عام

امي بفلوس الجيران

اللي أمي عاشتها وهي مستخبية.
تقيلة بالخوف اللي أكل عمرها كله رفعت عيني ناحية الأستاذ شريف.
فلقيته بيبصلي بنظرة حزينة كأنه سمع الجملة دي قبل كده.
كأنه كان متوقعها.
وهز راسه بهدوء وقال
أمك كانت عارفة إنك هتقولي كده وبعدين فتح درج جانبي في مكتبه.
وطلع ظرف صغير قديم شوية وعليه اسمي بخط أمي.
أول ما شفت الخط حسيت إن قلبي وجعني.
لأن فجأة افتكرت كل الورق الصغير اللي كانت تسيبهولي.
وافتكرت ملاحظاتها.
وافتكرت روشتات الدوا اللي كانت بتكتب عليها طلبات البيت.
وافتكرت إيديها.
مسكت الظرف بإيدين مبلولين من المطر ومن التوتر.
وفتحته ببطء وكانت الرسالة قصيرة.
لكن كل كلمة فيها دخلت جوا قلبي مباشرة.
يا بنتي…
إوعي ترفضي الحاجة اللي دفعت عمري كله تمن إني أحافظ عليها.
مش علشان تعيشي زيهم ومش علشان تبقي واحدة منهم.
لكن علشان عمرك ما تمدي إيدك لحد تاني طول عمرك.
وعلشان تعرفي إننا ماكناش فقراء لأن ربنا أراد كده.
إحنا كنا فقراء لأنني فضلت الجوع على إني أسمح لهم يشتروا روحك.
والله العظيم ما قدرتش أكمل القراية من غير ما دموعي تنزل.
قعدت أبكي.
هناك في مكتب المحامي.
بهدومي المبلولة من المطر وجزمتي اللي لسه عليها طين الشارع.
وبوش متغرق دموع من وجع الفراق ومن كلام أمي اللي كانت بتكلمني من بعد موتها.
كل مرة كنت فاكرة إني فهمت سبب من أسباب اللي عملته.
كانت تسيبلي سبب أكبر.
وأوجع وأقسى.
سيبت الرسالة على المكتب وحاولت أمسح دموعي.
لكن الأستاذ شريف فضل ساكت.
سايبني أعيط.
كأنه عارف إن في دموع متأخرة بقالها سنين.
ولما هديت شوية سمعته بيقول بهدوء
لسه في حاجة تانية.
ضحكت ضحكة صغيرة طالعة من قلب موجوع.
لأن من ساعة ما لقيت الصندوق وكل ما أسمع الجملة دي ألاقي مصيبة جديدة مستنياني.
لسه في حاجة تانية. دايمًا في حاجة تانية. رفع الأستاذ شريف عينيه ناحيتي وأخد نفس طويل.
النفس اللي الواحد بياخده قبل ما يقول خبر هيقلب الدنيا.
وبعدين قال
العيلة ماكنتش بتدفع علشان تسكت أمك وبس.
استقمت في قعدتي من غير ما أحس.
فكمل
أمك كان ليها حق قانوني في جزء من أسهم شركات العيلة.
حقيقتها ماكنتش مجرد بنت هربت من أهلها. هي كانت وريثة.
ولها نصيب رسمي موثق بالقانون.
حسيت إن قلبي بدأ يدق أسرع. أما هو ففتح ملف قدامه وكمل
وجدك توفى من سنتين وفي النسخة الأصلية من الوصية كانت والدتك موجودة ضمن الورثة.
اتسعت عيني.
لكن الأستاذ شريف ما وقفش وقال الجملة اللي خلت الدنيا تسود قدامي للحظة.
قال
لكن العيلة قدمت أوراق رسمية للمحكمة بتقول إن مريم المنشاوي متوفية من سنة ١٩٩١.
فضلت باصة له مش مستوعبة.
مش فاهمة. مش مصدقة.. وقلت بصوت خارج بالعافية إيه؟.إزاي؟
رفع عينيه من الملف وقال بهدوء موجع أعلنوا وفاتها رسميًا…
علشان يقدروا يقسموا التركة كلها من غير ما تاخد حقها.
والله العظيم حسيت إن جسمي كله برد فجأة، كأن حد سحب الدم من عروقي مرة واحدة، وأنا قاعدة قدام الأستاذ شريف أحاول أفهم حجم الكارثة اللي كانت أمي عايشاها طول السنين دي كلها من غير ما حد يحس بيها.
لأن الموضوع ما بقاش مجرد ورث.
ولا مجرد ملايين مستخبية.
ولا حتى مجرد اسم متغير.
الموضوع بقى أكبر من كده بكتير.
أمي كانت عايشة.
عايشة بكل التعب اللي شوفته في عينيها.
عايشة وهي بتنزل السوق تشيل وتبيع وتقف بالساعات على رجليها.
عايشة وهي بتعد ثمن الدوا قبل ما تشتريه.
عايشة وهي تخاف من بكرة ومن المرض ومن الفقر.
وفي نفس الوقت، على أوراق قانونية رسمية ومتختومة، كانت عيلتها دفناها وهي لسه بتتنفس.
دفنوها بالقلم.
وشطبوا اسمها من حياتهم.
واعتبروا إنها ماتت من سنين طويلة عشان يقدروا ياخدوا كل حاجة من غير ما حد يسأل.
بصيت للأستاذ شريف وقلت بصوت خارج بالعافية
وأمي كانت عارفة؟
تنهد بهدوء وقال
عرفت متأخر.
وبعدين فتح الملف اللي قدامه وأشار على تاريخ معين.
وقال
علشان كده كانت معلمة على يوم سبعتاشر مارس.
فضلت باصة للتاريخ وأنا مستنية يكمل.
فقال
ده اليوم اللي وصلها فيه آخر تحويل مالي.
وفي نفس اليوم وصلها تهديد.
اتقبض قلبي.
وقلت بسرعة
تهديد؟
هز راسه وقال
قالولها تقبل الدفعة الأخيرة وتسكت.
ولو رفضت…
هييجوا وراكي إنتِ.
حطيت إيدي على صدري من غير ما أحس.
كأن قلبي محتاج حد يمسكه قبل ما يقع.
وقلت بعدم تصديق
ورايا أنا؟
رد بهدوء
أيوه.
لأنك الدليل الحي إن مريم المنشاوي ما ماتتش.
ولأنك كمان واحدة من الورثة.
فضلت باصة قدامي ثواني طويلة وأنا حاسة إن الدنيا كلها بقت مختلفة عن أي حاجة عرفتها قبل كده، لأن فجأة فهمت إن أمي ما كانتش بتحارب علشان نفسها وبس.
كانت بتحارب علشاني أنا كمان.
وفي اللحظة دي بالذات رن تليفون المكتب.
الصوت قطع الصمت اللي كان مالي المكان.
وسمعنا موظفة الاستقبال وهي بترد.
وبعدين مرت أقل من دقيقة.
واتخبط الباب.
رفعت الموظفة راسها من فتحة الباب.
وكان واضح من وشها إنها متوترة.
بصت للأستاذ شريف وقالت
يا أستاذ… الأستاذ عبدالرحمن المنشاوي الصغير موجود بره.
ساعتها قفل الأستاذ شريف الملف اللي قدامه ببطء.
وبص ناحية الباب.
وقال بهدوء
وصلوا.
ما لحقتش أسأله يقصد مين.
لأن الباب اتفتح من غير استئذان.
ودخل راجل في حدود الخمسين سنة.
لابس بدلة غالية.
وجزمته لامعة بشكل ملفت.
ووشه مألوف بطريقة خلتني أبصله أكتر من مرة.
واستغرق الأمر مني ثواني قليلة قبل ما أعرف أنا شوفته فين قبل كده.
شوفته في الأخبار وفي الجرائد وعلى صور الشركات الكبيرة. عبدالرحمن المنشاوي الصغير.
ابن أخت أمي أو ابن خالتي أو واحد من الناس اللي عاشوا عمرهم كله بالاسم اللي اتاخد منها.
دخل عبدالرحمن المنشاوي الصغير المكتب وكأنه داخل مكان يملكه، وكان وراه اتنين محامين لابسين بدلات غالية وماسكين ملفات في إيديهم، لكن اللي خلّى قلبي يتقبض فعلًا إني شفت سامح داخل وراهم.
سامح.
أخويا اللي كنت فاكرة إنه أخويا.
كان قميصه مبلول من المطر، ووشه مليان غضب وتوتر، أما نهلة فكانت واقفة عند الباب، وعينيها بتلف في المكان كله بطريقة خلتني أحس إنها مش شايفة مكتب محاماة أصلًا، لكنها شايفة حياة جديدة بتحلم بيها، حياة كلها فلوس وقصور وحمامات سباحة.
أما عبدالرحمن المنشاوي فابتسم أول ما شافني.
ابتسامة هادئة ومهذبة من بره.
لكنها ما وصلتش لعينيه.
وقال
هناء.
سعيد جدًا إني أخيرًا قابلتك.
وأحب أقول إني آسف جدًا على وفاة والدتك.
والله العظيم ما صدقته.
بنفس الدرجة اللي ممكن أصدق بيها ورقة مزورة.
فضلت باصة له ثواني طويلة.
وبعدين قلت ببرود
ما تجيبش سيرة أمي بالنبرة دي.
الابتسامة ثبتت على وشه للحظة.
وبعدين اختفت.
وفي اللحظة دي اتحرك سامح خطوة لقدام.
وقال
هناء… بلاش تصعبي الموضوع.
الناس دي جاية تساعدك.
ضحكت ضحكة قصيرة من كتر القهر.
وقلت
تساعدني؟
زي ما ساعدت أمي وهي مش لاقية تمن دواها؟
وش سامح احمر فورًا.
وقال بعصبية
ما تلفيش الكلام.
لكن قبل ما أكمل سمعت صوت نهلة جاي من ناحية الباب.
وقالت وهي رافعة حاجبها
يا بنتي كفاية بقى.
أمك نفسها كانت مخبية عنك كل حاجة.
بصي كمية الأسرار اللي كانت عايشة بيها.
في اللحظة دي حسيت النار ولعت جوايا.
وقفت من مكاني مرة واحدة.
وبصيتلها مباشرة.
وقلت
إوعي تجيبي سيرة أمي على لسانك تاني.
ولا مرة.
ولا كلمة.
سكتت نهلة.
أما عبدالرحمن فرفع إيده بهدوء كأنه بيحاول يهدّي الجو.
وقال بصوت ناعم محسوب
كلنا متوترين دلوقتي.
وكلنا تحت ضغط.
لكن الحقيقة إن فيه حل بسيط جدًا لكل اللي بيحصل ده.
وبعدين قعد على الكرسي المقابل وكمل
إحنا ممكن نتفق على تسوية مناسبة ليكي.
تعويض مالي كبير.
كبير جدًا.
ونقفل الملف ده كله من غير مشاكل.
ومن غير فضايح.
ومن غير قضايا.
وساعتها كل واحد يكمل حياته.
وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
والدتك عاشت بالطريقة اللي كانت عايزة تعيش بيها.
والله العظيم في اللحظة دي حسيت إن قلبي هيخرج من صدري من كتر الغضب.
لأن الراجل ده كان بيتكلم عن سنين وجع أمي كأنها كانت رحلة اختارتها بمزاجها.
عن الجوع كأنه قرار.
وعن الخوف كأنه رفاهية.
وعن الهروب كأنه أسلوب حياة.
فبصيت له مباشرة.
وقلت
أمي ما عاشتش بالطريقة اللي كانت عايزة تعيش بيها.
أمي عاشت مستخبية لأنكم دفنتوها وهي عايشة. أمي اتقتلت على الورق علشان تعرفوا تاخدوا حقها كله.
بص الأستاذ شريف ناحية عبدالرحمن المنشاوي نظرة ثابتة، وبعدين قال بهدوء غريب كان أخطر من أي صوت عالي
الأستاذة هناء عرفت بالفعل موضوع شهادة الوفاة المزورة.
والله العظيم أول مرة أشوف اللون يهرب من وش عبدالرحمن بالشكل ده.
الابتسامة اللي كان محافظ عليها من أول ما دخل اختفت للحظة.
ولثواني قليلة بان عليه الارتباك.
لكن واحد من المحامين اللي واقفين وراه تدخل بسرعة وقال
الموضوع ده قابل لأكتر من تفسير قانوني.
لف الأستاذ شريف ناحيته ببطء.
وبعدين فتح ملف تاني من الملفات اللي كانت قدامه.
وقال
وهي كمان عرفت موضوع التحويلات المالية اللي كانت بتتبعت مقابل السكوت.
وعرفت التهديدات.
وعرفت إن فيه وصية قانونية صحيحة ومكتملة الأركان.
ما كملش جملته.
لأن سامح انفجر فجأة.
وضرب بإيده على المكتب وهو بيقول بعصبية
الوصية دي باطلة!
أنا ابنها!
في اللحظة دي بصيت له.
ولأول مرة من ساعة بدأت الحكاية كلها…
ما بصيتلوش بغضب.
ولا بكره.
ولا حتى بقهر.
بصيتله بحزن.
حزن كبير أوي.
الحزن اللي بيجي لما تكتشفي إن الشخص اللي قدامك ضيّع نفسه بإيده.
وقلت بهدوء
هي ربّتك كابن.
وده لوحده أكتر بكتير مما كنت تستحق.
ساعتها وش سامح اتغير.
والله العظيم شوفته بعيني وهو يستوعب الحقيقة.
استوعب إني عرفت.
استوعب إني قريت الجواب.
استوعب إن السر اللي متخبي طول عمره انتهى.
فتح بقه بالعافية وقال
هناء…
لكنني قاطعته.
وقلت وأنا حاسة بقلبي بيتوجع
أمي أخدتك وهو عندك تلات شهور.
لما ماكانش ليك حد.
ربتك.
وأكلتك.
ودخلتك مدارس.
وشالتك على كتفها زي ما شالتني بالظبط.
وعمرها ما فرقت بيني وبينك.
بل يمكن خافت عليك أكتر ما خافت على نفسها.
صوتي بدأ يهتز رغم إني كنت بحاول أتماسك.
لكنني كملت
وفي الآخر سبتها تموت وهي مش لاقية قرص دوا واحد.
نزل سامح عينيه للأرض.
وامتلت عينيه بالدموع.
لكن والله العظيم ما قدرت أعرف إذا كانت دموع ندم.
ولا دموع خوف.
ولا دموع واحد اكتشف إن اللعبة كلها انتهت.
وبعد ثواني قال بصوت مكسور
نهلة قالتلي إن الست ماعندهاش حاجة.
إنها طول عمرها فقيرة.
إن مفيش فايدة من التعب معاها.
ضحكت ضحكة صغيرة موجوعة.
لأن أسهل حاجة في الدنيا إن الإنسان يرمي ذنبه على حد تاني.
فبصيت له وقلت
نهلة ما خلتكش قاسي يا سامح.. نهلة ما خلتكش تسيب أمي وهي عيانة. نهلة ما خلتكش ترفض تساعدها ونهلة ما خلتكش تنسى كل اللي عملته علشانك.
وسكتُّ لحظة. وبعدين قلت الجملة اللي خرجت من قلبي قبل لساني
نهلة بس ادتك الإذن. تعمل الحاجة اللي كنت عايز تعملها من زمان.
فتحت نهلة بقها كأنها هترد.
كأن عندها ألف حاجة عايزة تقولها.
لكن ولا كلمة خرجت.
فضلت واقفة مكانها ساكتة، أما عبدالرحمن المنشاوي فكان قاعد بمنتهى الهدوء، بيخبط بأصابعه على سطح المكتب خبطة خفيفة ومنتظمة، وكأنه مش موجود وسط ناس حياتهم كلها بتنهار قدامهم، وكأن اللي بيتكلموا عنه مجرد صفقة جديدة من صفقاته.
وبعدين رفع عينيه ناحيتي وقال بصوت هادي جدًا
يا هناء…
فكري كويس قبل ما تاخدي أي قرار.
وسكت لحظة قصيرة قبل ما يكمل
الدخول في مواجهة مع عيلة زي عيلتنا ممكن ياخد سنين.
سنين من المحاكم.
وسنين من المحامين.
وسنين من الضغط والتعب والكلام في الجرائد.
وبعدين مال لقدام شوية وقال
إنتِ جاية من حي بسيط.
وعشتِ حياة بسيطة.
وما تعرفيش الدنيا دي بتشتغل إزاي.
ولا الناس اللي في المستوى ده بتلعب إزاي.
فضلت باصة له كام ثانية.
وبعدين اتحركت خطوة ناحية المكتب.
خطوة واحدة بس.
لكنها كانت كفاية تخليه يرفع عينيه ناحيتي باهتمام.
وقلت
عندك حق.
وفجأة ابتسامة صغيرة ظهرت على وشه.
ابتسامة واحد افتكر إنه كسب.
وقال
سعيد إنك فهمتي.
لكنني كملت قبل ما يفرح أكتر.
وقلت
عندك حق.
أنا فعلًا ما أعرفش الناس دي بتشتغل إزاي.
وما أعرفش الصفقات اللي بتتعمل في القصور.
وما أعرفش إزاي ممكن حد

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى