حماتي باعت دهب امي 2

ليلتها، البيت كان ساكن زي المقابر، بس العاصفة كانت بتغلي برة.
أحمد مقدرش ينام. طول الليل كان قاعد في الصالة، يبص للفاتورة اللي في إيده، ويقوم يشرب مية، ويرجع يقعد تاني. وأنا كنت قاعدة جنبه، خايفة من القادم. أحمد مش بس كسر كلام أمه، ده هد الهيكل كله فوق دماغهم، ومفيش حد زي الحاجة سناء لما تتجرح كبريائها وتتزنق في الزاوية.
على الساعة تمانية الصبح، تلفون أحمد بدأ يرن وما بطلش.
أرقام غريبة، وأرقام عمامي وأخوالي من ناحية أبوه، وعماته… العيلة كلها اتجمعت. سمر وأمها مقعدوش، تلفنوا لكل كبير وصغير في العيلة، وقالوا إن أحمد “العاق” جاب محامية الغفر، وبيع أرض المزرعة ورماهم في الشارع، وأخد الفلوس لنفسه ولمراته عشان يشتري بيها دهب!
أحمد بص للتلفون وهو بيرن، وماردش على ولا رقم.
قام بكل ثبات، لبس قميصه، وبصلي وقال:
— خليكي جوة الشقة يا روضة، واقفلي الباب بالمفتاح. محدش هيدخل هنا. أنا نازل محلات الصاغة أجمع الدهب بالجرام زي ما كان في الفاتورة، وبعدها هروح للشهر العقاري أأمن باقي الفلوس في حسابك إنتي.
— أحمد… عشان خاطري بلاش تكبر الموضوع أكتر، العيلة كلها مقلوبة عليك!
مسك وشي بين إيديه وبص في عيني بصرامة:
— العيلة دي نسيت الأصول، واللي ينسى الأصول يتربى. الدهب ده هيرجع النهاردة، وكرامتك هترجع قصب عن عين الكل.
نزلت معاه لحد الباب، وقفلته بالمفتاح زي ما قال.
عدت ساعتين، وكل دقيقة كانت بتمر زي السنة. الجرس رن فجأة… ضربات متتالية وقوية على الباب كأن حد بيحاول يكسره!
جريت على الباب وبصيت من العين السحرية.
كانت الحاجة سناء، وجنبها أخت جوزي سمر، ومعاهم عم أحمد الكبير “الحاج متولي”، وراجلين تانيين من كبار العيلة. سمر كانت بتصرخ في الممر:
— افتحي يا روضة! افتحي يا اللي خرّبتي البيت وأخدتي فلوسنا! افتحي بدل ما نكسر الباب فوق دماغك!
جسمي كله اتنفض، ووقفت ورا الباب مش عارفة أعمل إيه. اتصلت بأحمد بسرعة، أول ما فتح قلتله وأنا ببكي:
— أحمد! عمك متولي وأمك وأختك واقفين برة وبيخبطوا على الباب بغل وعايزين يكسروه!
صوت أحمد اتغير تماماً على التلفون، ونطق بقسوة:
— عشر دقائق وأكون عندك… أوعي تفتحي لعدم منهم يا روضة!
سمعت صوته بيقفل، وبرة كان الضرب على الباب بيزيد. صوت الحاج متولي كان عالي ويهز العمارة:
— افتحي يا بنت الناس نتكلم بعقل! الفضيحة دي لازم تقف النهاردة، الفلوس اللي أحمد حط يده عليها دي مال أيتام وحق العيلة!
بعد عشر دقائق بالتمام، سمعت صوت دبة جزمة أحمد في الممر، وصوته الجهوري وهو بيزعق:
— إيه التهريج اللي بيحصل قدام بيتي ده؟! إنتو جين تطبقوا الشريعة على مراتي وإنا مش موجود؟!
الكل اتلف له. الحاج متولي قرب منه بغضب ورفع عصايته في وشه:
— إنت اتجننت يا أحمد؟! بتبيع أرض أهلك بربع تمنها عشان ترضي حريم؟! وبترمي أختك وجوزها في السجن؟! إنت نسيت إنك راجل العيلة بعد أبوك؟!
أحمد وقف بثبات قدامهم كلهم، حط إيده في جيبه وطلع علبة القطيفة… بس المرة دي كانت مليانة!
فتح العلبة قدام عمك متولي وأمه وأخته، الدهب كان بيلمع تحت إضاءة الممر. أحمد بص لعمك متولي وقال بصوت هز السلم كله:
— العيلة اللي بتتكلم عنها يا حاج متولي… أُمي دخلت شقتي في غيابي، فتحت أدراج مراتي، وسرقت دهب أمها الميتة اللي شايلاه ذكرى وأمانة، وباعته من غير علمي عشان تسدد ديون نصاب كتب شيكات بدون رصيد! هل المرجلة والأصول في عيلتك بتقول إن أُمي تمد إيدها على مال غيرها؟!
عم أحمد اتصدم، وبص للحاجة سناء بذهول:
— الكلام ده حصل يا سناء؟! إنتي أخدتي دهب مرات ابنك وباعتيه؟!
الحاجة سناء وشها جاب ألوان، ولعثمت في الكلام بس حاولت تدافع عن نفسها ببجاحة:
— أيوه أخدته! ما هي عايشة في خير ابني، وأخت ابنه كانت هتتخرب بيتها! الفلوس كلها واحد، وهي مش محتاجة الدهب في حاجة!
أحمد ضحك بصوت عالي ومليان سخرية، وبص لعمك متولي:
— سمعت بنفسك يا حاج؟ أُمي بتقول السرق حلال طالما لجوز بنتها! إنا مابعتش الأرض عشان أضايق حد، أنا بعتها بالتوكيل الرسمي اللي معايا عشان أرد حق الدهب ده، وأخلص العيلة من القضايا اللي كانت رفعتوها إنتو نفسكم علينا من سنين بسبب المزرعة! الفلوس اللي طلعت سددت حق الناس، والدهب أهو رجع مكانه في العلبة!
سمر قربت من أحمد وهي بتبكي وبتصرخ:
— ومدحت؟! مدحت محبوس من الصبح يا أحمد! الشيكات اتقدمت والنيابة أدت أمر بظبطه وإحضاره! هيروح في داهية وإنت معاك باقي الفلوس في البنك!
أحمد بص لأخته سمر بنظرة مفيهاش نقطة رحمة وقالها:
— مدحت يروح في داهية، أو يبيع عفش بيته، أو يستسلف من أهله هو! أنا مش ملزم أدفع مليم واحد لشخص طمع في دهب مراتي وكان فاكر إننا هنسكت ونتغطى بكلمة “الست الأصيلة”! الفلوس الباقية من بيع نصيب أمي، اتحولت رسمياً في الحساب بضمان الشهر العقاري باسم مراتي “روضة”، تعويض عن الإهانة والسرقة اللي تعرضت لها في بيتي!
— كتبت فلوسي باسم مراتك؟! حطيت شقا عمري تحت إيد الغريبة يا أحمد؟! إنت مش ابني! أنا داعية عليك ليوم الدين!
أحمد ما اتهزش، مسك إيد أمه بالراحة ونزلها، وبصلها بعيون مليانة وجع وقال:
— دعاء المظلوم مابينوش بين ربنا حجاب يا أمي… ومراتي كانت مظلومة في بيتي وأنا جيبت لها حقها. الفلوس دي مش بتاعتك من النهاردة، دي بقت حق روضة. وإنتي يا سمر، لو جوزك راجل بجد، خليه يطلع يشتغل ويسدد ديونه بدل ما يعيش على سرقة دهب الحريم.
الحاج متولي وقف متكتف، مش عارف يقول إيه بعد ما عرف حقيقة السرقة. بص للحاجة سناء وقالها بجفاء:
— غلطتي يا سناء… والست اللي تمد إيدها على حاجة مش بتاعتها تتتحمل اللي يجرالها. مش هقدر ألوم أحمد على إنه دافع عن بيته وكرامته.
سمر قعدت على الأرض على السلم وبقت تصرخ وتلطم على وشها، والحاجة سناء كانت بتبص لأحمد وكأنها شايفاه لأول مرة في حياتها… ابنها اللي كانت فاكراه خاتم في صباعها، كسرها وخرد أملاكها وحطها تحت إيد مراتها.
أحمد طلع المفتاح من جيبه، فتح باب الشقة، وبصلي وأنا واقفة ورا الباب أرتعش.
مد إيده واداني العلبة القطيفة، وقال بصوت سمع الممر كله:
— خدي دهبك يا روضة… دهب أمك رجع، ومفيش مخلوق على وجه الأرض يقدر يمد إيده على قشة في بيتك تاني.
دخل الشقة وقفل الباب في وشهم كلهم.
ساد الصمت جوة البيت، بس أنا كنت عارفة إن سمر والحاجة سناء مش هيسيبوا الفلوس اللي بقت في حسابي بسهولة… والضربة الجاية مش هتكون قضايا، دي هتكون حرب شوارع.
مر أسبوع على يوم السلم. أسبوع كان فيه البيت عبارة عن ساحة حرب باردة. أحمد أخد إجازة من شغله، كان قاعد معايا في الشقة، القفل اتغير، والباب بقى بيتفتح بحساب. الدهب رجع في العلبة القطيفة في آخر الدرج، بس طعم الانتصار كان ممرر، لأننا كنا عارفين إن السكون ده هو الهدوء اللي بيسبق الإعصار.
مدحت، جوز سمر، مقدرش يهرب من الشيكات. اتأخد من بيته في وسط الشارع قدام الجيران بالكلبشات، وصدر عليه حكم غيابي بالحبس سنتين في أول قضية. سمر اتجننت، والحاجة سناء حسّت إن ملكها كله ضاع؛ الأرض راحت، الفلوس بقت في حسابي أنا بضمان الشهر العقاري، وجوز بنتها بقت سمعته في الطين ومحمي في التخشيبة.
وفي ليلة أربعاء… نفس اليوم اللي اكتشفت فيه سرقة الدهب من أسبوع.
الساعة كانت داخلة على واحدة بعد نص الليل. الشارع تحت كان هادي تماماً، وفجأة سمعنا صوت كلكسات عربيات وصراخ عالي تحت العمارة. أحمد قام من السرير بسرعة، بصل من الشباك، وشفت وشه بيتحول للون الأبيض.
— في إيه يا أحمد؟
— انزلي تحت السرير يا روضة… أهلي جايبين البلطجية ولاد عم مدحت وجايين يأخدوا حقهم بإيدهم.
سمعنا صوت خبط ورزع في باب العمارة التحتاني، الباب الخشب كسر وهجموا على السلم. أصوات جزم جارية، وصراخ سمر وهي بتهلل فوق:
— اطلعوا هاتوا الفلوس من تحت إيد اللي تسوى والست اللي ما تسواش! هاتوا حق مدحت اللي اترمى في السجن!
أحمد جاب شوم كان شايله ورا الباب، وقفل عليا أوضة النوم بالمفتاح من برة. كنت أسمع صوته وهو بيصرخ من ورا الباب:
— أقسم بالله اللي هيقرب من باب الشقة هقتله! اللي راجل يوريني نفسه!
الباب البراني بتاع الشقة بدأ يتضرب عليه بأجسام ثقيلة، كأنهم جايبين عتلة أو حديدة يكسروا بيها القفل. صوت الحاجة سناء كان أشد من البلطجية، كانت بتهتف زي المجنونة:
— اكسر يا ولد! كسر الباب! الفلوس دي فلوس المزرعة، فلوس ولادي! مش هسيب بنت الفلاحين تاخد شقا عمري وأنا عايشة!
الحديد كان بيرزع في الخشب، وأنا جوة الأوضة كنت بدمع وبدعي، مسكت التليفون وإيدي بتترعش واتصلت بالشرطة.
— النجدة! في ناس بيكسروا باب شقتي بأسلحة وشوم في العمارة رقم… الحقونا بالسرعة!
أحمد صرخ بعلو صوته، وسمعت صوت ضرب الشوم في بعضه، كركبة ترابيزات بتتقلب، وازاز بيتكسر. أحمد كان بيحارب لوحده في الضلمة ضد تلات رجالة وسطهما أمه وأخته!
صوت سمر كان قريب جداً من باب الأوضة اللي أنا محبوسة فيها:
— افتحي يا روضة! افتحي بدل ما نكسر الباب فوق دماغك ونطلع الدهب والفيزا من عينيكي!
وفجأة… صوت ضربة شوم ثقيلة جيلت في الصالة، وبعدها صوت أحمد وهو بيئن بوجع مكتوم وبيقع على الأرض!
قلبي سقط في رجلي. صرخت بكل صوتي:
— أااااأحمد!!
صوت الحاجة سناء نطق ببرود يرعب:
— شيلوه واكتفوه بالرباط! وإنتي يا سمر هاتي العتلة واكسري باب الأوضة دي!
الباب الخشب بتاع الأوضة أكل ضربتين حديد، والقفل اتقطم في ثواني. الباب اتفتح، وشفت الحاجة سناء واقفة ورا سمر، وفي إيد سمر عتلة حديد، ووراهم في الصالة طيف أحمد مرمي على الأرض، كتفه بينزف ورجلين اثنين بلطجية ماسكينه وربطوا إيده بوهي.
الحاجة سناء قربت مني بخطوات بطيئة، عينها كانت زايغة وفيها غل ملوش حدود. مسكتني من شعري بقوة رفعت رأسي لفوق وقالتلي بصوت واطي وزي الفحيح:
— فاكرة إن ابن ينسى أمه عشان شوية دهب وفلوس يا روضة؟ فاكرة إنك كسبتي؟ بكرة الصبح هتروحي مع الأستاذ ناصر المحامي بتاعي، وتهوبي على البنك وتحولي كل مليم في حسابك لحسابي… والدهب اللي في العلبة هتاخديه بإيدك وتديه لسمر عشان تفرج عن جوزها!
أحمد كان بيحاول يقوم على الأرض وهو بينزف من جبهته، صرخ وهو بيحشرج:
— أوعي تعملي كده يا روضة… لو عملتي كده مش هسامحك ليوم الدين! أوعي تتديهم مليم!
واحدا من البلطجية ضرب أحمد برجله في بطنه عشان يسكت. أنا ما استحملتش المشهد، الدموع كانت مغرقة وشي وقلت وأنا ببكي بانهيار:
— حاضر! حاضر هديكم كل حاجة! هديكم الفلوس والدهب بس سيبوا أحمد! هعملكم اللي انتو عايزينه!
الحاجة سناء ابتسمت ابتسامة نصر مرعبة، وسابت شعري وقالت لسمر:
— هاتي العلبة من الدرج يا سمر… خدي الدهب، والفيزا والأوراق نآخدهم دلوقتي، وبكرة الصبح الساعة تسعة نكون قدام البنك.
سمر جرت على التسريحة، فتحت الدرج وسحبت علبة القطيفة، فتحتها وشافت الدهب بيلمع، ضحكت بحسرة وفرحة وقالت:
— الدهب أهو يا ماما… دهب ستك الميتة اللي أحمد باع المزرعة عشانه!
في اللحظة دي بالضبط… الشارع تحت اتملى بصوت سرينات عربيات الشرطة!
الأضواء الحمراء والزرقاء بتاعت سرينة النجدة عكست على حيطان الأوضة من الشباك، وصوت مكبر الصوت نزل زي الصاعقة في الشارع:
— قوة النجدة تفرِض حصار على العمارة! أيا كان مين فوق، حطوا السلاح وانزلوا بأيديكم مرفوعة! العمارة محاصرة!
البلطجية اللي في الصالة اتخضوا، واحد منهم رمى الشومة وقال برعب:
— البوليس تحت! انتو قلتوا دي خناقة عيلة ومش هيتدخل حد! إحنا ملناش دعوة بالتلبس ده!
جروا على السلم يحاولوا يهربوا من باب السطوح، بس صوت الخبط والجري بتاع أفراد الشرطة كان طالع على السلم بسرعة رهيبة.
سمر وقفت في نص الأوضة زي الفراخ المذبوحة، العلبة القطيفة في إيدها بترتعش. الحاجة سناء وشها جاب ألوان وشفايفها جفت تماماً.
البوليس اقتحم الشقة في ثواني، الضابط دخل بسلاحه ومعه أربعة عساكر. شافوا المنظر: أحمد مربوط وينزف على الأرض، الصالة متكسرة، الباب مخلوع، وأنا منهارة في الأوضة، وسمر والحاجة سناء ماسكين العتلة والدهب!
الضابط بص للمشهد ورفع حواجبة وقال بصوت حاسم:
— إيه المهزلة دي؟! هاتوا الكل هنا! قبض على الستات دول قبل البلطجية! دي جريمة اقتحام مسكن، وسطو مسلح، وتعدي وإحداث عاهة!
أحمد رفع رأسه بالعافية وهو بينزف، بص لأمه اللي كانت واقفة زي الليمونة المظلومة، وقال للضابط بصوت ثابت رغم الوجع:
— الستات دول يا باشا… هما اللي خططوا للاقتحام والسرقة. وأنا بطلب تحرير محضر رسمي باقتحام منزل، وسرقة بالإكراه، وشروع في قتل!
الحاجة سناء صرخت بصوت هيستيري وهي بتبص لأحمد:
— أنا أمك يا أحمد! هتسجن أمك وأختك عشان خاطر دي؟!
أحمد بص لها بعيون فارغة تماماً من أي شفقة، ونطق بأقسى جملة قالتها شفافه من يوم ما اتولد:
— اللي يقتحم بيتي في الضلمة، ويسرق مراتي، ويربطني وينزفني في بيتي… ميبقاش أمي. انتو من النهاردة خصومي قدام القانون.
العساكر كلبشوا سمر وهي بتصرخ وتلطم، وسحبوا الحاجة سناء اللي كانت بتترعش ومش قادرة تمشي على رجليها، والعلبة القطيفة وقعت من إيد سمر على الأرض، اتفتحت، والدهب اتنثر في نص الصالة.
أنا جريت على أحمد، فكيت الرباط من إيده، وحضنته وأنا ببكي. أحمد مسك وشي بإيده اللي فيها دم، وبص للدهب المرمي على الأرض وقال بصوت مكسور:
— الدهب نزل على الأرض يا روضة… بس كرامتك وكرامة أمك الله يرحمها مش هتنزل أبداً.
الضابط طلب الإسعاف لأحمد، وأخدهم كلهم في بكس الشرطة. بس وأنا واقفة في الصالة المتكسرة بلم الدهب حتة حتة من الأرض، كنت عارفة إن القضية دي مش هتنتهي في التخشيبة… لأن أهل مدحت والعيلة مش هيسكتوا على حبس الحاجة سناء وسمر، والرد المرة دي مش هيكون بالقانون.




