انا موظفة 2

مسكت الورقة بين إيدي، ونظري متثبت على رقم “٢٠٠ مليون دولار”. الريح كانت بتطير أطراف الورقة السودا، والشمس الصابحة على كورنيش النيل مكنتش قادرة تشتت البرودة اللي تسربت لجسمي. بس اللي كتب الرسالة دي كان جاهل بأهم حقيقة عني: أنا مابخافش من الأرقام الكبيرة.. أنا شغلتي أصلاً هي التعامل مع المبالغ اللي تهز أسواق.
ركبت عربيتي، حطيت الظرف الأسود في شنطتي، وطلعت موبايلي الثنائي التشفير. اتصلت باللواء صلاح، رئيس قطاع مكافحة جرائم الأموال العامة والهيئة العليا للرقابة المالية، واللي كان صديق وزميل دراسة قديم في الماجستير.
“صلاح بيه.. في تطور جديد في قضية طارق الألفي وشريف. وصلني تهديد مباشر دلوقتي، والعملية مش مجرد تزوير تسهيل بـ ٥ مليون ولا بضايع بـ ٣٠ مليون.. إحنا بنتعامل مع غسيل أموال برقم ضخم، ٢٠٠ مليون دولار، وفي رأس كبيرة جوه الجهاز المصرفي بتغطي عليهم.”
صلاح سكت لثواني، ونبرة صوته تحولت من الصداقة للجدية المفرطة: “نادين.. أوعي تتحركي من عندك. اسم العملية دي ‘الشبكة البيضاء’، وإحنا بنراقب الحسابات الخاصة بيها من ٦ شهور، بس مكنش عندنا خيط ملموس يربط الحسابات الشبحية بالتحويلات الخارجية إلا لما أنتِ فرقعتي القنبلة بتاعة طارق الألفي الصبح. الأوراق اللي طارق استخدم فيها اسمك كانت جزء من الغطاء الداخلي لتسهيل خروج المبالغ دي بره مصر تحت مسمى ‘استيراد معدات ثقيلة’.”
قاطعته بثبات: “مين رأس الأفعى يا صلاح؟”
رد ببطء: “الدكتور عبد المجيد الهواري.. عضو مجلس الإدارة التنفيذي للبنوك الاستثمارية، ورئيس لجنة الائتمان العليا اللي سلمك الكارنيه بنفسه امبارح.”
الاسم نزل عليا زي الصاعقة، بس في نفس الوقت كل المكعبات ركبت فوق بعضها. عبد المجيد الهواري هو اللي كان بيضغط عشان ترقيتي تم بسرعة، مش إيماناً بكفاءتي وبس، لكن لأنه كان مقتنع إن زوجة محاسب بسيط زي شريف، وعندها مشاكل عائلية وضغوط مالية، هتبقى صيد سهل أو كبش فداء مثالي لما العملية الكبيرة تفرقع! هما كانوا شايفيني مجرد “واجهة” جاهزة تشيل الشروخ لما المنظومة تقع.
قلت لصلاح بصوت حاد كالحديد: “الهواري افتكر إنه اشترى سكوتي بالترقية، وافتكر إن شريف وطارق هيعرفوا يسيطروا عليا أو يكسروا عيني بالبدل المتقطعة والتهديد.. هما ميعرفوش إني مابسبش ثغرة في أي ملف بمسكه.”
في نفس اللحظة، جالي إشعار بقبول طلب زيارة عاجل في سجن طرة. المحامي بتاعي هشام كان بعتلي إن شريف وزينات وكاميليا بيستغيثوا وبيطلبوا المقابلة قبل جلسة تجديد الحبس الصبح.
بعد ساعتين، كنت واقفة في غرفة الزيارات الحديدية في السجن.
الباب اتفتح، ودخل شريف وزينات وكاميليا. منظره يقطع القلب لأي حد عادي، بس بالنسبة ليا كان مجرد مشاهد لوحة قصاص عادل. زينات هانم اللي كانت امبارح ماسكة المقص الشرير وبترمي عليا الرماد، كانت لابسة عباية بيضا مستعملة، وشعرها اللي كانت بتتباهى بيه متنعكش ووشها مجعد من البكاء. كاميليا كانت قاعدة على الكرسي منهارة تماماً، ضوافرها المتقلمة وشياكتها المفتعلة اختفت، وعينيها متورمة.
أما شريف.. فكان باصص في الأرض، إيديه في الكلبشات، والبدلة اللي كان فاكر نفسه بيها “سي السيد” بقت متبهدلة ووسخة.
أول ما زينات شافتني، اترمت على الركب قدام التربيزة المصفحة، وصرخت بصوت مبحوح: “نادين! يا بنتي أرجوكي! أبوس إيديكي ورجليكي أخرجينا من هنا! إحنا باتنا في التخشيبة مع المجرمات! كاميليا اتضربت جوه وشريف اتهان! والله ما كنا نعرف إن طارق وجوزها بيلعبوا بالمليارات! إحنا كنا فاكرينها سبوبة صغيرة ناخد منها قرشين ونعلمك الأدب!”
كاميليا بكت بهستيريا: “نادين أرجوكي! طارق اعترف عليا في النيابة وقال إني كنت بصممة الأوراق المزورة! أنا عندي عيال يا نادين! هيروحوا فين؟ شريف هو اللي أخد بطاقتك الضريبية من التسريحة وأداها لطارق!”
شريف رفع راسه بصعوبة، ونظرة الانكسار في عينيه كانت أكبر من أي كلمة: “نادين.. أنا أسف. أنا اعترفت بكل حاجة للنيابة. اعترفت إن أمي وكاميليا هما اللي زقوني أعمل كده عشان نكسر عينك ونخليكي تستقيلي قبل ما تكتشفي لعب طارق في الحسابات. أنا كنت غيران منك.. كنت حاسس إني ولا حاجة جمبك، والغيظ عماني لما لقيتك بتدفعي كل حاجة وأنا مجرد ظل. عبد المجيد الهواري هو اللي وصل طارق بيا.. هو اللي قال لطارق ‘مرت شريف هي الساتر المثالي’.”
قربت من السلك الفاصل، وبصيت لشريف في عينيه ببرود: “يعني أنت عارف إن عبد المجيد الهواري ورطني؟ وكنت موافق إن اسمي وسمعتي يروحوا في داهية وتترمى في السجن مكانه؟”
شريف وهو بيعيط: “كانوا يوهموني إنك معصومة بمنصبك، وإن مفيش حد يقدر يمسك! نادين.. لو سحبتِ البلاغ وقبلتِ التسوية، النيابة هتوجه التهمة لطارق والهواري بس! أرجوكي انقذي جوزك وأمك!”
ابتسمت ابتسامة هادية جداً، ووطيت صوتي عشان يسمعوني هم الثلاثة بالظبط: “أنت مش جوزي يا شريف.. قضايا الخلع والتطليق للضرر أترفت الصبح، والأوراق اتسلمت لمأمور السجن. وأنتِ يا زينات هانم.. الهدوم اللي قطعتوها امبارح كانت بداية نظافة حياتي منكم. وأنتِ يا كاميليا.. المطبخ اللي كنتِ عايزه تعلميني فيه الأصول؟ المطبخ بتاع السجن هيعلمك إزاي تعيشي على قد حجمك الحقيقي.”
زينات صرخت: “يا قاسية! يا حجر! ربنا مش هيسيبك!”
رديت عليها بثبات: “ربنا هو اللي جابلي حقي في أقل من ٢٤ ساعة يا زينات هانم. إنتوا اللي حفرتوا حفرتكم برخصكم وغروركم.. وأنا مجرد المديرة اللي قفلت الحسابات المتأخرة.”
سيبتهم وصرخاتهم بتزلزل القاعة، وخرجت للشمس.
ركبت عربيتي، وطلعت الموبايل وكلمت اللواء صلاح: “صلاح بيه.. شريف أدى اعتراف رسمي بدور عبد المجيد الهواري في القضية. التسجيلات والأوراق اللي طارق مخبيها موجودة في الخزنة السرية بمكتب طارق في شقة الزمالك.. شريف قال لي على مكان المفتاح.”
صلاح بتشفي: “ممتاز يا نادين! النيابة بتصدر دلوقتي أمر بضبط وإحضار عبد المجيد الهواري وتفتيش الشقة. الساعة ٦ المغرب هنداهم المقر الرئيسي للبنوك الاستثمارية ونقبض عليه متلبس وهو بيحاول يحول الـ ٢٠٠ مليون دولار بره البلد.”
رجعت البنك الساعة ٥ بعد الظهر. دخلت القاعة الكبرى، وكان في اجتماع طارئ للدكتور عبد المجيد الهواري مع رؤساء القطاعات.
الهواري كان قاعد على رأس الطاولة، بيتكلم بثقة وعنجهية عن الأرباح والتوسع، وأول ما شافني دخلت، ابتسم ابتسامة صفرا وقال: “أهلاً يا نادين هانم.. سمعنا إن كان عندك ظروف عائلية الصبح؟ خير، إن شاء الله التحقيقات اللي شغالة بره مأثرتش على تركيزك؟”
قعدت على الكرسي المقابل ليه مباشرة، حطيت إيدي على الطاولة، وبصيتله بثبات: “بالعكس يا دكتور عبد المجيد.. التحقيقات هي اللي وضحتلي الصورة كاملة. والملف الـ ٢٠٠ مليون دولار الخاصة بشركات الأوفشور في جزر العذراء بقى جاهز تماماً للتقييم النهائي.”
وجه الهواري اتغير فجأة، نبرة الثقة اختفت، وإيديه اللي كانت ماسكة القلم بدأت تترعش. حاول يتدارك الموقف ويزعق: “أنتِ بتتكلمي عن إيه يا مديرة؟ إيه الجنان ده؟ أنتِ اتجننتي عشان مسكتِ القطاع؟”
قبل ما يكمل كلمته، أبواب القاعة الأبانوس الضخمة اتفتحت بقوة.
دخل اللواء صلاح مع قوة من الأموال العامة ورجال الشرطة القضائية، ومعاهم المستشار النائب العام.
اللواء صلاح تقدم بخطوات ثابتة ونزل الأغلال على الطاولة قدام عبد المجيد الهواري: “دكتور عبد المجيد الهواري.. أنت مقبوض عليك بتهمة قيادة تشكيل عصابي لغسيل الأموال، والتزوير في أوراق رسمية وبنكية، والاستيلاء على ٢٠٠ مليون دولار من أموال المودعين والهيئة.”
القاعة كلها هاجت، رؤساء القطاعات قاموا من أماكنهم بذهول وصدمة. الهواري قام ووشه أصفر زي جثة، وبصلي بغل ورعب: “أنتِ.. أنتِ اللي عملتي كدا؟ أنتِ بلغتِ؟”
قمت وقفت، حطيت الكارنيه الذهبي الجديد بتاعي قدام عينيه على الطاولة، وقلتله بمنتهى البرود: “أنا تحذير المخاطر اللي أنت أهملته يا دكتور. أنت افتكرت إنك بتستغل ست مكسورة ومجروحة من جوزها وأهله عشان تخليها ساتر لعملياتك القذرة.. مكنتش تعرف إن المديرة الإقليمية للائتمان بتمحي أي عميل خائن من الدفاتر.”
الشرطة طوقته، وربطوا إيديه بالكلبشات وهو بيصرخ ويهدد، وسحبوه بره القاعة قدام كاميرات التلفزيون والصحافة اللي كانت واقفة بره بتغطي الحدث.
وقفت عند الشباك الكبير المطل على القاهرة، والهدوء بيعم المكان. شريف وأمه وكاميليا وطارق والهواري.. كلهم بقوا ورا القضبان، الحسابات اتقفلت بالكامل، والعدالة خدت مجراها.
تتنفس بعمق، وأنا حاسة إن الهوا أخيرًا بقى نقي.
لكن وأنا بلم شنطتي عشان أروح أخيرًا للبيت الجديد اللي أجرته بنفسي، تليفوني الأرضي على المكتب رن. صوت غريب برقم مشفر طالع من السماعة، صوت راجل بنبرة هادية ومرعبة أعمق بكثير من الهواري:
“برافو يا نادين.. لعبتِ الدور بذكاء وشيلتِ الهواري وطارق وشريف من الطريق. بس أنتِ فاكرة إن الـ ٢٠٠ مليون دولار دول كانوا بتوع الهواري؟ الهواري كان مجرد الصراف بتاعنا.. والفلوس اللي اتحفظت عليها دي تلزمنا. قدامك ٢٤ ساعة ترجعي الحركة المالية للبنك الدولي، وإلا السر اللي دفنتيه من ١٠ سنين في البنك القديم.. هيتنشر على كل شبكات الأخبار بكرة الصبح.”
سكت لثواني والسماعة في إيدي، وصوت الأنفاس الهادية على الطرف التاني من الخط بتوصلني بمنتهى البرود. السر اللي اتكلم عنه.. سر من ١٠ سنين، لما كنت مجرد محللة مخاطر مبتدئة في بنك استثماري أجنبي، واكتشفت بالصدفة ثغرة برمجية اختلس منها رئيس القطاع وقتها ملايين، وساعتها أجبروني أوقع على تقرير حماية للبنك عشان التغطية على الفضيحة مقابل إني ما أترميش في الشارع ومستقبلي يتمرمر. السر ده كان الندبة الوحيدة في تاريخي المهني، والوحيد اللي كان يعرف تفاصيله المدفونة هو شخص واحد بس.. الشخص اللي دربني، واللواء صلاح نفسه كان بيعتبره فوق مستوى الشبهات.
“أستاذ فريد؟” نطقت الاسم بصوت هادي ومفيهوش ذرة اندهاش.
الضحكة اللي جت عبر الخط كانت خفيفة ومستفزة: “كنت عارف إن ذكائك المشهود له مش هيخذلني يا نادين. عبد المجيد الهواري وطارق الألفي وطبعاً الجاهل جوزك.. دول كانوا مجرد بيادق وواجهة حاطتها عشان لما الأموال العامة تتحرك، يلبسوا هما في الحيط وتفضل العيون بعيدة عني. بس أنتِ لعبتِ الجيم أسرع من المتوقع، وقفلتي الحسابات قبل ما الشحنة الأخيرة تخرج لفرع كوراساو.”
رديت بثبات وصوتي يزلزل السماعة: “أنت اللي زقيت شريف وطارق يزوروا إمضتي؟ أنت اللي خططت لكل ده من الأول عشان تحطني تحت الضغط وأضطر أستقيل أو أهرب، فتكشف الحسابات وتدبسني أنا؟”
فريد بنبرة واثقة: “بالظبط.. زينات وكاميليا بغبائهم وشعورهم بالنقص خدموا خطتي جداً. لما اقترحت على جوزك يقص أجنحتك عشان ‘تتربي’، كنت عارف إن عقليتك المصرة هتخليكي تنفجري فيهم وتلغي كل حاجة وتكشفي طارق بنفسك. أنتِ نفذتي الجزء الصعب من خطتي ونضفتي لي الرقعة من الأغبايا دول. ودلوقتي.. الـ ٢٠٠ مليون دولار المحفوظ عليها في البنك، قدامك ٢٤ ساعة بالضبط عشان تعيدي توجيه الاعتماد المستندي وتفتحي ثغرة تحويل لشركة ‘أورورا’ في سويسرا بحكم صلاحياتك الجديدة كمديرة إقليمية للمخاطر. تسلمي الاعتماد.. يسقط ملفك القديم ويتحرق للأبد. ترفضي.. ملف اختلاس الـ ٥٠ مليون القدام هينزل على مكتب النائب العام الصبح، وبدل ما تكوني البطلة اللي كشفت الهواري.. هتبقي شريكته القديمة اللي اختلفت معاه على الحصص!”
قفلت الخط في وشه من غير ما أرد ولا كلمة.
مسحت جبهتي، ودماغي بدأت تشتغل زي المحرك الحربي. فريد النويري.. رئيس قطاع الائتمان الاستراتيجي والمرشح لمنصب نائب رئيس البنك المركزي، العقل المالي الفذ اللي علم نص مصرفيي مصر، هو رأس الأفعى الحقيقي.
بعد نص ساعة، كنت قاعدة في كافيه مقفول في الزمالك، قدام اللواء صلاح. حطيت التليفون اللي سجلت عليه المكالمة الأخيرة على الطاولة.
صلاح سمع التسجيل، ووشه اتغير تماماً، الصدمة كانت واضحة على ملامحه: “فريد النويري؟! مش ممكن.. ده اسم فوق مستوى الشبهات! ده عضو الهيئة الاستشارية العليا!”
قمت وقفت وبصيت له بصرامة: “مفيش حد فوق الشبهات في سوق الفلوس يا صلاح. فريد هو اللي كان بيحرك شريف وطارق وعصابة الهواري من ورا الستار. وهو فاكر إنه ماسك عليا نقطة ضعف من ١٠ سنين هتخليني أركع وأفتح له التحويل بـ ٢٠٠ مليون دولار.”
صلاح بقلق: “نادين.. ملف الـ ١٠ سنين ده حقيقي؟ لو اتقدم للنيابة، حتى لو ثبت إنك كنتِ مجبورة تحت التهديد، سمعتك المصرفية هتنتهي والكارنيه الترقية هيتسحب!”
ابتسمت ابتسامة حادة، ابتسامة زناد السلاح لما يترفع: “فريد نسي حاجتين مهمين أوي يا صلاح.. الأولى، إني من ١٠ سنين مكنتش مجرد ضحية خايفة، أنا احتفظت بالنسخ الأصلية والأوامر الكتابية الموقعة ببريده الإلكتروني الخاص اللي بأمرني فيها بإغلاق ملف الفحص وساعتها شيلتها في سيرفر محمي ومفرغ على فلاشة مشفرة شايلاها في خزنتي الخاصة. والثانية.. إنه نسي إني بقيت المديرة الإقليمية للمخاطر، ويعني إيه إدارة مخاطر؟ يعني أجري وراء المعركة وأنا حاسبة الخسارة والربح، ومجهزة سيناريو الإطاحة الخاطفة.”
صلاح بلهفة: “نجمتك عالية يا نادين.. ناوي تعملي إيه؟”
نادين: “هنصب له الفخ اللي بقاله ١٠ سنين بيحفر فيه. أنا هبلغه إني موافقة، وهبين له إني خايفة على منصبي وسمعتي، وهطلب منه ييجي المقر الرئيسي للبنك بكرة الساعة ٩ الصبح عشان يراجع معايا أوراق اعتماد تحويل الـ ٢٠٠ مليون دولار بنفسه ويستلم الفلاشة بتاعة ملفي القديم.. وفي اللحظة اللي يضغط فيها ‘تأكيد التحويل’ من حسابه السيادي.. هيكون بيوقع على وثيقة إعدامه المالي والجنائي.”
طوال الليل، مكنتش بنام. كنت قاعدة في بيتي الجديد، قدام شاشة اللاب توب، براجع كل تحويل، كل حساب شبكي، وكل ثغرة فريد كان براهن عليها.
على الناحية الثانية، كان شريف وأمه وكاميليا لسه محبوسين في قسم الشرطة على ذمة تجديد الحبس. المحامي بلغني إن شريف انهار تماماً وكتب تنازل عن كل مستحقاته وطلقني رسمياً أمام نيابة الأحوال الشخصية وهو بيبكي وبيترجى أبعت له طعام أو أغطية من البرد، لكن ردّي كان حاسم: “الحسابات المقفولة ما بتتفتحش عشان الشفقة.” زينات هانم وكاميليا دخلوا في مشادة مع المسجونات وتم نقلهم للحبس الانفرادي بعد ما حاولوا يستغلوا أسمي عشان يترجوا المأمور!
الساعة ٩ الصبح.. المقر الرئيسي للبنك.
دخل فريد النويري مكتب المكين الفخم بالدور الأخير. كان لابس بدلة فاخرة، وواثق من نفسه لدرجة الغرور. دخل وقفل الباب وراه ببرود وقال: “صباح الخير يا نادين.. عقلتِ وعرفتي مصلحتك؟ فين أوراق اعتماد تحويل الـ ٢٠٠ مليون دولار لشركة أورورا؟ وفين الفلاشة القديمة؟”
قمت من على مكتبي، وقفت قدامه وبصيت في عينيه بكل ثبات: “الأوراق جاهزة على السيستم يا أستاذ فريد.. والـ ٢٠٠ مليون دولار متجمدين في الحساب التجميعي بانتظار البصمة البيومترية والموافقة النهائية منك كعضو هيئة استشارية عليا عشان يلغى التحفظ بتاع الأموال العامة.”
فريد ابتسم بانتصار، وقرب من جهاز الكمبيوتر بتاعي: “ممتاز.. كنت عارف إنك أذكى من إنك تضيعي مستقبلك عشان شويه كبرياء.”
حط إيده على الماسح الضوئي للبصمة، وادخل كود التشفير الخفي بتاعه على شاشة البنك، وضغط على زر “تأكيد وإطلاق السيولة”.
في اللحظة دي بالضبط.. الشاشة اتحولت للون الأحمر الصارخ، وظهرت رسالة بالنبط العريض:
[ تم ضبط المحاولة.. تم حظر المعاملة وتوثيق الاختراق الائتماني بواسطة قطاع إدارة المخاطر المركزية ].
فريد اتخشّب في مكانه، وشه اصفرّ والدم هرب من عروقه: “إيه.. إيه ده؟ أنتِ عملتي إيه؟!”
نادين بابتسامة نصر سردت كل سنوات تعبي: “أنا ما فتحتش الاعتماد يا فريد.. أنا عملت ‘مصيدة الائتمان’. البصمة اللي أنت حطيتها دي دلوقتي مش عشان تحول الفلوس لسويسرا، دي كانت الإقرار الرسمي الإلكتروني اللي بيثبت إنك المالك الحقيقي والحساب الموازي لشركات الأوفشور، وإن الهواري وطارق كانوا مجرد أدوات عندك!”
فجأة، الباب الجانبي للمكتب اتفتح.
دخل اللواء صلاح مع المستشار رئيس نيابة الأموال العامة العليا، ووراه فريق كامل من الرقابة الإدارية ومباحث الإنترنت، ومعاهم أجهزة التسجيل المباشر اللي كانت بتنقل الواقعة بالصوت والصورة لغرفة العمليات بالمجلس الأعلى للبنوك!
المستشار بصرامة: “فريد النويري.. أنت متلبس الآن بمحاولة تهريب ٢٠٠ مليون دولار واستغلال سلطاتك البنكية والتستر على شبكة غسيل أموال وتزوير. والملف القديم اللي كنت بتهدد بيه نادين هانم؟ الأوراق الأصلية الموثقة بتوقيعك الإلكتروني تحت إيد النيابة العامة من فجر النهاردة.”
فريد رجع لورا بذهول، الرعب شل حركته، وبصلي ونبرة صوته كانت بتترعش من الغل والانهيار: “أنتِ.. أنتِ دمرتي كل حاجة! أنتِ خططتي لده من أمتى؟!”
قربت منه، وحطيت الكارنيه الذهبي الجديد في جيب جاكيته الفخم، وقلتله بمنتهى الثبات والشموخ: “من اللحظة اللي صحيت فيها على ريحة الشياط ولقيت بدلتي الرسمية متقطعة.. تعلمت إن الست لما تقرر تحمي بيتها ومستقبلها، بتقفل الحسابات الحرام، وبترجع كل مجرم وحرامي لحجمه الطبيعي.”
الضباط كلبشوا إيدين فريد النويري، وسحبوه بره المكتب وسرقات صدمة الموظفين بتملأ الممرات، وهو بيسحب رجليه زي جثة هامدة فقدت كل سلطتها وكرامتها.
وقفت في نص مكتبي، الشمس المشرقة مالية القاعة البانورامية، تليفوني رن برسالة من المحامي:
“نادين هانم.. صدر حكم مبدئي اليوم بحبس شريف وطارق ٧ سنوات مشدد، وزينات وكاميليا ٣ سنوات بتهم الاشتراك والتزوير والتستر، وتم التحفظ النهائي على جميع أملاكهم لصالح البنك.”
مسحت الرسالة، وقفلت التليفون.
لكن قبل ما أتنفس الصعداء، السكرتيرة سارة دخلت بتجري وهي وشها أبيض زي القماش، ومسكت سماعة التليفون الداخلي وهي بترتعش:
“نادين هانم.. المفرقعات والشرطة طالعين فوراً للدور بتاعنا! البوابين لقيوا طرد ملغم باسمك محطوط في عربيتك تحت المبنى.. ومكتوب عليه كارت باسم ‘المجلس الأعلى للأوفشور’!”
نزلت مع قوات المفرقعات لساحة الانتظار أسفل المبنى، المكان كان متقفل تماماً بحواجز أمنية، ورجال المباحث والخبراء بيتعاملوا مع الطرد بحذر شديد.
المستشار رئيس النيابة واللواء صلاح كانوا واقفين متابعين المشهد. بعد دقائق من التوتر، خبير المفرقعات رفع رأسه وأشار للجميع بالاطمئنان.. الطرد مكنش فيه أي مواد متفجرة، كان مجرد هيكل وهمي ومحاكاة لتهديد نفسي، وجواه صندوق خشب صغير.
فتح خبير المفرقعات الصندوق بحضور الضباط، وطلع منه ملف مضغوط والكارت الأسود الأنيق.
المرادي الكارت مكنش فيه تهديد، كان مكتوب عليه بخط ذهبي:
“إلى المديرة الإقليمية نادين.. التقييم: تم اجتياز الاختبار بنجاح ساحق. ‘المجلس الأعلى للأوفشور’ لا يحارب الأذكياء، بل يضمهم.”
اللواء صلاح أخد الملف وقراه بذهول، وبعدها بصلي ونظراته فيها مزيج من الدهشة والارتياح: “نادين.. الطرد ده فيه الوثائق الكاملة للشبكة الدولية اللي كانت بتدير فريد النويري والهواري! هما ضحوا برأس الأفعى والكبار بتوعهم، وبعتولنا الأدلة الحاسمة لإنهاء القضايا دي تماماً، وكأنهم بيقدمولك صفقة هدنة واعترفوا بذكائك.”
ابتسمت بهدوء وثقة، وأخدت الكارت من إيد الخبير ورميته في صندوق القمامة: “أنا مابعملش هدن مع مجرمين يا صلاح.. الدلائل دي هتروح للنيابة، والملف ده هينقفل بالقانون وبصمت.”
مرت ستة أشهر..
في صباح يوم جديد، كنت واقفة في نفس قاعة مجلس الإدارة الكبرى في البنك الرئيسي. لكن المرة دي، مكنش في أي توتر، ولا تهديدات، ولا بقايا أوراق محروقة.
رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، وبحضور محافظ البنك المركزي، كان بيسلمني قرار تعييني رسمياً في منصب رئيس قطاع إدارة المخاطر والرقابة الائتمانية على مستوى الجمهورية، لأكون أول امرأة تتولى هذا المنصب القيادي في تاريخ البنك.
التصفيق كان بيملا القاعة، والصحفيين والمصرفيين بيتقاطروا لتهنئتي.
في نفس الوقت، كان المحامي هشام واقف في ساحة المحكمة المجاورة، وبيبعتلي الرسالة الأخيرة على الواتساب:
“نادين هانم.. تم صدور الأحكام النهائية الباتة اليوم:
* السجن المشدد ١٥ سنة لفريد النويري وعبد المجيد الهواري وطارق الألفي مع رد المبالغ والمصادرة.
* السجن المشدد ٧ سنوات لشريف، مع النفاذ، وتم إلزام شركته بالتعويض.
* السجن ٣ سنوات لكل من زينات وكاميليا، وتم نقلهم لسجن القنايات لقضاء العقوبة.
* تم تنفيذ حكم الخلع نهائياً، وتسليمك كافة مستحقاتك القانونية، وإغلاق كل القضايا والملفات رسمياً.”
قفلت شاشة الموبايل، وحطيتها في جيب البدلة الرسمية السوداء الفاخرة اللي اشتريتها بنفسي من شغلي وعرقي.
بصيت لنفسي في المراية الكبيرة قبل ما أطلع لإلقاء كلمة الترقية أمام الصحافة. افتكرت اللحظة اللي صحيت فيها على ريحة الشياط، والمقص اللي كان في إيد زينات، والضحكة الصفرا بتاعت كاميليا، والبرود اللي رد بيه شريف لما قال لي “الهدوم بتتعوض”.
افتكرت كل ده، وابتسمت ابتسامة انتصار حقيقية وصافية.
هما افتكروا إنهم لما يقطعوا هدومي ويحرقوا كروت البنك هيدمروا حياتي أو يكسروا نفسي.. مكنوش يعرفوا إنهم باللي عملوه ده، حرروني من أكبر عبء كنت شايلاه على كتافي، وفتحوا لي الباب عشان أثبت لنفسي وللعالم كله إن القوة الحقيقية للست مش في السكوت ولا التضحية على حساب كرامتها، القوة في عقلها، وعملها، واستقلالها.
أخدت نفَس عميق، رفعت راسي بثقة، وخطوت أول خطوة على منصة التتويج، وأنا عارفة إن الحسابات اتقفلت.. والدرس اتعلموه للأبد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




