بنتي الصغيرة 3

وقف الحاج عبد الجواد قدامي، ملامحه الحادة كان غاطس فيها حزن أعمق من السنين. رأسه بأسى وقال بصوت رزين محمل بالمرارة: “اقعدي يا مدام فضل، وافتحي عقلك وقلبك للكلمتين اللي هقولهوملك.. عشان يفهمك السر اللي عصام داراه عليكي طول السنين دي”.
قعدت على الدكة وأنا أيدي بترتعش، ونور كانت جوه في بتترسم وتلعب، فكنت قاعدة معاه لوحدي بتاكل في جوفي.
بدأ الحاج عبد الجواد يتكلم وعينيه باصة للمدى: “أنا وعصام جوزك كنا شركاء في شركة مقاولات وتوريدات كبيرة من عشر سنين.. كان بيننا شغل بمليارات، وكنت بعتبره أكتر من أخويا. لكن من سنة ونص، دخلنا في صفقة كبيرة وخسرنا فيها كل حاجة بسبب غدر منافسين لينا.. الشركة أفلست، والدين بقى بمليونات. عصام وقتها، عشان يحميكي أنتِ والأولاد من الملاحقات القضائية والدائنين، كتب الشقة اللي أنتم ساكنين فيها باسمك وباع كل أملاكه، واتحمل هو الوش كله”.
كنت ببتلع ريقي بصعوبة، وسألته بذهول: “بس.. بس ده إيه علاقته بيوم الحادثة؟ إيه بيوسف ونور؟!”.
كمل عبد الجواد بصوت جاف وهو بيمسح على لحيته: “في اليوم الأسود ده.. أنا كنت مع عصام في المكتب، وجاتلنا مكالمة صريحة من الناس اللي أكلوا حقنا، قالوا له بالحرف: (لو ما تنازلتش عن المحاضر اللي بيننا، هنوجعك في أعز ما تملك.. أولادك). عصام اتجنن، ساب المكتب وجري زي المعتوه على البيت عشان يطمن عليكم ويتصل بيكي، وفي نفس اللحظة اللي هو كان بيجري فيها في الشارع تحت العمارة.. يوسف وقع من الشباك!”.
حسيت ببرودة ثلج بتجري في عروقي، عينيا اتسعت من الصدمة وأنا بستوعب الكلام، وعبد الجواد كمل وهو بيغالب دموعه: “عصام لما شاف يوسف نازل من الدور العالي على الأرض قدام عينيه.. عقله طار، افتكر إن أتحقق وإن التشكيل العصابي ده هو اللي زق ابنه أو دخل الشقة وعمل كده! ولما طلع الشقة ولقى نور بتصرخ وتقول (أنا اللي زقيته يا ماما).. عقله الرافض للصدمة رفض يصدق إنها حادثة أطفال! عقل عصام من حقيقة إنه كان السبب في جلب الخطر ليكم، وجسّد كل غضبه وعجزه وعقده في نور.. بقى يبصلها كأنها الأداة اللي اتسببت في المأساة، وهرب من ذنبه بإنه يكرهها ويتهمها!”.
كنت حاطة إيدي على بوقي وببكي بصوت مكتوم هز الجنينة كلها. كل الخيوط اتشبكت في عقلي.. القسوة المرعبة، التغير المفاجئ، نظرات الرعب، والانهيار اللي صاب عصام لحد ما جاله جلطة ووقف قلبه! عصام ما كانش بس زعلان على يوسف.. عصام كان من إحساسه الصامت بالذنب والجلد الذاتي اللي كان بياكل في أحشائه كل ثانية!
عبد الجواد طلع من جيب جاكيته دفتر شيكات، وكتب شيك بمبلغ ضخم وحطه في إيدي، وقال بصوت حاسم: “الشيك ده يغطي مصاريف المستشفى والعلاج وكل اللي هيحتاجه عصام ونور، ودا حق عصام عندي من أرباح قديمة قدرت أستردها بالقضاء.. عصام شال السر ده لوحده وما رضيش يكسرك أو يخوفك، وكان بيدفع تمن من أعصابه وحياته. دلوقتي يا فضل.. عصام محتاجك أنتِ ونور عشان يرجع من الغيبوبة دي”.
أخدت الشيك بآيادي بترتعش، وشكرته بدموع صادقة، وجريت زي المجنونة على المستشفى. سددت ديون الحسابات كلها، وطلعت جري على الدور التاني.
دخلت أوضة الملاحظة وأخدت نور في حضني، والبنت بصلتي باستغراب وهي شايفاني بدمع وببتسم في نفس الوقت. قلت لها بصوت مليان أمل لأول مرة من شهور: “يلا يا نور.. يلا يا قلب ماما ندخل لبابا، بابا محتاجنا أوي النهاردة”.
مسكت إيد نور ودخلنا العناية المركزة. قربنا من اللي نايم عليه عصام، محاط بالأجهزة والصوت المنتظم للقلب. مسكت إيده الشمال، وحطيت إيد نور الصغيرة في إيده اليمين.
قعدت على الركب جنب السرير، وبصيت لوشه الأصفر المجهد، وقلت له بصوت حنون وبكي: “عصام.. أنا عرفت كل حاجة يا عصام.. عرفت السر اللي كنت مخبيه ومتحمله لوحدك في قلبك.. أنت مش السبب يا عصام، ويوسف عند ربنا في مكان أحسن، ونور مسامحاك وأنا مسامحاك.. ما تسيبناش يا عصام، بلاش تسيبني أشيل الشيلة لوحدي تاني.. ارجع عشان خاطر نور اللي مالهاش غيرك”.
نور مال جسمها على صدر أبوها، وحطت خدها على خده، وقالت بنبرة طفولية بريئة بتهز الحجر: “بابا.. أنا مش زعلانة منك خالص والله، وأنا عارفة إنك بتحبني.. صحاني يا بابا عشان نلعب سوى زي زمان.. أنا مستنياك يا بابا”.
في اللحظة دي.. وفي وسط الهدوء التام وصوت الأجهزة.. شفت صوابع عصام اليمين، اللي ماسكة إيد نور، بتبدأ تتحرك حركة خفيفة!
جسمي اتنفض، ونور صرخت بفرحة: “ماما! بابا حرك إيده! بابا ماسك إيدي يا ماما!”.
بصيت لوشه بسرعة.. لقيت جفونه بتهتز، ودمعة سخنة محبوسة خرجت من زاوية عينه النايمة، وبدأ صدره يعلى ويوطى بشكل مضطرب، والأجهزة بدأت تطلع نغمات سريعة تعلن عن استجابة عصبية داخلية!
جريت على الباب وبصرخ بأعلى صوتي للممرضين والدكاترة: “دكتور! الحقني يا دكتور! عصام بيتحرك.. عصام بيصحى!”.
دخل الطاقم الطبي بسرعة ورجموا الأوضة، وزقونا لورا وهي حالة طوارئ شديدة، والدكتور بيطالع حدقة عينيه وبيقيس العلامات الحيوية وهو بيقول بذهول: “معجزة.. المريض بيستجيب للوعي بعد شهر ونص غيبوبة كاملة!”.
وقفت أنا ونور في زاوية الأوضة ماسكين في إيدين بعض، وقلوبنا بتدق بأعلى سرعة، مستنيين اللحظة اللي عصام يفتح فيها عينيه بجد.. ومش عارفين، لما يفتح عينيه ويرجع للدنيا كاملة.. هل السر ده هيخليه يرجع الأب والحبيب بتاع زمان؟ ولا الآثار اللي سابتها الحادثة والغيبوبة في جسمه وعقله هتفتح باب لتربية ومواجهة جديدة أصعب من كل اللي مر علينا؟
وقف الفريق الطبي حول سرير عصام في حالة استنفار تام. الأجهزة الإلكترونية كانت تصدر أصواتًا متسارعة، والدكتور يسلط الضوء الصغير على حدقة عينيه، بينما الممرضة تمسك بيده وتقيس النبض بصورة يدويّة مع مؤشرات الشاشة. كنت واقفة في زاوية الغرفة، ضامة نور إلى صدري بكل ما أوتيت من قوة، ونور واضعة وجهها في أحضاني، تتنفس بصعوبة وتهمس بصوت مرعوب: “يا رب بابا يصحى.. يا رب بابا يرجع معانا”.
فجأة، تحركت شفاة عصام اليابسة، وصدر منه صوت أنين خافت جداً، صوت بحة عميقة كأنه قادم من قاع بئر سحيق. فتح عينيه ببطء شديد، عيناه كانت زاغتين، لا تستقران على شيء، ترمشان بتعب ضد ضوء الغرفة الخافت.
الدكتور بابتسامة ذهول ونبرة هادئة قال له: “حمد الله على السلامة يا أستاذ عصام.. اهدى خالص، متتحركش، أنت في المستشفى ومعانا، كل حاجة بخير”.
عصام حرك حدقتيه ببطء شديد في أرجاء الغرفة، كأنه يسترجع ذاكرته المفقودة أو يحاول التعرف على العالم من حوله بعد شهر ونصف من الغيبوبة والظلام التام. خفت خطواته النظرية حتى وقعت عيناه عليّ وعلى نور. أول ما رآنا، اتسعت عيناه قليلاً، وضغط بأصابع يده اليمين – التي كانت ما تزال تحتضن يد نور الصغيرة – ضغطة خفيفة للغاية ولكنها كانت بالنسبة لنا بألف كلمة.
الدكتور التفت إليّ وقال بلهجة جادة: “الحالة الحيوية استقرت والوعي رجع، دي معجزة بكل المقاييس الطبية. بس لازم تعرفي يا مدام فضل، المريض خارج من غيبوبة طويلة وأزمة قلبية حادة، يعني الخروج من العناية مش هيبقي النهاردة ولا بكره. محتاجين نطمن على وظائف المخ والحركة والجهاز العصبي كلياً خلال الكام يوم الجايين، وأهم حاجة ممنوع أي انفعال أو ضغط عصبي”.
أومأت برأسي بدموع الفرحة والارتياح، وجريت خطوات صغيرة نحو السرير. انحنيت عليه وبست جبينه الساخن وأنا أبكي بصوت خافت: “حمد الله على سلامتك يا عصام.. الحمد لله إنك رجعت لنا، الحمد لله يا حبيبي”.
عصام حاول ينطق، شفايفه تحركت ببطء ونطق حرفين بصعوبة: “نـ.. نور..”.
نور رفعت رأسها وصعدت على كرسي صغير بجانب السرير، وحطت يدها على خده المخربش بلحية طويلة بيضاء لم أرها فيه من قبل، وقالت له بابتسامة وسط الدموع: “أنا هنا يا بابا.. أنا جنب أهو مش هسيبك خالص”.
عصام أغمض عينيه ودمعة سخنة سالت من زاوية عينه على خد نور، كأنه بيغسل بيها كل السواد والظلم والذنب اللي عاشه طوال الشهور الماضية.
مرت ثلاثة أيام في العناية المركزة، كانت من أصعب وأطول الأيام، ولكنها كانت محملة بالأمل. عصام كان يسترد وعيه بالتدريج، بدأ يتكلم بكلمات متقطعة، والأجهزة بدأت تتشال عنه واحدة ورا الثانية لحد ما تم نقله لأوضة عادية في الدور الثالث.
كنت بقضي اليوم كله جنبه، أنا ونور. أساعده في الأكل، أغيرله، وأمسح على رأسه. لكن رغم الاستقرار الطبي، كنت حاسة إن في حاجة غلط.. عصام كان هادي زيادة عن اللزوم. هدوء يرعب، مبيردش غير على قد السؤال، ونظراته دايماً متثبتة في السقف أو في الشباك. كان كل ما يبص لنور، عينيه تملأ دموع، يمد إيده يحضنها، وبعدين يسكت تماماً ويكتم جواها وجع أعمق من الجبال.
في ليلة من الليالي، بعد ما نور نامت على الكنبة الموجودة في أوضة المستشفى من كثر التعب، قعدت جنب عصام على السرير، مسكت إيده الباردة وقلت له بصوت حنون: “عصام.. أنت ساكت ليه؟ الدكتور قال إن جسمك بيستجيب للعلاج ومجرد ما نطمن على الحركة والرجلين هنقدر نرجع البيت.. ليه حاساك بعيد وعقلك شغال في حاجة تانية؟”.
عصام حرك رأسه ببطء ونظر إليّ، عيناه كانتا مجهدتين جداً، وقال بصوت مبحوح: “أنا مش قادر أنسى يا فضل.. كل ما أغمض عيني بفتكر يوسف وهو طالع فوق الكنبة، وبفتكر اليوم اللي خرجت فيه من عقلي وكنت عايز أرمي بنتي.. أنا كنت مجنون يا فضل، كنت وحش! إزاي هبص في وش نور لما نرجع البيت؟ إزاي هبص في عينيكي وأنتِ شفتيني وأنا بظلم بنتي وأردد كلام الدار؟”.
دموعي نزلت وقربت منه أكتر وقلت له بنبرة قوية مليانة حب وإيمان: “عصام.. أنا عرفت كل حاجة. الحاج عبد الجواد جالي المستشفى وحكالي على كل حاجة.. حكالي عن ، وعن السر اللي شلته لوحدك وما رضيتش تكسرنا بيه، وعن الشراكة اللي اتدمرت. أنا عرفت إنك ما كنتش بتكره نور.. أنت كنت بتهرب من ذنب مش ذنبك، وكنت فاكر إنك السبب في اللي حصل ليوسف!”.
عصام اتصدم، عينيه وسعت بذهول وشهق بصوت مكتوم: “عبد الجواد؟! عبد الجواد حكالك؟!”.
قلت له وأنا بأومئ برأسي: “أيوة.. حكالي يا عصام. وعرفني قد إيه أنت ضحيت وتحملت في صمت عشان تحمينا وتكتب الشقة باسمي وتواجه الناس دي لوحدك. أنت مش وحش يا عصام، أنت أب انكسر قلبه، ونور عارفة ده ومسامحاك من كل قلبها.. يوسف الله يرحمه في مكان أحسن، وعايزنا نعيش ونحمي نُور ونعوضها عن كل لحظة خوف عاشتها”.
عصام غطى وشّه بإيديه الاثنين وانفجر في بكاء هستيري، بكاء راجل شال جبل فوق كتفه لسنين وأخيراً الجبل ده وقع وهبط. قعد يتنفض ويبكي بحرقة، وأنا أخذته في حضني وبقيت أطبطب عليه وأمسح على دهره وهو يكرر: “سامحوني.. يا رب سامحني يا رب.. أنا ظلمت البنت، أنا كنت بأفكاري!”.
النحيب بتاعه صحى نور من النوم. البنت قامت مخضوضة، ولما شافت أبوها بيبكي في حضني، جريت على السرير وحضنته هي كمان من الناحية الثانية وبقت تبوس إيده وتقول له: “خلاص يا بابا متعيطش.. أنا بحبك، والله بحبك ومش زعلانة منك أبداً”.
اللحظة دي كانت هي نقطة الشفاء الحقيقية لعصام، مش العلاج ولا الأدوية، بل التسامح والحب اللي نزل على قلبه كأنه بلسم.
بعد أسبوعين كاملين من العلاج الطبيعي والمتابعة، الدكتور سمح لعصام بالخروج من المستشفى. رجوعنا للبيت كان لحظة مهيبة ومشاعرها متضاربة جداً. لما فتحنا باب الشقة ودخلنا، كان البيت ساكت، ريحة يوسف كانت لسه في الجدران، والكنبة اللي تحت الشباك كانت لسه في مكانها.
عصام أول ما حط رجله في الصالة وقفت حركته تماماً، وبص للشباك، وجسمه بدأ يترعش تاني من الذكرى. بس المرة دي، أنا مسكت إيده الشمال، ونور مسكت إيده اليمين.
نور بصت له وقالت بذكاء وطفولة: “بابا.. تيجي نغير مكان الكنبة دي ونحط مكانها مكتبة ونشيل الشباك خالص ونعمل سور حديد كبير؟ عشان ما حدش يقع تاني؟”.
عصام بص لنور، ونزل على ركبتيه ببطء رغم تعبه، وأخذ نور في حضنه العميق وظل يشم ريحتها ويقبل رأسها ويقول: “حاضر يا قلب بابا.. هنعمل كل اللي أنتِ عايزاه، والبيت ده مش يدخله خوف ولا حزن تاني أبداً”.
بدأنا نلملم جراحنا ونرمم حياتنا اللي اتدمرت. عصام بدأ يرجع لعافيته بالتدريج، وبمساعدة عبد الجواد رجع فتح شغل جديد صغير وركّز كل حياته ووقت في بيته ومع نور. بقى يوصلها المدرسة بإيده، يقعد يذاكر لها، وياخدها في حضنه كل يوم قبل ما تنام ويقرأ لها قران عشان الكوابيس تروح.
أما نور، فمع الحب والرعاية والجلسات النفسية، بدأت ترجع لضحكتها القديمة، بدأت تأكل وتلعب وتعيش طفولتها اللي اتسرقت منها.
لكن.. رغم كل الاستقرار ده، ورغم إننا افتكرنا إن الكابوس انتهى تماماً وأسرار الماضي اتدفنت.. في يوم من الأيام، وبعد مرور ست شهور على رجوعنا البيت وحياتنا هادية، رن جرس الباب في نص الليل.
عصام قام فتح الباب، وأنا وقفت وراه بفضول .. لقيت راجل غريب، لابس أسود في أسود، ملامحه وغير مألوفة، واقف على الباب وبص لعصام بابتسامة صفراء مسمومة وقال بصوت واطي :
“مساء الخير يا أستاذ عصام.. حمد الله على سلامتك من الغيبوبة. أظن فاكرني؟ ولا فاكر إن بفلوس عبد الجواد والشيكات اللي اندفعت اللعبة انتهت؟ أنت نسيت إن في طار قديم ودم بيننا، والورقة اللي فاكر إنك قطعتها.. لسه صورتا معايا والمحكمة مستنياك!”.
تسمرت في مكاني، وعصام وشه اتخطف وبقى أبيض زي الصفر، ونور خرجت من أوضتها تجري وتسأل: “بابا.. مين العمو ده؟!”.. لتفتح قدامنا بوابات كابوس جديد وجريمة قديمة ما كناش نعمل حسابها!
وقف عصام أمام الرجل كالطور المذعور، لكني هذه المرة لم أسمح للخوف أن يشل حركتي أو يفرق شملنا كما حدث في الماضي. تقدمت بخطوات ثابتة ووقفت بجانب زوجي، وأمسكت بيده بقوة، واحتضنت نور باليد الأخرى.
نظر عصام إليّ، ورأى في عينيّ نهاراً ساطعاً يطرُد ظلام الماضي؛ رأى إيماناً وثباتاً لم يعهدهما فيّ من قبل. ابتسمت له بقلب مطمئن، وواجهت الراجل المبتز بنبرة حاسمة يملؤها الشرف واليقين: “أنت جاي بورق وسبق وقضايا قديمة؟ اتفضل روح لأي محكمة أنت عايزها! اللي فات وشبع ، وإحنا مش هنخاف من ظلك تاني. بيتنا ده مفيش فيه سر ينكسر بيه، ولا فيه ذنب نستخبى منه، واللي عندك اعمله!”.
الرجل ارتبك أمام هذا الثبات، ورأى في عيوننا أسراً متماسكاً لا يمكن اختراقه بكلمات أو الابتزاز، فنكص على عقبيه وتراجع يجر أذيال الخيبة والهروب وهو يدرك أن أوراق الضغط السابقة سقطت أمام القوة الحقيقية للإيمان والتسامح.
أغلق عصام الباب، ولأول مرة منذ سنوات، تنفسنا الصعداء بصدق وشعرنا بالطمأنينة الكاملة تسري في جدران الشقة. جثا عصام على ركبتيه، وأخذ نور في حضنه، ودموع الارتياح تترقرق في عينيه وهو يقبل يديها ورأسها، وتمددت أيدينا جميعاً لنلتقي في عناق دافئ أذاب كل آلام السنين ومرارتها.
الحكمة:
إن الحياة قد تبتلي الإنسان بجرائم القدر التي تستنزف أثمن ما نملك، لكن الكارثة الحقيقية لا تكمن في وقوع ، بل في طغيان الغضب العارم الذي يعمي العقول ويحيل قلوب الآباء إلى حجارة قاسية على أبنائهم. إن الرحمة والتسامح داخل الأسرة هما طوق النجاة الوحيد وسط أمواج الظروف العاتية؛ فالأبناء ليسوا كباش فداءٍ لأخطائهم البريئة أو لأقدار لا يد لهم فيها، وما يُصلَح بالحب والمغفرة قادرٌ على ترميم أعتى انكسارات النفوس وتجاوز أقصى المحن.



