بعد ولادتي 2

خرج زوجي من أصل البلد ورأسه في الأرض بعد ما أبوي طرده ورمى كلامه في وشه زي الرصاص، بس الشر ما انتهى عند العتبة. مر أسبوع على وجودي في بيت أبوي، بدأ يلم بدعوات أمي والكمادات اللي كانت بتعملها لي، والوليد بدأ يصحصح ولونه يورد. وفي الوقت اللي كنت بلملم فيه صحتي، كان الشغال في القاهرة بيغلي.
حماتي ما سكتتش، كبرياءها اتجرح لما عرفت إن أبوي طرد ابنها وعلم عليه قدام أخته وجوزها. وقفت في نص صالتهم وزعقت في ابنها: “بقى حتة فلاحين ما حيلتهمش اللقمة ويحرموك من ابنك؟! والله ما هسيبها تهنأ بيه، ولازم نربيهم ونعرفهم حجمهم!”
أخت جوزي، اللي كانت جاية من السعودية ومقضية إجازتها في غضب، زادت النار حطب وقالت: “ادفعوا فلوس للمحامين يا أخويا، هات أكبر محامي في القاهرة يرفع قضية رؤية وحضانة، وناخد الولد منها بالنواميس والقانون.. خلهم يعرفوا إن الله حق!”
بالفعل، بعد أقل من شهر، وصل لأبوي جواب على يد محضر. المحكمة بتطالبني بالحضور في قضية ضم حضانة المستعجلة ورؤية، ومرفوق معاها بلاغ كاذب بيتهموني فيه بإهمال الطفل والهروب بيه وتعريض حياته للخطر، وإنني غير أهلة لحضانته لأني مريضة نفسياً وسبت بيت الزوجية بدون إذن!
أبوي مسك الجواب وإيده بتميل، أمه كانت بتبكي وتقول: “يا مري.. حيلتنا إيه للمحامين والمحاكم يا حاج؟ إحنا ناس على باب الله، وهما معاهم القرش والفلوس اللي جابوها من الخليج!”
بس أبوي بص لي وبص للوليد اللي كان ساكت في حضني، وقال بصلابة أهل الصعيد: “الباطل لو معاه مال الدنيا، الحق معاه رب العباد. هبيع حتة الأرض الصغيرة اللي حيلتي، وأجيب لك محامي ابن حلال يقف في وشهم.”
بعنا اللي حيلتنا بالرخيص عشان نسدد أتعاب المحامي في القاهرة، وبدأت جلسات المحكمة. كان جوزي بيحضر مع محاميه الكبير اللي لابس بدلة غالية، وحماتي قاعدة في أواخر القاعة حاطة رجل على رجل وبتبص لي بنصر وتشفّي، وكأنها ضامنة الحكم في جيبها.
المحامي بتاعهم بدأ يتكلم بثقة وفرض عضلات قدام القاضي: “سيادة القاضي، موكلي أب حرقت قلبه زوجته، أخذت رضيعاً لم يتجاوز عمره أياماً، وهربت به في منتصف الليل إلى أقصى الصعيد، معرضة حياة الرضيع للخطر الداهم، وذلك بسبب خلافات زوجية بسيطة! ونطالب بضم الحضانة للأب لعدم أمانة الأم، أو إثبات حالة الإهمال الشديد
لقاضي بص للأوراق ورجع بص لمحامينا، وقال: “دفاع المدعى عليها يتفضل.”
محامينا قام بثبات، وطلع ملف أوراق أبيض من شنطته وقال بصوت هادي ومتمكن:
“سيادة القاضي، العدل لا يكتمل إلا بالحقائق، وليس بالادعاءات المرسلة. موكلتي لم تهرب دلعاً ولا إهمالاً، بل هربت بطفلها نفاذاً بجلدها وحياتها من موت محقق!”
المحامي قدم للمحكمة التقرير الطبي الصادر من المستشفى الحكومي وتقارير الداية والوحدة الصحية في الصعيد، الموثقة بتاريخ وصولي بعد حادثة الهروب بساعات:
“سيادة القاضي، هذا تقرير طبي يثبت أن الأم وصلت إلى بلدتها بعد الولادة بأربعة أيام فقط، وهي تعاني من هبوط حاد في الدورة الدموية، وانفتاح جزئي في جرح العملية القيصرية، وتلوث جراحي كاد يؤدي بحياتها! وذلك بسبب إرغامها على القيام بأعمال منزلية شاقة وتكليفها بتنظيف مغلقة منذ سنتين فور ولادتها!”
حماتي وشها اتغير في القاعة وقعدت تململ في مكانها، محاميهم حاول يقاطع بس القاضي أشار له بالسكوت وقال لمحامينا: “كمل يا أستاذ.”
محامينا طلع كارت ثاني، وهو شهادة البواب بتاع العمارة في القاهرة، اللي أخدنا أقواله في المحضر الرسمي وشهادة التوكتوك:
“سيادة القاضي، البواب شهد أن الزوجة خرجت في الخامسة والنصف صباحاً وهي تبكي وتنزف وتترنح، ولم يخرج الزوج لنجدتها أو البحث عنها إلا بعد ساعات! فأين هي أمانة الأب الذي يرى زوجته تنزف بعد قيصرية وأمه تؤنبها، فيقف مكتوف الأيدي؟”
ثم أضاف المحامي ضربة القاضية، لما طلع شهادة التقرير الطبي الخاص بالطفل، اللي أثبت إن وزن الطفل ونموه في حيازة الأم الآن ممتاز، وإنه يتلقى الرضاعة الطبيعية كاملة، وإن إبعاده عن أمه في هذا السن يهدد حياته بالخطر وفقاً للقانون الذي يجعل حضانة الصغير في هذا السن حشواً حصرياً للأم ما لم يثبت مانع صحي أو أخلاقي، وهو ما عجز المدعي عن إثباته.
القاضي حط الأوراق على المكتب، وبص للجوز اللي كان واقف منصدم ومحاميه مش عارف يترد بإيه بعد ما الملفات الطبية والشهود قفلت كل ثغرة.
بعد مداولة قصيرة، نطق القاضي بالحكم اللي زلزل القاعة:
“حكمت المحكمة برفض دعوى إسقاط الحضانة المقامة من المدعي، وإلزامه بالمصاريف وأتعاب المحاماة، مع استمرار حضانة الطفل لوالدته.. وتحديد حق الرؤية للأب في أقرب مركز شباب لمحل إقامة الطفل بالصعيد، لمرة واحدة أسبوعياً لمدة ثلاث ساعات فقط، شريطة عدم نقل الطفل خارج المحافظة!”
صوت المطرقة وهي بتخبط على الخشب كان زي القلم على وش حماتي وجوزي.
حماتي وقفت في القاعة بتصرخ: “يعني إيه؟! ابننا نروق وراه لغاية الصعيد عشان نشوفه ثلاث ساعات في مركز شباب؟!”
الحرس قربوا منها وهددوها بعمل محضر عدم احترام للمحكمة، فاكتست وشها بملامح الخيبة والانكسار.
جوزي وقف يترعش، محاميه بيلف أوراقه وهو بيقول له بضيق: “التقرير الطبي بتاع الجرح قفل القضية تماماً.. موكلك اتسرع، والقاضي شاف إن في قسوة مفرطة ضد أم حديثة الولادة.”
خرجت من باب المحكمة وأنا شائلة ابني على صدري، أبوي كان ماشي جنبي مرفوع الراس، وأمي بتبكي دموع الفرحة.
على سلم المحكمة، جوزي جرى ورايا وشكل حيله مهدود، قرب مني ولأول مرة أشوف الدموع في عينيه من القهرة والانكسار، قال بصوت واطي ومبحوح:
“شيماء.. استني يا شيماء.. إحنا خسرنا القضية، بس أنا خسرتك أنتِ وابني.. أمي ضيعتني، وأنا سمعت كلامها لحد ما بقيت مش عارف أشوف ابني غير بشاويش ورخصة في مركز شباب!”
بصيت له بثبات، الجرح اللي في بطني كان طاب، والجرح اللي في قلبي بقى قاسي زي الصخر، وقُلت له:
“أنت ما خسرتش القضية في المحكمة يا فلان.. أنت خسرتها النهار اللي سبتني فيه أنزف وأمك بتعيرني بفقر أهلي وتقلل مني.. الحكم ده مش نهايتنا، ده مجرد بداية حسابك!”
مرت الأيام والشهور زي السحاب، والولد كبر وبقى يمشي على إيديه ورجليه، سميته “حمزة” عشان يطلع قوي وما يهابش حد زي اسم صاحب الرسول. في الصعيد، رجعت لي صحتي وعافيتي تماماً، والراحة النفسية وسط أمي وأبوي ردت فيا الروح من جديد. أبوي، رغم ضيق الحال وقرشه القليل، كان يجيب اللبن والفاكهة لـ “حمزة” من تحت الأرض، وكان يقول لي دائماً: “القمة اللي ناكلها بعزة نفس، تسوى كنوز الدنيا يا بتي.”
على الناحية التانية، كانت الرؤية الشرعية شغالة كل يوم جمعة في مركز الشباب القريب من بيتنا. كان جوزي يقطع سفر سبع أو ثمان ساعات في القطر من القاهرة عشان ييجي يقعد الثلاث ساعات المحددة له بالقانون. كان بييجي وهو مكسور الخاطر، هدومه مبهدلة من السفر، ييجي يقعد على بنش خشبي متهالك في حوش مركز الشباب والشمس تضرب في وشهم.
في الأيام الأولى، كانت حماتي بتيجي معاه، تخش بصلابتها وعينيها اللي تطاير شرار، تحاول تفرض سيطرتها وتتدخل في لبس الولد وأكله، بس محامينا كان مأمن كل حاجة. رئيس مجلس إدارة مركز الشباب وأمين الشرطة المسؤول عن الرؤية كانوا واقفين لهم بالمرصاد. أول ما كانت حماتي ترفع صوتها أو تحاول تطاول، كان أمين الشرطة يفتح الدفتر ويقول لها بجمود: “يا حجة، الرؤية للأب فقط وفق نص الحكم، وأي إزعاج أو محاولة لأخذ الطفل خارج السور هعمل لك محضر عدم امتثال لحكم قضائي فوراً.”
مرة في مرة، حماتي تعبت من المشوار. ظهرها ما بقاش يستحمل القطر، والسفر الصعيدي في الحر هد حيلها. بدأت تشتكي وتقول لابنها: “أنا مش ماشية معاك التبهدلة دي تاني، روح لوحدك يا فلان، القعدة في مركز الشباب على الدكك دي تهين كرامتي!”
رد عليها وابنه في حضنه وبكاء مكتوم في قلبه: “كرامتك يا أمي؟! ما أنتِ اللي جبتينا للوضع ده! ما أنتِ اللي طمعتِ وقلتِ لي أنزلها تنضف شقة أختي وجرحها ما كملش أربع أيام! أهي دلوقتي بتشوف ابنها في حضن أهلها بكرامة، وأنا بشوف ابني بإذن ورقة ورئيس مركز شباب!”
بدأت المشاكل تنخر في بيتهم في القاهرة زي السوس. أخته اللي نزلت من السعودية، قعدت شهور إجازتها تنكد عليه. الشقة اللي كانت عايزاني أنضفها، اضطرت هي وأمها ينضفوها بنفسهم بعد ما ما لقوش حد يرضى يجي بالرخيص. وأخته زعلت من أمها وأخوها لأن القضايا والمحاكم بوظت فرحة إجازتها وفضحتهم قدام قرايبهم ونسائبها في الخليج. سافرت أخته ورجعت جوزها وهي شايلة من أخوها وأمها ومقاطعاهم.
أما جوزي، فبدأ يحس بالوحدة القاتلة. الشقة بقت فاضية عليه، أمه كبرت في السن وبقت تقيلة الحركة، وما بقاش في حد يخدمهم أو يقدم لهم لقمة هنيئة. الشغل بتاعه أهمله من كثر التفكير والسفر كل أسبوع، والمرتب بقى يضيع نصبه على قطارات الصعيد والمصاريف والنفقة اللي المحكمة فرضتها عليه بالسيف.
في يوم جمعة شديد الحرارة، كنت واقفة بعيد في صالة الانتظار بمركز الشباب، مستنية الثلاث ساعات يخلصوا عشان آخد حمزة وأرجع البيت. جوزي كان قاعد على البنش، ماسك إيد الولد الصغير وبيلعبه بلعبة بلاستيك رخيصة جايبها معاه. الولد ما كانش عارفه كويس، كان بيخاف من وشه الغريب وبيصرخ كل ما يحاول يحضنه، ويشاور بعيد عليا ويقول: “ماما.. ماما!”
لكلمة دي كانت بتنزل على قلب جوزي زي مية النار. مسح دموعه بكف إيده، ولما الوقت قرب يخلص، قام من مكانه وجالي يترجاني، وشه كان شاحب وشعره بدأ يطله الشيب رغم صغر سنه.
قرب مني خطوتين وقال بصوت مكسور يقطع القلب:
“شيماء.. عشان خاطر الله وعشان خاطر العيل ده، اسمعيني.. أنا اتدمرت! حياتي جحيم من يوم ما مشيتِ. أمي عاجزة ومش قادرة تتحرك، وأختي قطعت بينا وسافرت، وأنا عايش في البيت زي الغريب.. أرجوكي يا شيماء، ارجعيلي وأنا مستعد أكتب لك الشقة باسمك، وأعمل لك كل اللي تطلبيه، ومش هخلي أمي تفتح بؤها معاكي بحرف واحد طول العمر!”
بصيت له بعين ثابته، نظرة ما فيهاش لا كره ولا تشفي، لكن فيها استغناء كامل. مسكت إيد ابني حمزة اللي مسك في جلابيتي بظافره، وقُلت له بصوت هادي وواضح:
“الشقة اللي عايز تكتبها باسمي دي، ما تسواش نقطة دم واحدة نزلت مني وأنا على السلم الساعة خمسة الصبح ورضيعي على صدري. والرجوع اللي بتتكلم عنه ده، كان ممكن يحصل لو كنت وقفت راجل في صالتك وقيلت لأمك ‘دي مراتي ولادتي ومفتوحة وكرامتها من كرامتي’. لكن أنت اخترت ترضي كبرياء أمك، وبعتني وبعت ابنك عشان ما تزعلهاش.”
مسك إيدي بلهفة وقال: “أنا غلطت! ورب العرش غلطت وندمان كل ثانية! أرجوكي اديني فرصة واحدة أصلح فيها اللي انكسر!”
سحبت إيدي منه ببطء وقوة، وقُلت له وأنا ألف ضهري عشان أمشي:
“في حاجات لما بتنكسر يا فلان، ما بيتصلحش.. ينفع تلم المية بعد ما تدفق على التراب؟ الجرح اللي في بطني طاب وبقى علامة، بس الجرح اللي في قلبي بقى سور بيني وبينك.. أنت ليك في الولد ده الثلاث ساعات بتوع القانون، وغير كده، أنت بالنسبة لي مجرد غريب!”
سبته وخرجت من باب مركز الشباب، وهو قعد على السلم يحط إيديه على وشه ويبكي بصوت عالٍ قدام الناس والعمال. رجعت البيت وأنا حاسة إن حقي بيرجع لي حتة حتة، بس الأيام كانت مخبية مفاجأة جديدة.. مفاجأة هتجبر جوزي وأمه ييجوا لحد باب بيتنا في الصعيد، مش عشان قضية ولا رؤية، لكن عشان يترجوا العفو والمغفرة في مصيبة كبيرة طالت بيتهم!




