Uncategorized

حماتي باعت دهب امي 1

حماتي باعت دهب أمي الله يرحمها اللي شايلاه للزمن، عشان تسدد ديون بنتها، وقالتلي بمنتهى البجاحة:

— الست الأصيلة هي اللي تفدي أهل جوزها بمالها!

​بس القلم اللي جوزي قرر يديهولها بعدها… خلاها تتمنى الأرض تنشق وتبلعها!

​يوم الأربعاء اللي فات، كنت برتب دولابي وبنضف الأوضة.

فتحت درج التسريحة عشان أطلع حاجة، ولاحظت إن علبة القطيفة اللي شايلاها في آخر الدرج مكانها متغير.

قلبي اتقبض.

فتحت العلبة… ولقيتها فاضية!

​سلسلة أمي وغوايشها اللي ورثتهم عنها، واللي ريحتها فيهم… اختفوا.

فضلت أرمي كل حاجة في الأوضة، قلبت الدولاب، دورت تحت السرير، وأنا بنهج وأعيط زي المجنونة.

مفيش حد غريب دخل شقتي الأسبوع ده كله.

مفيش غير حماتي، “الحاجة سناء”، اللي جات قعدت معايا الصبح لوحدها، ودخلت أوضة نومي بحجة إنها بتصلي الضهر على ما أنا أجهز الغدا.

​مسكت التليفون وإيدي بتترعش، واتصلت بيها.

أول ما فتحت، سألتها من غير مقدمات وأنا ببكي:

— طنط سناء… دهب أمي اللي في الدرج مش موجود، إنتي شوفتيه؟

​ردت عليا بصوت هادي وبارد جداً:

— أيوه، أنا أخدته.

​سكتت ثواني وأنا مش مستوعبة الكلمة…

— أخدتيه؟! أخدتيه فين يا طنط؟ ده دهب أمي!

​قالتلي بمنتهى البرود:

— بعته. جوز أخت جوزك عليه شيكات وكان هيتحبس، وأخوها مكنش معاه سيولة. وإنتي بسم الله ما شاء الله جوزك مش مخليكي محتاجة حاجة، ودهب مركون ملوش عازة. الست الأصيلة هي اللي تقف جنب أهل جوزها في الشدة وتفديهم.

​التليفون وقع من إيدي.

مبقتش قادرة أنطق، دهب أمي اللي مكنتش بفكر حتى ألبسه عشان خايفة عليه، يتباع عشان يسدد ديون جوز بنتها؟!

​بعد ساعتين…

جوزي، “أحمد”، رجع من الشغل.

لقاني قاعدة على الأرض في الأوضة، وحالتي تصعب على الكافر، وعلبة القطيفة الفاضية في حضني.

لما حكيتله اللي حصل، وشه جاب ألوان.

مكنش مصدق إن أمه تعمل كده، وتتجرأ تفتح درج مراته وتبيع دهبها.

​مسك تليفونه وكلمها، وقالها بصوت صارم:

— ربع ساعة وتكوني عندي في الشقة يا أمي… حالاً.

​وفعلاً، جات.

أول ما قعدت، أحمد سألها:

— إزاي تعملي كده؟ إزاي تمدي إيدك على حاجة مش بتاعتك وتبيعيها؟!

​ردت عليه بثقة مستفزة:

— عملت الصح! هنفضح يعني وأختك تتشرد؟ مراتك مش محتاجة حاجة، وبعدين ده مال ابني، وأنا حرة فيه!

​كنت متوقعة إن أحمد يقلب الدنيا.

كنت متوقعة يزعق، أو حتى يطردها من البيت.

لكن الغريب…

إنه سكت.

سكت فترة طويلة جداً لدرجة إني اتصدمت وخفت من سكوته.

​وبعدين فجأة… ابتسم.

وقالها بهدوء تام:

— تصدقي يا أمي… عندك حق.

​بصيتله بصدمة وعيني مليانة دموع.

حماتي نفسها استغربت، بس بعد ثانية ابتسامة انتصار عريضة اترسمت على وشها.

وقالتله:

— أيوة كده يا حبيبي، العقل زينة. مراتك بكرة تنسى، المهم لحقنا أختك.

​أحمد هز راسه وقال:

— طبعاً يا أمي، العيلة أهم من أي حاجة. وطالما إحنا فتحنا باب التضحيات، وإن مفيش فرق بين مالي ومالك… فأنا كمان قررت أعمل حاجة تفرحك.

​ابتسامتها وسعت وقالت بلهفة:

— حاجة إيه يا حبيبي؟

​أحمد طلع موبايله من جيبه.

— هتعرفي دلوقتي…

​فتح رقم واتصل، وقال جملة واحدة:

— مساء الخير… أيوة يا فندم، تقدري تتفضلي تطلعي دلوقتي، الورق كله جاهز.

وقفل.

​حماتي بصتله بفضول وسألته:

— مين دي اللي طالعة؟ وورق إيه؟

أحمد ابتسم ابتسامة باردة وقال:

— مفاجأة هتأكدلك إننا عيلة واحدة.

​قعدنا حوالي عشر دقايق في صمت مرعب.

حماتي كانت قاعدة مرتاحة ومبسوطة، فاكرة إن ابنها جايب لها هدية أو هيكتب لها حاجة باسمها تعويضاً عن الزعل.

​لحد ما جرس الباب رن.

أحمد قام فتح بنفسه.

سمعته بيقول من بره:

— أهلاً يا أستاذة… اتفضلي، إحنا مستنيينك.

​دخلت ست في أواخر الخمسينات، لبسها عملي جداً، ملامحها حادة، وماسكة في إيدها شنطة أوراق جلد.

أول ما حماتي شافت الست دي…

ابتسامتها اختفت تماماً.

وشها بهت وبقى أصفر زي الليمونة.

قامت من مكانها وهي بترجع لورا بخطوات مهزوزة وقالت بصوت بيترعش:

— إنتي؟! إنتي إيه اللي جابك هنا؟!

​الست بصتلها من فوق لتحت بهدوء تام ومردتش.

أحمد شد كرسي للست وقالها:

— اتفضلي يا أستاذة نيفين.

​حماتي صرخت بصوت عالي:

— إنت اتجننت يا أحمد؟! جايب دي بيتي ليه؟! إنت متعرفش دي جاية تعمل إيه؟!

​الأستاذة نيفين فتحت شنطتها بمنتهى الهدوء…

وطلعت منها ملف أحمر كبير.

حطته على الترابيزة قدام حماتي وفتحت أول صفحة.

وساعتها… ولأول مرة من يوم ما اتجوزت…

شوفت الرعب الحقيقي في عين حماتي………

​الأستاذة نيفين مسكت القلم وراحت حاطة إيدها على الملف، وبصت لحماتي بنظرة جمود وهي بتقول:

— أهلاً يا حاجّة سناء… أظن إنتي عارفة المحامية نيفين عبدالمنعم كويس، وعارفة إني مش ببتسم كتير، خصوصاً لما أكون جاية أسترد حقوق ناس اتظلموا.

حماتي حطت إيدها على صدرها وبقت تتنفس بصعوبة، بصت لأحمد ابني بنظرات كلها ترجي وذهول، وقالت وهي بتتلعثم:

— أحمد… إنت بتعمل إيه؟ دي المحامية بتاعة إخواتك من أباك! دي اللي كانت عايزة تخرّجنا من البيت الكبير وتبيع الشقة بتاعة المزرعة! إنت جايبها لحد هنا ليه؟! إنت بتخون أمك؟!

أحمد قعد على الكرسي، حط رجل على رجل بكل هدوء، وبص لأمه بصة فارغة تماماً من أي رحمة أو عاطفة، وقالها بصوت واطي بس كل كلمة فيه كانت نازلة زي المرزبة:

— أنا مش بخونك يا أمي… إنتي اللي علمتيني حالا إن العيلة بتضحي لبعضها، وإن المال مالنا كلنا، وإنه مفيش فرق بين حق ده وحق ده! مش إنتي كسرتا شقتي، ودخلتي أوضة نوم مراتي، وأخدتي دهب أمها اللي ملوش عوض عشان تسددي ديون جوز أختي؟ أنا بقا قررت أعمل زيّك بالظبط… بس على كبير شويتين.

حماتي بصت للملف الأحمر اللي على الترابيزة برعب، صوابعها كانت بترتعش وهي بتقرب منه، بس الأستاذة نيفين سحبت الملف خطوة ونطقت بهدوء:

— الأستاذ أحمد كلمني من ساعتين يا حاجّة… وقال إن عنده السيولة الكاملة اللي تسدد النسايب وتنهي القضية المرفوعة من إخواته من الأب، القضية اللي بقالكم سنتين بتماطلوا فيها عشان ما تطلعوش من المزرعة وتدفعوا الفروق.

حماتي صرخت:

— وسيولة إيه دي اللي معاه؟! ده حيلاطه مرتبه وشوية الفكة اللي في البنك! أوعى تقول إنك…

أحمد ابتسم ابتسامة باردة جداً وقطع كلامها:

— أيوة يا أمي… بالضبط كده. التنازل اللي إنتي كنتي رافضة توقعيه بقالك سنين عشان نصيبك ونصيب أختي في الأرض، وبدل ما نفضل نطارد في المحاكم وإخواتي يرفعوا عليكي قضايا حجر وتبديد… أنا بعت النصيب ده النهاردة!

حماتي عينها وسعت لدرجة خضتني، وصوتها قطع وهي بتقول:

— بعت… بعت نصيبي؟ إنت تجرأت وتصرفت في أراضي العيلة؟! إنت مجنون؟! دي الأرض الوحيدة اللي حيلتي!

أحمد قام وقف، وقرب منها خطوة بخطوة، وهبت في وشه نار كان كاتمها جواه:

— زي ما إنتي تجرأتي ودخلتي أوضة مراتي ومديتي إيدك على حاجة مالهاش أي ذنب فيها! دهب أمها الله يرحمها اللي كان بالنسبة لها ذكرياتها الوحيدة من ريحة الغالية! إنتي بعتيه بدم بارد عشان تسترسي راجل غريب ملوش قيمة، وجاية تقوليلي “الست الأصيلة تفدي أهل جوزها”! طيّب والابن الأصيل بقا… بيبيع أرض أمه عشان يشتري راحة بال مراته ويجيب لها حقها!

الأستاذة نيفين فتحت الأوراق وطلعت شيك مقبول الدفع، وحطته قدام حماتي:

— اتفضلي يا حاجّة سناء… الشيك ده فيه قيمة نصيبك بعد خصم الفلوس اللي الأستاذ أحمد دفعهالي كأتعاب وتسوية كاملة للقضايا، وبكده المزرعة والأرض اتنقلت ملكيتها رسمياً، والتنازلات متوثقة في الشهر العقاري بالتوكيل اللي أحمد معاه منك من السنة اللي فاتت عشان إدارة أملاكك!

حماتي انهارت على الكنبة، دموعها نزلوا بس مش دموع حزن… كانت دموع صدمة وقهر. مسكت الشيك بإيد بتترعش وقالت:

— إنت بعت أرض المزرعة بربع تمنها يا أحمد عشان تخلص القضايا في يوم واحد؟! إنت حطمت مستقبلي ومستقبل أختك!

أحمد بصلي أنا، والدموع كانت في عينه بس ماسك نفسه، قرب مني وحط إيده على كتفي وهو بيسندني، وبعدين بصلها وقال:

— الفلوس اللي طلعت من بيع الأرض، حطيت جزء منها في حساب الأستاذة نيفين للصلح، والجزء التاني… دخل حسابي النهاردة. والصبح بدري، هكون واقف عند الصايغ اللي اشتريت منه دهب أمها، وهجيب كل حتة دهب دخلت بيتك، بالجرام وبالملي، وهيرجع في علبة القطيفة دي مكان ما كان!

حماتي قامت وقفت بالعافية، كانت بتترعش ومسكت في طرف الترابيزة عشان ما تقعش، وقالت بصوت مكسور ومبحوح:

— إنت بتبدى غريبة على أمك؟ بتبدى دهب واحدة ميتة على أرض أهلك يا أحمد؟!

أحمد بص لها بثبات مرعب وقالها:

— الغريبة دي هي اللي صانت بيتي، وهي اللي وقفت جنبي في فخارك وعزك وضيقك. والدهب ده مش شوية معدن يا أمي… ده كان أمانتها وذكراها. إنتي مفكرتيش في مشاعرها ولا حترمتي بيتي، ودخلتي زي الحرامية أخدتي حاجتها. أنا ممدتش إيدي في جيبك، أنا تصرفت بالقانون وبالتوكيل اللي إنتي إديتيهوني عشان أديرلك بيه حلالك لما قلتيلي “إنت راجل البيت”! أهو أنا مارست رجولتي النهاردة… ورجعت حق مراتي!

الأستاذة نيفين لمّت أوراقها وقامت وقفت، بصت لحماتي وقالت بلهجة عملية:

— الورق كله اتوقع واتوثق يا حاجّة. الشيك معاكي، ومن بكرة المزرعة مش ملكك. عن إذنكم.

خرجت المحامية وقفلت الباب وراها.

الهدوء اللي ساد الأوضة كان أرعب من أي صريخ. حماتي كانت واقفة في نص الصالة، الشيك في إيدها، وعلبة القطيفة الفاضية في الإيد التانية على الترابيزة. بصت لإبنها اللي كان واقف زي السد، مش حاسس بأي ندم، وبصتلي أنا وأنا لسه مش مصدقة اللي بيحصل قدامي.

حماتي حطت الشيك على الترابيزة وبدأت تتنفس بصوت عالي، ومسكت تليفونها بسرعة وهي بتصرخ فيه:

— الحقني يا مدحت! الحقني يا حبيبي… أخوك اتجنن! بعت الأرض! بعت الأرض المزرعة عشان دهب مراته!

رد صوت جوز أخت جوزي من الناحية التانية بسرعة ولهفة:

— بعت الأرض؟! طب والفلوس فين يا حاجّة؟! الشيكات اللي عليا هتترفع بكرة الصبح وهتسجن! أحمد سددلي ولا لأ؟!

هنا… أحمد ابتسم نفس الابتسامة الباردة، وقرب من التليفون وهو في إيد أمه، وصرخ في المايك بكل قوته:

— مفيش مليم واحد رايحلك يا مدحت! الفلوس راحت للمحامين ولحق مراتي! واشرب من البحر إنت وأختي… ووريني بقا الست الأصيلة هتفديك بإيه دلوقتي!

أحمد شد التليفون من إيد أمه وقفل السكة في وش مدحت، وحطه على الترابيزة بكل هدوء.

حماتي كانت واقفة قدامه وشها شاحب كأنه جثة، صوابعها بتترعش وهي بتشاور عليه، ومبقتش قادرة تتنفس عدل. بصتله بصة كلها قهر وحسرة وقالت بصوت مكسور:

— يخسارة تربيتي فيك يا أحمد… تبيع أختك وجوز أختك عشان شوية حتت دهب؟ تدمر بيتها وتسيب جوزها يتسجن وتفضحنا قدام الناس كلها؟ هي دي المرجلة عندك؟!

أحمد قرب منها خطوة واحدة، وعينه كان فيها لمعة غضب مكتوم تخوف، وقالها بنبرة ثابته ومفيهاش غلطة:

— المرجلة يا أمي هي إني أحمي بيتي ومراتي، وأصون شرفي اللي اتهان لما دخلتي أوضة نومي وأخدتي حاجة مش بتاعتك. المرجلة إن اللي يغلط يتحمل نتيجة غلطه. مدحت جوز أختي كتب شيكات بدون رصيد عشان يتفشخر ويعمل فيها بيه، ولما زنق نفسه، بدل ما يشتغل ويسدد ديونه، طمع في دهب واحدة مالهاش أي ذنب في القرف ده كلّه! وإنتي بدل ما تعقليه وتوقفي عند حده، جيتي سرقتي مراتي وجايبة تقوليلي “الست الأصيلة”!

حماتي صرخت فيه بكل قوتها وهزت كتفها:

— أنا ماسرقتش! أنا أمه وإنت ابني! ومالك هو مالي! دهب مراتك في بيتك، يعني تحت طوعي وقت الشدة!

أحمد ضحك ضحكة قصيرة مليانة سخرية وقال:

— كان تحت طوعك لما كان بيتك وبفلوسك… إنما دهب أمانة من ست ميتة لبنتها، تمدي إيدك عليه برضاكي وتبيعيه بدم بارد؟ لأ يا أمي… لحد هنا وخط أحمر. إنتي فاكرة إن التوكيل اللي إدتيهوني من سنة عشان أدير المزرعة كان لعبة؟ إنتي إديتيهوني عشان كنتي خايفة من إخواتي من الأب ياخدوا حقهم، وأنا استخدمته النهاردة عشان أرجع الحق لأصحابه وبس.

في اللحظة دي، جرس التليفون رن تاني، وكان صوت النغمة عالي جداً بيشق الصمت اللي في الصالة.

حماتي مسكت التليفون بلهفة وشافت الاسم… كانت أخته “سمر”.

فتحت المايك والسباطة شغال، وجاء صوت سمر وهي بتصرخ وتبكي بحرقة:

— يا ماما! الحقيني يا ماما! مدحت أغمى عليه والبوليس واقف تحت البيت! الشيكات اتقدمت للنيابة بكرة الصبح ولو الفلوس مدفعتش النهاردة هيتاخد على التخشيبة! كلمي أحمد خليه يحول المبلغ حالاً! أحمد فين يا ماما؟!

حماتي بصت لأحمد بدموع رجاء، وحطت التليفون على المحمول وقالت وهي بتتوسل:

— اسمع أختك يا أحمد… عشان خاطري، عشان خاطر أختك اللي ملهاش غيرك! أديلهم الفلوس وسدد الدين، والدهب أنا هكتبلك بيه كمبيالة وهردّه لمراتك جرام جرام والله العظيم! بس انقذ أختك من الخراب!

أحمد مسك التليفون من إيدها، وحطه على ودنه وقال بصوت جاف تماماً:

— أهلاً يا سمر… اسمعيني كويس. الفلوس اللي طلعت من بيع نصيب أمك في المزرعة، سددت بيها القضايا المرفوعة علينا من إخواتنا، والتنازلات تمت. والمبلغ المتبقي دخل حسابي أنا شخصياً، والصبح بدري نازل أشتري بيه دهب لمراتي بدل اللي أمك سرقته وباعته عشان جوزك.

سمر صرخت من الناحية التانية بذهول:

— إنت بتقول إيه يا أحمد؟! تشتري دهب وتسيب جوز أختك يتسجن؟! إنت اتجننت؟! ده دهب مراتك هيعوضه أي وقت، لكن مدحت مستقبله هيضيع!

أحمد رد عليها بمنتهى القسوة:

— جوزك مستقبله يضيع لأنه نصاب وبياخد فلوس مش بتاعته، أما دهب مراتي ده ريحة أمها الله يرحمها، وكرامتها اللي أمك داست عليها بالجزمة وهي بتقولها “الست الأصيلة تفدي أهل جوزها”. اطلبي بقا من جوزك يكون راجل ويسدد ديونه بنفسه، أو خليه هو يتصرف… إحنا برة اللعبة.

وقفل السكة في وشها ورمى التليفون على الكنبة.

حماتي وقفت مكانها مصدومة، وشها احمر جداً من كثرة الضغط والدموع نازلة على خدودها زي النار. بصت لأحمد وقالت بتهديد وهي بتترعش:

— ماشيء يا أحمد… والله لأعرف الناس كلها إنت عملت إيه في أمك وأختك! والله لأفضحك في العيلة كلها وأقول إنك بعت أرضنا ورميت أختك في الشارع عشان خاطر مراتك!

أحمد ابتسم ابتسامة باردة جداً، وقرب من باب الشقة وفتحه على آخره، وشاور بأيده للخروج وقال بصوت واطي بس يرعب:

— روحي قولي لكل الناس يا أمي… قوليراهم إن أحمد ابنك بعت الأرض عشان أمه دخلت أوضة نوم مراته وسرقت دهب أمها الميتة وباعته لحساب جوز بنتها! قوليراهم الحقيقة كامة، وشوفي مين في العيلة هيقف جنبك أو يحترمك بعد النهاردة.

حماتي بصتله بذهول، حسّت إن كل الكروت اللي في إيدها اترمات في الأرض. مفيش أي حجة تقابل بيها الناس.

مسكت شنطتها بإيد بتترعش، وبصتلي أنا بنظرة كره وغل مفيهاش أي ندم، وقالت وهي بتمر من جنبي:

— حسبي الله ونعم الوكيل فيكي… خراب البيت جاني من تحت إيديكي!

أحمد وقف قدامها وسد الطريق وقالها:

— متظلميش حد يا أمي… الخراب دخل بيتك من اليوم اللي سمحتي فيه لنفسك تمدي إيدك على حق غيرك. الشيك اللي على الترابيزة ده فيه باقي فلوسك بعد ما أخدت حق دهب مراتي وحق أتعاب المحامية. خديه وغوري من بيتي… وما تدخليش الشقة دي تاني إلا لما تعرفي يعني إيه حرمة بيوت الناس!

حماتي سحبت الشيك بسرعة من على الترابيزة، وخرجت تجري وهي بتعيط وتصرخ في الممر بتاع العمارة بصوت عالي.

أحمد قفل الباب وراها بكل قوته، وصوت القفلة هز الأوضة كلها.

أول ما الباب اتقفل، أحمد لف ضهره وبصلي.

كان واقف في نص الصالة، كتفه نازل، وعينه مليانة تعب وشقا، والدموع اللي كان حابسها طول القعدة بدأت تنزل على خده بهدوء.

أنا كنت واقفة مكان في حالة صدمة، مش مصدقة اللي حصل في الساعة الأخيرة. أحمد قرب مني بخطوات بطيئة، وفتح إيده وطلع منها حاجة كان مخبيها في جيبه…

حط في إيدي ورقة صغيرة مطوية، وقال بصوت مبحوح:

— دي الفاتورة الأصلية لدهب أمك الله يرحمها… أخدتها من درج التسريحة من ورانا قبل ما أمي تمشي. والصبح على الساعة تسعة، هكون واقف قدام الصايغ، ومش هرجع البيت ده غير والعلبة القطيفة دي ملبانة زي ما كانت وأحسن.

مسكت الورقة وأنا بعيط، وبصيتله وقلتله بصوت بيترعش:

— إنت بعت أرض أهلك يا أحمد؟ إنت اتخانقت مع أمك وأختك عشاني؟

أحمد مسك إيدي الأثنين وضغط عليهم وقال بكل ثبات:

— أنا مابعتش أرض أهلي عشانك بس يا روضة… أنا بعتها عشان أصلح الغلط اللي أمي عملته، وعشان أعرفها إن بيتي ليه حرمة، وإن كرامتك وذكراك من ريحة أمك تسوى عندي الدنيا كلها. أمي افتكرت إن صمتي ضعف، وافتكرت إني هسكت عشان كلمة “عيلة”… بس العيلة اللي تتأسس على السرقة والأذية ملهاش لازمة عندي.

سكت ثواني ونزل عينه في الأرض وقال كأنه بيكلم نفسه:

— بس اللعبة مخلصتش هنا يا روضة… مدحت مش هيسكت، وأختي هتقلب الدنيا بكرة الصبح، وأمي مش هتسيب الأرض اللي ضاعت بسهولة… اللي جاي أرعب بكثير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى