عام

امي بفلوس الجيران

سألنيش أنا مين.
وما طلبش أعرّف نفسي.
وما بصش حتى للموظفة عشان يتأكد.
عرفني من أول نظرة.
وكأن أمي كانت محضراه لليوم ده من زمان.
وبعدين أشار بعصايته ناحية مكتبه وقال بصوت هادي لكنه مليان معنى
اتفضلي يا بنتي. أنا مستنيكي من سنين.
دخلت وراه المكتب وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني من كتر اللي سمعته وعرفته في الساعات الأخيرة، وأول ما عديت الباب حسيت إني دخلت عالم مختلف تمامًا عن البيت القديم اللي كنت قاعدة فيه من شوية.
ريحة الخشب القديم كانت مالية المكان.
ريحة قهوة متخمرة من وقت قريب.
وريحة ورق وملفات متخزنة بقالها سنين طويلة.
على الحيطة كانت معلقة صورة قديمة للمدينة من زمن فات، وبجوارها برواز كبير باين عليه إنه قديم وغالي، وكل حاجة في المكتب كانت بتقول إن المكان ده شايل أسرار أكتر مما شايل أوراق.
قفل المحامي الباب بنفسه.
وبعدين لف ناحيتي.
أما أنا فكنت حاسة إن ركبي بتترعش بشكل مخيف.
لدرجة إني قعدت على أول كرسي شوفته قبل حتى ما يطلب مني أقعد.
فضلت باصة له ثواني طويلة.
وبعدين خرج السؤال من بقي غصب عني.
قلت
ليه؟
ليه أمي ما قالتليش أي حاجة؟
ليه سابتني أعرف كل ده بعد ما ماتت؟
ساعتها شفت الحزن يعدي في عينيه للحظة.
وقال بهدوء
لأنها كانت خايفة.
مش خوف عادي.
كانت مرعوبة إن عيلة المنشاوي تتحرك قبل ما تموت.
وكانت مرعوبة أكتر إن الأذى يوصلك إنتِ.
بلعت ريقي.
وقلت
وسامح؟
سامح كان عارف؟
تنهد المحامي وهو بيقعد قدامي.
وقال
مش من الأول.
الحقيقة إنه بدأ يعرف من فترة قريبة.
في حد من عيلة المنشاوي وصله.
حسيت إن قلبي اتقبض.
لأن فجأة كل حاجة بدأت تركب فوق بعضها.
استعجاله على بيع البيت.
أسئلته الكتير.
اهتمامه المفاجئ.
وإصراره إنه يدخل البيت بعد وفاة أمي مباشرة.
كأنه كان بيدور على حاجة معينة.
مش على ورث.
ولا على البيت.
على حاجة أكبر.
المحامي مد إيده ناحية أحد الأدراج.
وطلع ملف كبير.
أكبر من كل الملفات اللي شفتها من ساعة ما فتحت الصندوق.
ملف تخين ومتقسم بأوراق ومستندات كتير.
وحطه قدامي على المكتب.
وقال
ده آخر ملف سابته والدتك.
فتحت الملف ببطء.
أما هو فكمل كلامه
دي الوصية الرسمية.
وصية مريم المنشاوي… المعروفة عند الناس باسم فاطمة عبدالعال.
الوصية متوثقة بالكامل.
ومتسجلة قانونيًا.
وفيها كل التعليمات اللي كانت عايزة تتنفذ بعد وفاتها.
والله العظيم في اللحظة دي حسيت إن إيدي بدأت ترتعش.
لأن كل مرة كنت بفتح فيها ورقة جديدة كنت باكتشف إن حياتي كلها كانت مختلفة عن اللي كنت فاكراه.
بصيت لأول صفحة.
وكانت الكلمات واضحة قدام عيني.
واضحة لدرجة خوفتني.
لأن أول اسم شوفته كان اسمي أنا.
اسمي مكتوب في أول السطر.
بخط كبير ورسمي.
وقفت عيني على الكلمات وأنا مش قادرة أتنفس.
هناء عبدالعال…
كملت قراية.
ومع كل كلمة كان قلبي بيدق أسرع.
الابنة الشرعية والوحيدة المعترف بها للسيدة مريم المنشاوي…
شهقت من غير ما أحس.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في السطر اللي بعده.
السطر اللي خلاني أرفع عيني للمحامي وأنا مش مصدقة اللي بقراه.
لأن الورقة كانت بتقول إن كل ممتلكات أمي…
وكل حساباتها وكل حقوقها آلت بالكامل ليا أنا وحدي.
حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.
الكلمات اللي كانت مكتوبة قدامي كانت كبيرة جدًا على إني أستوعبها مرة واحدة.
ورغم إني من ساعات بس اكتشفت إن أمي كانت مخبية ملايين، وإن حياتها كلها كانت سر، وإن سامح مش أخويا الحقيقي، إلا إن أول حاجة خرجت من بقي كانت
أنا مش عايزة فلوسهم. قولتها من قلبي. بكل صدق.
لأن الفلوس دي فجأة حسيتها تقيلة.
تقيلة بالوجع. تقيلة بالسنين

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى