا أستاذ مصطفى.. الـ 100 جرام عيار 21 بالدمغة والمصنعية الجديدة أو الشراء الخام كسر هيعملوا المبلغ ده…” وكتب الرقم على ورقة صغيرة ودفعها لمصطفى.
مصطفى بص للرقم، وعينيه أتسعت برعب: “إيه؟! الرقم ده أكتر من الشنطة دي بـ 70 ألف جنيه! يا حاج سليمان اتقِ الله، أنا لسة ساحب الفلوس من البنك من ساعة واحدة بس!”
رد الحاج سليمان بجمود التجار: “يا ابني دي بورصة، أنا بايع وشاري، الذهب ما بيكبرش حد ولا بيجامل حد. الشاشة قدامك اهي، والجرام مابيستنّاش حد.”
هنا ألتفت مصطفى لسعاد، وعينيه مليانة دموع وقهر حقيقي لأول مرة، وقال بصوت مكسور: “سعاد.. أبوس إيدك، الفلوس اللي في الشنطة دي هي كل ما أملك في الدنيا! سحبت الحساب كله، لو دفعتهم وحطيت فوقهم أي حاجة مش هيفضل معايا ولا مليم لأكلي وأكل عيالي! خدي المبلغ اللي معايا ده النهاردة، واكتبيلك إنبي باقي الـ 70 ألف على شيك أو أصبر عليا شهرين أتصرف فيهم!”
سعاد بصت للشنطة، وبصت لأخوها اللي بقى واقف قدام الناس في المحل كأنه يشحت حق أخوته. بكار ابنها بص لأمه وشد عبايتها كأنه بيحثها على الرفض، والمحامي بتاعها حط إيده في جيبه ومستني القرار.
سعاد سكتت لثوانٍ طويلة، السكون جمد الحركة في المحل تماماً، حتى الحاج سليمان وقف إيده عن التقليب في الذهب وبص لها.. الجميع كان ينتظر القرار الذي سيحدد: هل ستأخذ الأرملة حق يتاماها كاملاً بالجنيه والفرك دون رحمة لتثار لنفسها وما جرى لها، أم أن الدم يحن في اللحظة الأخير؟




