بنتي الصغيرة 2

قلتله بغضب وكبرياء: “عصام؟! عصام اللي رمانا في الشارع ورفض يعترف ببنته؟ قول لسيدك إننا مش ألعاب في إيده، ومفيش بيني وبينه حاجة خلاص!”.
المحامي حرك رأسه بأسى وقال نبرة جدية : “يا مدام فضل.. الأستاذ عصام في المستشفى، ! وطلبه الأخير قبل ما يجراله حاجة إنه يشوف نور ويشوفك.. أرجوكي تعالوا معايا قبل فوات الأوقات”.
نظرت لنور اللي كانت بتبصلي بذهول، ورجعت بيا الذكريات .. هل أرجع للراجل اللي كسرنا بنتنا؟ ولا أسامح إنسان بين الحياة ؟
وقفت في مكاني والشمس بتلوي وشي، حاسة إن الأرض بتلف بيا. كلمة “” نزلت على قلبي زي المية المغلية. رغم كل القسوة والظلم اللي شفته منه، ورغم إنه رمى بنته وهانني، بس في النهاية ده عصام.. حبيبي وعشرة عمري وأبو ولادي.
نور بصلتي بدموع محبوسة وسألتني بصوت بيرتعش: “ماما.. هو بابا عيان؟ هو هيجراله حاجة زي يوسف؟”.
نزلت لمستواها ومسكت إيديها الصغيرين وقلت بقلب مقسوم نصين: “مش عارفة يا نور.. بس لازم نروح نشوفه، ماشي يا حبيبتي؟”. البنت هزت رأسها بالوافقة وهي خايفة، بس كان جواها حنين دفين لأبوها مهما عمل فيها.
ركبنا عربية المحامي، وطول الطريق للقاهرة كنت حاطة إيدي على قلبي، والأفكار بتطحن في عقلي طحن. يا ترى جَرى له إيه؟ هل أكل نفسه من الغل والندم؟ ولا الشوق ليوسف قتله؟ ونور كانت جنب ساكتة، باصة من شباك العربية وبتمسح دموعها بخوف.
وصلنا مستشفى كبير في وسط البلد. المحامي مشي قدامنا بسرعة ودخلنا الدور التاني، لحد ما وقفنا قدام العناية المركزة. هناك لقيت أخته “وفاء” وقفة بتبكي، أول ما شافتني جِريت عليّ وأخدتني في الحضن وهي بتصرخ: “الحمد لله إنك جيتي يا فضل! عصام ضاع يا فضل.. عصام بين إيدين ربنا!”.
سألتها بصدمة وأنا برتعش: “حصل إيه يا وفاء؟ ماله عصام؟”.
وفاء غطت وشها بإيديها وبكت بحرقة وقالت: “من يوم ما مشيتوا وهو قافل على نفسه الشقة، بطل ياكل وبقى يشرب سجاير بشراهة مش طبيعية، وكان بيفضل قاعد في أوضة يوسف بالليالي يبكي وينادي عليه. من أسبوع جاله جلطة شديدة في القلب ونقلوه هنا، والدكاترة قالوا إن حالته متأخرة جداً وقلبه مش قادر يتحمل، ولما صحي النهاردة الصبح الصبح، أول حاجة نطقها كانت اسمك واسم نور.. صرخ وقال هاتوا لي نور قبل ما !”.
الكلام دخل قلبي زي السكاكين. بصيت لنور اللي كانت واقفة مستخبية ورايا ومسكة في ضهري بحماسة. في اللحظة دي، خرج الدكتور من العناية المركزة وبص لنا وقال: “مين المدام فضل ونور؟ المريض جوه فاق وطلبكم بالاسم، بس أرجوكم بلاش أي انفعال لأن الحالة حَرجة جداً وممكن يفقد الوعي في أي لحظة”.
مسكت إيد نور وفتحت باب العناية المركزة بخطوات بطيئة، وأنا حاسة إن رجليا مش شيلاني. ريحة المطهرات وصوت الأجهزة اللي بتبص بصوت منتظم كانت . قربنا من السرير.. وعيني وقعت على عصام!
انصدمت من شكله.. الراجل القوي اللي كان مالي البيت بصوته وهيبته، بقى مجرد جثة هامدة مرفوعة على الأجهزة، وش أصفر زي الليمون، وجسمه خاسس للنصف، وعينيه غايرة لجوه. أول ما فتح عينيه وشافنا، شريط من العذاب مر فيهم.
حرك شفايفه بصعوبة شديدة وصوت واطي ومبحوح كأنه جاي من القبر: “فـ.. فضل.. نور..”.
دموعي نزلت بغير إرادة مني وقربت منه، ونور كانت واقفة جنب السرير، خايفة تقرب بس عينيها مليانة لهفة وألم. عصام مد إيده اللي كانت بترتعش وفيها أجهزة والمحاليل، وحاول يوصل لإيد نور.
نور بصلتي بذهول، وأنا هزيت لها رأسي بالوافقة. البنت قربت إيدها الصغيرة وحطتها في إيد أبوها. عصام مسك إيدها بضعف شديد، ودمعة سخنة نزلت من عينه على خده.
قال بصوت مكسور يقطع القلب: “سامحيني يا نور.. سامحيني يا بنتي.. الشيطان كان عامي قلبي.. كنت بشوف يوسف فيكي ونسيت إنك حتة مني.. سامحيني يا نور قبل ما أقابل ربنا..”.
نور انفجرت في البكاء وأترمت على صدره، وحطت رأسها على كتفه وهي بتصرخ: “مسامحاك يا بابا! والله مسامحاك! بس متسبنيش وتمشي.. أنامش زعلانة منك والله بس ارجع معانا البيت!”.
عصام ضمها بإيده التانية بكل القوة اللي فاضلة فيه، وبصلي بدموع وندم وقال: “سامحيني يا فضل.. أنا ظلمتكم وهدمت بيتي بإيديا.. احمي نور يا فضل.. أمانة في رقبتك..”.
وفجأة.. صوت الأجهزة زاد بسرعة وشدة، والشاشة بدأت تطلع صفارة طويلة ! جسم عصام اترعش ونظرته اتجمدت في السقف، وإيده سابت إيد نور ووقعت على السرير!
الدكاترة والممرضين دخلوا يجروا على الأوضة، وزقونا بره العناية وسط صراخي وصراخ نور وهي بتنادي: “باباااا! بابا رد عليّ يا بابا!”.
خرجنا الصالة وورايا الأبواب اتقفلت، ونور أغمى عليها في حضني من كتر الصدمة . الصدمات كانت ورا بعضها، وأنا واقفة في وسط المستشفى مش عارفة عصام عايش ولا ، وبنتي بين إيديا فاقدة الوعي، والحياة بتظلم في وشي من تاني!
صرخت بأعلى صوتي وأنا شايلا نور بين إيديا ومظلمة الدنيا في وشي، الممرضين أخدوا البنت مني بسرعة ودخلوها أوضة الملاحظة اللي جنب العناية، وأنا بقيت واقفة في الممر مش عارفة أروح فين ولا أطمن على مين.. أطمن على جوزي اللي قلبه وقف جوه والعناية اتقلبت مناحة، ولا أطمن على بنتي الطفلة اللي جدران المستشفى شربت دموعها وانهارت بين إيديا؟
فضلت أتحرك في الممر زي المجنونة، وفاء أخت عصام كانت بتلطم على خدودها وجوزها بيحاول يديها مية، والممرضين طالعين داخلين يجروا بالصدمات الكهربائية لأوضة عصام. كل ضربة جهاز كنت بحسها في قلبي أنا، صوت الصفارة المنتظمة اللي بتعلن توقف القلب كان بيرن في ودني زي أذان .
بعد أطول ربع ساعة مرت عليا في حياتي، خرج الدكتور وهو بيمسح العرق من على جبهته، وش أصفر وملامحه مرهقة أقصى درجة. جريت عليه وأنا بمسك في بالتو بدموع تحرق: “دكتور! أرجوك قول الحقيقة.. عصام جراله إيه؟ عاش ولا سابنا؟”.
الدكتور اتنهد تنهيدة طويلة وقال بنبرة هادية بس محملة بالحذر: “الحمد لله.. إنعاش القلب نجح ونبضه رجع تاني، بس الوضع حرج جداً يا مدام. الأزمة القلبية كانت شديدة، والمريض دخل في غيبوبة ناتجة عن ضعف وصول الأكسجين للمخ أثناء توقف القلب. إحنا حطيناه على أجهزة التنفس الصناعي، واللي جاي كله بين إيدين ربنا.. أدعوله المقاومة جواه تكون قوية”.
وقفت في مكاني مش عارفة أفرح إن نبضه رجع، ولا أبكي إنه دخل في غيبوبة مش عارفين هيصحى منها إمتى ولا هيصحى إزاي. سبت العناية وجريت على الأوضة اللي فيها نور.
لقيت بنتي نايمة على السرير، معلقين لها محلول، ووشها أبيض زي الملاية اللي تحتها. قعدت جنبها ومسكت إيدها الصغيرة وبستها مية مرة وأنا بدمع: “سامحيني يا نور.. حطيتك في حمْل أكبر منك يا حبيبتي، بس بابا سامحك يا نور.. بابا أخدك في حضنه وقالك إنه بيحبك”.
بعد ساعتين، نور بدأت تفتح عينيها بتعب، بصلت لسقف بذهول، وبعدين تلفتت حواليها ولما شافتني مسكت في إيدي بلهفة وسألتني بصوت مبحوح: “ماما.. بابا ؟ بابا سابنا وراح ليوسف؟”.
ضميتها لصدري بقلب يعتصر من الألم وقلت لها: “لا يا نور.. بابا عايش يا حبيبتي، بس تعبان شوية ونايم، والدكاترة جنبه بيعالجوه.. بابا أخدك في حضنه قبل ما ينام وقالك إنه آسف، افتكري دي كويس يا نور.. بابا بيحبك وما كانش يقصد أذيتك”.
نور حطت رأسها في حضني وبكت بس المرة دي بكا هادي.. بكا طفل أخيرًا حس إن الكابوس اللي طارده شهور بدأ يزول، وأن الإحساس بالذنب اللي كان بياكل قلبها يخف، لأن أبوها نطق بسماحها قبل ما يفقد الوعي.
مرت الأيام والأسابيع في المستشفى كأنها دهر. عصام كان لسه في الغيبوبة، نايم تحت الأجهزة ومحاط بالمحاليل. أنا ونور كنا بنزوره كل يوم في الأوقات المسموح بيها. نور كانت بتقعد جنب ، تمسك صوابعه الكبيرة وإيدها الصغيرة جواها، وتقعد تحكيله عن المدرسة وعن واجباتها وعن صحابها في الحضانة، كأنه سامعها ومصحصح معاها.
كنت ببصلهم والدموع في عيني، وبقول في بالي: “سبحان مغير الأحوال.. الراجل اللي كان عايز يرمي بنته في دار أيتام ويهدم بيته، أهوه نايم مستني كلمة منها أو دعوة تديله أمل يعيش”.
لكن المشاكل ما بتجيش فرادى.. بعد شهر ونصف من وجود عصام في المستشفى، بدأت المصاريف تتقل بشكل . التأمين ما كانش مغطي كل حاجة، والمدخرات البسيطة اللي كانت مع وفاء أخته خلصت، وأنا المرتب اللي باخده من الحضانة ما يجيش حق يوم واحد في العناية المركزة!
في يوم، جالي مدير الحسابات في المستشفى وطلبني في مكتبه، اداهوني إنذار رسمي: “يا مدام فضل، المديونية عدت الرقم المسموح بيه، ولو ما تسددش جزء كبير منها خلال 48 ساعة، للأسف هنضطر ننقل المريض لمستشفى عام حكومي، ونشيل الأجهزة المتقدمة عنه”.
نزلت من مكتب الحسابات ورجليا مش شيلاني. النقل لمستشفى عام في حالته دي معناه المحقق! اتصلت بهدى أختي وبجوزها، حاولوا يجمعوا أي مبلغ بس العين بصيرة والأيد قصيرة. وقفت في حوش المستشفى وأنا ، مش عارفة هجيب الفلوس دي منين ولا أنقذ جوزي وأبو بنتي إزاي.
وفجأة.. وأنا قاعدة على الدكة في جنينة المستشفى حاطة وشي بين إيديا وببكي، سمعت صوت خطوات قربت مني، وصوت راجل قال بنبرة فخمة وجادة: “حضرتك المدام فضل؟ حرم الأستاذ عصام؟”.
رفعت رأسي بدموعي، لقيت راجل في الخمسينات من عمره، هيبته عالية ولابس بدلة شيك جداً، وحواليه حارسين وافقين بعيد.
قلت له باستغراب وأنا بمسح دموعي: “أيوة أنا.. حضرتك مين؟”.
الراجل اتنهد وبص لمبنى المستشفى ونظرة عينيه كانت مليانة غموض قديم، وقال: “أنا الحَاج عبد الجواد.. أظن عصام ما حكالكيش عني قبل كده، بس أنا الراجل اللي بسببه.. يوسف ونور حصلت في بيتك من الأساس!”.




