دهب اخت جوزي 1

اخت جوزى ارمله وجوزى طلب منها الدهب بتاعها علشان يسافر ايطاليا وهيرجعه لم يسافر ويشتغل قالتله اهم حاجه الدهب ترده جرامات زى ما يكون هسلفك دهب تجبلى دهب مكانه قالها موافق وقتها الدهب كان ب2000 جنيه ايامها دلوقتى زاد وهو لما سافر اشتغل بقى يدوب بيبعتلى مصاريفى انا والعيال والجمعيه علشان نشترى شقه حلوه نسكن فيها وبعد سنتين رجع مصر وحصل مشكله مع اخته
اتكلمو فى الدهب قالها انا واخد منك 100 جرام ب200الف جنيه خدى 250الف يبقا مكسبك 50الف اهو!!!!
البدايه
أنا اسمي سمر، متجوزة من “مصطفى” بقالي سبع سنين. مصطفى طول عمره دماغه شغالة، نفسه يرفع راسنا ويخرجنا من الحارة وضيق الشقق المؤجرة. ومن سنتين فاتوا، حلم السفر لإيطاليا فتح دراعاته ليه، بس السفر ده كان محتاج “زقة”، والزقة دي كانت فلوس كتير.. فلوس مش معانا.
في الفترة دي، كانت “سعاد” اخت مصطفى لسة قاطعة شريط أسود من حياتها، جوزها وسابلها ولد وبنت وكم جرام دهب هما كل حيلتها في الدنيا، شقا عمرها مع المرحوم. مصطفى لما ضاقت بيه وشاف الفرصة بتضيع، دخل عليها الشقة، قعد تحت رجليها وقالها بنبرة :
“يا سعاد، المراكبي مستني العربون، ولو ما طارتش النقلة دي، هفضل طول عمري هنا باكل في نفسي. سلفيني دهبك أسافر بيه، وأول ما أحط رجلي هناك وأقف على حيلي، هردهولك زي ما هو.”
سعاد بصتله بعين فيها خوف الأرملة على عيالها، وطبطبت على كفوفه وقالتله بالحرف:
“يا مصطفى ده حيلتي وحيلة اليتامى، أنا هيدخل جيب الدهب بتاعي يفك كربك، بس شرطي واضح ومفيش فيه كلام.. تسلفني دهب، تردهولي دهب جرام ينطح جرام. مش عاوزة فلوس، الورق بيطير ويموت، لكن الدهب بيعيش.”
مصطفى مسك إيدها وباسها وهو بيحلف بأغلظ الأيمان: “موافق يا اختي، وحق العيش والملح واليتامى دول، هيرجعلك دهبك جرامات زي ما أخدته بالظبط.”
وقتها كان الجرام بـ 2000 جنيه، وزنت سعاد الـ 100 جرام بتوعها، حتة حتة، السلسلة بالغوايش اللي كانت محشورة في إيدها، وادتهم أخوها وهي بتدعي له بالسلامة.
سافر مصطفى.. وعشت أنا سنتين في نار الانتظار، بس الانتظار طرح! مصطفى هناك طحن نفسه في الشغل، وبقى يبعتلي المصاريف أول بأول لينا وللعيال، وبقيت ألم إيدي على الآخر وأدفع في جمعيات كبيرة، جمعية تتفك ندخل في غيرها، لحد ما ربنا كرمنا وجبت شقة كبيرة وحلوة، وفرشناها أحسن عفش، ونقلنا أنا والعيال لعِيشة جديدة زي الفل، وبقت الدنيا ضاحكالنا من وسع.
لكن في السنتين دول، الدهب برضه جن مجنونه! الأسعار ولعت في مصر، والجرام اللي كان بـ 2000 جنيه بقى يتنطط ويعدي السحاب، لحد ما عدى الـ 6000 جنيه للجرام!
ورجع مصطفى مصر.. رجع وبدال ما يرجع ومعاه الفرحة الكاملة، رجع ومعاه غيمة سودا هتقلب العيلة كلها.
أول يومين، الزيارات والتبريكات كانت مالية الشقة الجديدة، ولما خف الضيوف، نزلت سعاد اخت مصطفى، دخلت الصالة وقعدت وشها مشدود، عينها كانت بتقول كلام كتير قبل ما لسانها ينطق.
قالت بصوت واطي بس يرن في الأوضة: “حمد لله على السلامة يا مصطفى.. كبرت وشيلت الشيلة، وجه الوقت اللي ترد فيه أمانة اليتامى.. الـ 100 جرام دهب يا أخويا.”
مصطفى حط كوباية الشاي من إيده، وبص للأرض شوية، وبعدين حط إيده في جيبه وطلع حزمة فلوس ملفوفة باستك، حطها على الترابيزة وقال بكل برود:
“أنا واخد منك 100 جرام وقت ما كانوا يعملوا 200 ألف جنيه.. أنا عامل حسابي ويزيد، خدي 250 ألف جنيه، يبقا مكسبك 50 ألف جنيه بحالهم اهو.”
سعاد وقفت مكانها، وشها جاب ألوان، والدموية هربت من .. بصت للفلوس ورجعت بصت لأخوها بصة ذهول وقالت بصوت من :
#الكاتب_رومانى_مكرم_
“إيه ده يا مصطفى؟! أنت بتشتري مني الدهب بالرخيص؟ الفلوس دي أعمل بيها إيه النهاردة؟ أنت عارف الـ 100 جرام النهاردة معدين الـ 600 ألف جنيه! إحنا متفقين ليا دهب، مش اتفقنا سلفة دهب تردها دهب؟!”
مصطفى وقف هو كمان، وشل حركة الصالة بنبرة جافة وقاسية، وبصلها بعين باردة وقالها:
“وأنا مش محل مجوهرات.. هتاخدي 250 ألف خدي، مش هتاخدي ملكيش.. آخرك 250 ألف ده اللي عندي، مش عاجبك ملكيش حاجة!” و
سقطت الكلمات من فم مصطفى كأنها صخرة هشمات زجاج الصالة، وهبط الصمت على المكان لثوانٍ معدودة، صمت أثقل من الجبال. سعاد كانت واقفة مشدوهة، صابِعها المشدودة على طرف شالها الأسود بتتراخى وتترعش، عيونها كانت بتتأرجح بين وش أخوها العائد من أوروبا بملامح جافة ما عرفتهاش فيه قبل كده، وبين حزمة الفلوس المربوطة باستك والمطروحة على الترابيزة بقلة قيمة.
“مش عاجبك ملكيش حاجة؟!”.. كررت سعاد الجملة بصوت طالع بالعافية، كأن الريح هي اللي بتسحب الصوت من حنجرتها. قربت خطوات بطيئة ناحية الترابيزة، بس ممدتش إيدها للفلوس، بل بصت لمصطفى في عينيه مباشرة وقالتله نبرة كسرها القهر: “الدهب ده ما كانش زينة يا مصطفى.. الدهب ده كان مهر عيالي من أبوهم المرحوم. الدهب ده أنت أخدته وأنا قلعيته من لحمي وعظمي وأنا خايفة، بس أمنتك عليه عشان أنت السند، عشان أنت الأخ اللي قلتله يا حمايا بعد ربنا. جاي النهاردة تقول لي مش محل مجوهرات؟ جاي تحسبها معايا بالورق اللي قيمته ضاعت، وتستغل إن الأسعار ولعت وتأكل عرق اليتامى؟”
مصطفى أخد نفس طويل وفتل حواجبة بغضب متصنع، وكأنه بيداري حرج جواه بالهجوم والزعاق، وقال وهو بيصوح بإيده في الهواء: “يا سعاد افهمي العقل والمنطق! أنا أخدت منك فلوس مقومة بدهب وقتها، الـ 100 جرام كانوا بـ 200 ألف، لما أردلك 250 ألف يبقى أنا أوفيت وحطيت لك فوقهم 50 ألف زيارة ومحبة! أديكِ 600 ألف منين؟ أروح أبيع الشقة اللي شقيت عشانها عشان أشتري لك دهب بالأسعار الخيالية دي؟ أنتِ عاوزة تخربي بيتي وتضيعي شقا سنتين في الغربة؟”
هنا أنا ما قدرت أقف ساكتة. كنت واقفة عند باب المطبخ، حاطة إيدي على قلبي اللي كان بيدق زي الطبلة. بصيت للشقة الجديدة، للفرش اللي لسة بريحته، وللشاشات والعفش اللي جبته من كتر ضغط المصاريف والجمعيات.. شريط السنتين مر في خيالي في ثانية؛ أيوة أنا حرمت نفسي أنا والعيال وشديت الحزام عشان نجيب الشقة دي، بس الشقة دي مبنية على دهب سعاد! خرجت من باب المطبخ وقلت بصوت متلخبط: “يا مصطفى استهدى بالله.. الاتفاق كان دهب من الأول، وأنت عارف إن الجرامات هي هي، اختك ما طلبتش زيادة، هي عاوزة حاجتها زي ما دخلت جيبك.”
بص لي مصطفى بصة شرار وقالي بصوت واطي ومخيف: “أنتِ تسكتي خالص يا سمر! تتدخليش بيني وبين اختي، ولا نسيتي الشقة اللي قاعدين فيها دي جت منين؟ الفلوس دي فلوس شقايا، ومش هسمح لحد يهد اللي بنيته!”
سعاد بصت لي بامتنان مكسور، وبعدين لفت لأخوها وقالت بكل كبرياء المرأة الأرملة اللي أتهانت في بيت أخوها: “الشقة دي مش هتهنى بيها يا مصطفى لو اتعمرت بمال اليتامى. الفلوس دي أنا مش هلمسها.. والـ 250 ألف بتوعك خليهم لك، يمكن ينفعوك. بس افتكر، أنا مش هسامح، وأمانتي عند ربنا، وعند العرف والناس.”
سحبت سعاد شالها، ولمت طرف عبايتها، وخرجت من باب الشقة ورزعته وراها رقعة هزت جدران الصالة. مصطفى فضل واقف مكانه، جبهته معرقة، ومسك حزمة الفلوس ورماها على الكنبة بغضب، وقعد يحط إيده على رأسه وهو بيلهث.
مرت الأيام اللي بعد الواقعة دي كأنها كابوس. الشقة الجديدة اللي كنا بنحلم بيها بقت حظر تجول، جدرانها مفيهاش روح، ومصطفى بقى عصبي لأقل سبب. الفلوس كانت معاه في الحساب، بس الطمع والشيطان كانوا ماليين راسه؛ كان شايف إن دفع 600 ألف جنيه هيخسره كل الأرباح اللي جمعها من السفر، وما كانش قادر يتقبل فكرة إن خسارة الفلوس أهون من خسارة الحق.
وبعد أسبوع واحد من الخناقة، الباب خبط خبطات منتظمة وثقيلة. فتحت، لقيت الحاج “عطية” كbir المنطقة وراجل العرف المشهود له بالحق، ومعاه اثنين من كبار العيلة، ووراءهم خرج بكار ابن سعاد الكبير، ولد عنده 16 سنة بس كان واقف وشده طوله وعينيه مليانة وجع ورجولة مبكرة.
دخلوا الصالة، ومصطفى اتفاجئ بوجودهم بس حاول يرسم الابتسامة ويرحب بيهم: “اتفضلوا يا حاج عطية، خطوة عزيزة، البيت بيتكوا.”
الحج عطية قعد على الكنبة، وما رضي يشرب الشاي ولا القهوة اللي عرضتها عليهم. حط إيده على عصايته الخشب وقال بصوت جهوري وهادي: “يا مصطفى.. إحنا ما بنحبش ندخل البيوت إلا بالخير، بس لما الأرملة تشتكي، واليتيم يدمع، يبقى العرف يوقف الكل عند حده. اختك سعاد جتلنا، وحكت النا اللي حصل، وإحنا جايين نسمع منك قبل ما نقول كلمتنا.. الكلام ده حقيقي؟ أخدت الدهب بشرط ترده دهب؟”
مصطفى اتنحنح وحاول يلف ويدور: “يا حاج عطية، الدهب كان بـ 2000 جنيه، أنا واخد منها قيمة 200 ألف، والنهارده السوق مجنون.. أدفع 600 ألف إزاي؟ كده يبقى ظلم وافتراء عليا!”
هنا وقف بكار ابن سعاد، وبص لخاله وقال بنبرة طفولية بس فيها قسوة الحق: “يا خالو.. أنت لما جيت ماما الشقة، قعدت تحت رجليها وقولتلها ‘يا سعاد سلفيني دهبك تسليك، وهردلك الدهب جرام ينطح جرام’. ماما ما بعتلكش الفلوس، ماما إدتك غوايشها وسلسلتها اللي كانت لابساهما. أنت لو كنت استسلفت دهب من السايغ كنت هتردهوله فلوس بسعر زمان؟”
كلام الولد نزل على مصطفى زي الصاعقة، والحاج عطية بص لمصطفى ونزّل عصايته على الأرض بضربة خفيفة وقال: “الولد بتكلم بحق ربنا يا مصطفى. الشرع والعرف في سلفة الدهب واضحين زي الشمس: ‘الدهب يُرد دهباً بغض النظر عن تغير السعر’. أنت أخدت وزن، ترجع وزن. الفلوس ورق بيعلى ويوطى، لكن الوزن أمانة ثابتة في رقبتك ليوم الدين.”
مصطفى أتحاصر، وش وشغله اتفضح قدام كبار المنطقة، بس كبرياؤه ورغبة التمسك بالفلوس كانت أعمى عينيه. وقف وقال بعصبية وصوت عالي: “أنا معنديش دهب! واللي عندي قلت عليه، 250 ألف يا إما ينسوا الموضوع خالص، وما حدش يقدر يجبرني على حاجة!”
الحاج عطية قام وقف، وبص لمصطفى بصة خيبة أمل وقاله: “يبقى أنت اللي اخترت يا مصطفى.. اخترت المال على الدم، واخترت القسوة على العِشرة. إحنا عملنا اللي علينا، بس افتكر إن دعوة المظلوم ملهاش حجاب، والفلوس اللي بتاكل بيها حق يتيم، بتبقى جمر نار في البطن.”
خرج الحاج عطية واللي معاه، وسابوا مصطفى يغلي في الصالة. بص لي وقالي بحدة: “شايفة؟ مخلية العيلة والشارع يحفلوا عليا! هشوف بقى سعاد دي هتعمل إيه، ولا هتعرف تاخد مني جنيه زياده!”
مرت أيام قليلة، ومصطفى متخيل إن الموضوع خلص عند نقطة الرفض دي، لحد ما في يوم الصبح، وأنا بفتح باب الشقة عشان أنزل العيال المدرسة، لقيت ورقة محطوطة تحت الباب.. ورقة رسمية محتومة من المحكمة بـ “دعوى خيانة أمانة وإثبات حق”! سعاد ما سكتتش، بس المرة دي ما راحتش للمجلس العرفي تاني.. راحت للنيابة، وكان معاها إيصال أمانة قديم ومحضر إثبات حالة بشهادة السايغ اللي وزن الدهب وقتها ومحضر المجلس العرفي!
دخلت بالورقة لمصطفى وأنا برتعش، ومسكتها قدام وشه وقلتله: “أهي سعاد عملتها يا مصطفى.. الورق راح للقضاء، وأنت كده بتهدد مستقبلنا وشقتنا وعيالك بضياع بجد!”
مصطفى مسك الورقة، وقرأ اللي فيها، وفي لحظتها وشّه أتمسح منه كل الكبر، وحس لأول مرة إن الحبل ابتدى يتلف حوالين رقبته.



