عام

خطيب بنتي

رجعت البيت وأنا غاضب جدًا، ولقيت ولادي التوأم، عندهم ست سنين، بيضحكوا من قلبهم. هدومهم وإيديهم كلها صابون، وقاعدين جنب داليا، الشغالة.

ولأول مرة من شهور، كنت سامع ضحكتهم في البيت.

ضحكة حقيقية.

الغريب إني كنت باكل لوحدي قدام سفرة مترتبة زيادة عن اللزوم، وكل حاجة في مكانها، إلا ولادي.

أختي بصتلي وقالت بنبرة فيها سخرية:

“يارب بس ما تكونش سايب الشغالة تاخد مكان ناهد!”

قفلت الموبايل وحطيته على الترابيزة، وأنا لسه ما كنتش عارف إن تحت واحدة من مخدات ولادي كانت فيه إسورة زرقا صغيرة، إسورة هتغيّر معنى كل حاجة حصلت في البيت ده.
“لو سمحت يا أستاذ كريم، مش قدام الولاد.”

“لأ، قدامهم.”

“مش دلوقتي.”

“دلوقتي!”

داليا سكتت ثواني، وبعدين قالت بهدوء:

“طيب خليهم هما اللي يورّوك.”

طلعت معاهم لأوضتهم، وكريم مشي وراهم.

يوسف دخل عند سريره، ومد إيده تحت المخدة، وطلع الإسورة الزرقا الصغيرة.

كريم أول ما شافها، وشه اتغير.

الإسورة كانت رفيعة جدًا، وعليها خرزة زرقا على شكل قلب.

مد إيده ياخدها، لكن يونس شدها منه.

“ماما قالت ما نديهاش لحد.”

كريم بص له.

“دي بتاعة مين؟”

يوسف قال:

“بتاعة ماما.”

كريم هز راسه.

“مستحيل.”

داليا كانت واقفة عند الباب.

كريم لف لها.

“الإسورة دي مش معايا في حاجات ناهد.”

داليا ردت بهدوء:

“عشان ما كانتش معاها يوم الحادثة.”

الكلمة خرجت منها ببساطة، لكن كريم اتجمد.

“إنتِ تعرفي منين؟”

داليا سكتت.

كريم قرب منها.

“إنتِ كنتِ تعرفي مراتي؟”

“أيوه.”

الصمت وقع على الأوضة.

“تعرفيها إزاي؟”

“قبل ما أشتغل هنا.”

“يعني إيه؟”

داليا بصت للتوأم، وقالت:

“ناهد كانت صاحبتي.”

كريم ضحك ضحكة قصيرة من شدة التوتر.

“صاحبتك؟”

“أيوه.”

“وفضلتي ساكتة تلات سنين؟”

“ناهد طلبت مني.”

“طلبت منك إيه؟”

داليا بلعت ريقها.

“لو حصل لها حاجة، أستنى.”

“أستنى إيه؟”

داليا ردت:

“لحد ما ولادها يكونوا في أمان.”

كريم حس ببرودة في جسمه.

“ناهد ماتت في حادثة عربية.”

“أنا عارفة.”

“حادثة عادية.”

داليا بصت في عينه.

“لا.”

الكلمة كانت بسيطة، لكنها هزت كل حاجة جواه.

“إيه اللي لا؟”

“الحادثة ما كانتش عادية.”

كريم مسك الإسورة من إيد يونس.

“إنتِ هتقوليلي دلوقتي إن مراتي ماتت بسبب حد؟”

داليا ما ردتش.

فقال:

“ردي!”

“أنا ما قلتش كده.”

“أمال؟”

“قلت إن ناهد كانت خايفة قبل موتها.”

كريم حس إن الأرض بتتحرك تحت رجليه.

“خايفة من مين؟”

داليا قربت من المكتب، وحطت إيدها على درج صغير.

“من حد قريب منك.”

كريم فتح الدرج بسرعة.

كان فاضي.

“مش هنا.”

“أمال فين؟”

داليا بصت للسرير.

“في المكان اللي ناهد كانت بتخبّي فيه حاجاتها لما كانت خايفة.”

كريم بص للتوأم.

“تحت السرير؟”

يوسف هز راسه.

“لأ.”

يونس أشار ناحية الدولاب.

“ورا الهدوم.”

فتح كريم الدولاب، وزق الهدوم جانبًا، لكنه ما لاقاش حاجة.

“فين؟”

يوسف أشار للرف الأخير.

“العلبة الحمرا.”

كريم طلعها.

كانت علبة أحذية قديمة.

فتحها.

كان جواها صور، وصورة أشعة، ومفتاح صغير، وفوقهم ورقة مطوية.

كريم فتح الورقة.

وكان مكتوب بخط ناهد:

“كريم،

لو إنت اللي بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا ما قدرتش أقولك الحقيقة بنفسي.

ما تثقش في أي حد هيقولك إن الحادثة كانت مجرد قضاء وقدر.

واسأل عن الملف رقم 17.

ومتخليش الأولاد يركبوا عربية مع عماد لوحدهم.”

كريم وقف مكانه.

عماد.

أخوه.

أقرب شخص له.

الشخص الوحيد اللي كان بيدخل بيته من غير استئذان.

واللي كان دايمًا بيقول له:

“انسى يا كريم اللي مات مات.”

رفع عينه لداليا.

“إنتِ كنتِ عارفة عن الرسالة دي؟”

“لأ.”

“طب ليه الإسورة؟”

داليا أشارت للتوأم.

“لأن ناهد ما كانتش بتثق في الورق.”

يوسف قال:

“ماما قالت لنا إن لو بابا سألنا عن الإسورة نقول له كل حاجة.”

كريم بص له.

“كل حاجة إيه؟”

يونس بدأ يعيط.

داليا قربت منه، لكنه مسح دموعه بإيده.

قال بصوت ضعيف:

“ماما كانت بتعيط.”

قلب كريم وجعه.

“إمتى؟”

“قبل ما تموت بيوم.”

“قالت إيه؟”

الولد مسح دموعه.

“قالت لنا ما نخافش.”

يوسف كمل:

“وقالت إن بابا مش وحش.”

كريم غمض عينه.

“وبعدين؟”

يونس قال:

“قالت إن عمو عماد بيكذب.”

ساد الصمت.

داليا قربت من كريم.

“ناهد كانت اكتشفت إن عماد كان بيسحب فلوس من الشركة.”

كريم فتح عينه.

“إيه؟”

“مبالغ كبيرة.”

“مستحيل.”

“كانت بتجمع أدلة.”

“إنتِ بتقولي إن أخويا كان بيخبي عني فلوس؟”

“أيوه.”

كريم هز راسه، لكن صوته ما كانش واثقًا.

لأن حاجات كتير بدأت تركب فوق بعض.

عماد كان هو اللي ماسك الحسابات وقتها.

وهو اللي أصر إن ناهد ما تتدخلش في شغل الشركة.

وهو نفسه اللي بعد الحادثة مباشرة عرض يساعد كريم في الإدارة.

وهو كمان اللي كان بيحاول يقنعه من شهور إنه يبيع جزء من المشروع الجديد، اللي قيمته حوالي 42 مليون جنيه.

المشروع اللي عماد كان مصر يدخل فيه شريك.

كريم بص للإسورة.

“وإيه علاقة الإسورة بكل ده؟”

داليا قالت:

“الإسورة فيها جهاز صغير.”

كريم بص لها باستغراب.

“جهاز؟”

“ناهد كانت عاملاه عشان تسجل صوت الأولاد لما تكون برا البيت.”

كريم قلب الإسورة.

كان فيها جزء صغير جدًا.

“تسجيل؟”

“أيوه.”

يوسف قال:

“ماما قالت إننا ما نضغطش عليه غير لما نبقى خايفين.”

كريم مسك الإسورة.

وضغط الزر.

في البداية كان فيه صمت.

وبعدين ظهر صوت تشويش خفيف.

ثم جاء صوت ناهد.

صوت بعيد، لكنه واضح:

“لو التسجيل ده اشتغل، يبقى أنا مش موجودة.”

كريم اتسمر مكانه.

صوت ناهد كمل:

“كريم، أنا آسفة إني خبيت عليك.”

ثم ساد الصمت للحظات.

وبعدها ظهر صوت رجل.

كريم عرفه فورًا.

عماد.

“إنتِ فاكرة إنك لو قولتي له هتنجحي؟”

ثم جاء صوت ناهد:

“هقوله.”

رد عماد:

“مش هتلحقي.”

انقطع التسجيل.

كريم فضل ماسك الإسورة.

وشه اتغير.

داليا قالت بهدوء:

“كان لازم تسمع ده من زمان.”

كريم خرج موبايله واتصل بعماد.

ما ردش.

اتصل تاني.

مفيش رد.

بعت له رسالة:

“تعالى البيت حالًا.”

بعد أقل من عشرين دقيقة، الجرس رن.

عماد دخل وهو متوتر.

“في إيه يا كريم؟”

كريم كان واقف في الصالة.

داليا والتوأم كانوا في المطبخ.

قال له:

“اقفل الباب.”

عماد قفل الباب.

“مالك؟”

كريم قرب منه.

“فاكر حادثة ناهد؟”

عماد وشه اتغير للحظة، ثم رجع طبيعي.

“طبعًا.”

“فاكر آخر مرة شوفتها؟”

“يوم الحادثة.”

“فاكر كانت رايحة فين؟”

“مش فاكر.”

كريم بص له طويلًا.

“غريبة.”

“إيه الغريب؟”

كريم قرب أكتر.

“عشان هي قالت في تسجيل إنها كانت رايحة تقابل حد.”

عماد سكت.

كريم شغل التسجيل.

أول ما صوت عماد خرج من الإسورة، وشه اصفر.

لكن بدل ما يرد، قال:

“تسجيل؟”

“أيوه.”

“ده ممكن يكون متفبرك.”

“صوتك.”

“ممكن يكون متعدل أو مصنوع.”

كريم بص له بدهشة.

“صوتك في تسجيل قديم من تلات سنين؟”

عماد سكت.

كريم فتح اللابتوب.

“أنا راجعت حسابات الشركة.”

عماد اتوتر.

“وطلعت إيه؟”

كريم بص له مباشرة.

“18 مليون جنيه ناقصين.”

عماد ما ردش.

“وفي تحويلات لحسابات باسم شركة وهمية.”

عماد حاول يقاطعه:

“اسمعني.”

كريم رفع إيده.

“ولسه ما خلصتش.”

فتح مستندًا آخر على الشاشة.

“كل التحويلات اتعملت من الجهاز اللي كنت إنت المسؤول عنه.”

عماد ظل ساكتًا.

وكريم قال:

“دلوقتي اسمعني إنت.”
“كمان؟”

كريم قرب منه.

“العربية اللي كانت ماشية ورا ناهد يوم الحادثة كانت عربية شركتك.”

عماد تراجع خطوة.

“إنت بتتهمني؟”

“لأ.”

كريم ابتسم ابتسامة باردة.

“أنا بس مستنيك تفسر.”

عماد بدأ يلف ويدور في الكلام، لكن كريم كان محضر له مفاجأة.

“بالمناسبة، الشرطة هتوصلك.”

عماد اتجمد.

“الشرطة؟”

“أيوه.”

“إنت عملت إيه؟”

“ولا حاجة.”

فتح كريم موبايله.

“أنا بعت التسجيل والمستندات للنيابة قبل ما تيجي.”

عماد اندفع ناحية الموبايل، لكن كريم مسكه بسرعة.

“خلصت.”

عماد بص له بغضب.

“إنت فاكر إنك هتقدر تثبت حاجة؟”

وفي اللحظة دي، جه صوت من وراه:

“هو مش محتاج يثبت.”

داليا كانت واقفة، وفي إيدها فلاشة.

“أنا عندي باقي التسجيل.”

عماد بص لها، واتصدم.

“إنتِ!”

داليا قالت بهدوء:

“أيوه.”

“إنتِ كنتِ فين كل السنين دي؟”

“مستنياك تغلط.”

عماد اندفع ناحيتها، لكن كريم وقف بينهما.

“خطوة كمان وهتندم.”

عماد بدأ ينهار.

“إنت مش فاهم!”

“فاهم.”

“ناهد كانت هتفضحني!”

كريم بص له بثبات.

“فأنت السبب في اللي حصل لها؟”

عماد ارتبك.

“أنا ما كنتش عايز يحصل لها حاجة!”

ساد الصمت.

كريم بص له.

“يعني إنت كنت هناك.”

عماد عرف إنه وقع، لكن الكلام خرج منه من غير ما يقدر يرجعه.

“العربية كان فيها عطل، وأنا خوفتها… وهي فقدت السيطرة.”

كريم قبض إيده.

“وإنت سبتها؟”

عماد سكت.

“سبتها من غير ما تساعدها؟”

“كنت خايف!”

كريم رد بصوت هادئ لكنه مليان وجع:

“وهي كانت خايفة أكتر منك.”

دخلت الشرطة بعدها بدقائق، وانتهى كل شيء.

أو هكذا كان كريم فاكر.

بعد ما أخدوا عماد، رجع للبيت.

البيت كان هادي.

ولأول مرة من سنين، الهدوء ما كانش مريح.

كان تقيل.

دخل أوضة التوأم، لقاهم نايمين جنب بعض، وداليا كانت قاعدة جنبهم.

كريم وقف عند الباب.

“داليا.”

رفعت عينيها.

“أيوه؟”

“ليه رجعتي تشتغلي هنا؟”

سكتت لحظة.

“ناهد طلبت مني أراقبهم.”

“وإنتِ عملتي كده تلات سنين؟”

“حاولت.”

“وأنا كنت فاكر إنك شغالة.”

داليا ابتسمت بحزن.

“أنا فعلًا كنت شغالة.”

وبعدين بصت للتوأم.

“بس كنت بعمل أكتر.”

“إزاي؟”

“ولادها كانوا محتاجين حد يسمعهم.”

كريم بص للتوأم.

وبص حواليه.

السفرة المرتبة.

المواعيد.

الجداول.

الأدوية.

المدرسين.

كل شيء كان منظمًا بدقة.

وفجأة حس إنه كان عايش وسط نظام مثالي، لكن أولاده كانوا بيمروا بوحدة كبيرة.

قعد على الأرض جنب السرير.

ومسك إيد يونس.

الولد فتح عينه.

“بابا؟”

“أيوه.”

“إنت زعلان؟”

كريم حس بعينه بتدمع.

“لأ.”

يوسف فتح عينه.

“هتزعق؟”

“لأ.”

“هتخلي داليا تمشي؟”

كريم بص لداليا، ثم قال:

“لأ.”

سكت لحظة.

“ولو هي موافقة، عايزها تفضل.”

داليا بصت له باستغراب.

“تفضل كإيه؟”

كريم ابتسم لأول مرة من فترة طويلة.

“كحد من البيت.”

بعد أسابيع، ظهرت الحقيقة كاملة.

وُجهت لعماد اتهامات بالاختلاس والتلاعب المالي، وفتحت الجهات المختصة تحقيقًا في ملابسات حادث ناهد. والأدلة التي كانت ناهد قد احتفظت بها ساعدت في كشف تفاصيل مالية مهمة وتحويلات كانت تتم بعيدًا عن علم كريم.

أما الشركة، فكريم قدر ينقذها في اللحظة الأخيرة.

لكن أهم حاجة حصلت ما كانتش في الشركة.

كانت في البيت.

كريم ألغى معظم المواعيد اللي كان حاشر ولاده فيها.

بدأ ياكل معاهم.

وينزل معاهم النادي.

ويسيبهم يلعبوا بالمية والصابون.

وفي يوم، دخل المطبخ، لقاهم عاملين فوضى ضخمة.

يوسف كان مبلول.

ويونس إيده كلها رغوة.

وداليا كانت بتضحك.

كريم وقف عند الباب.

التوأم سكتوا.

يوسف قال بخوف:

“بابا، إحنا بوظنا المطبخ.”

كريم بص للمطبخ.

وبعدين ضحك.

“واضح.”

يونس قال:

“هتزعل؟”

كريم خلع ساعته وحطها على الترابيزة.

“لأ.”

“هتزعق؟”

“لأ.”

“هتخلينا نطلع أوضتنا؟”

كريم دخل وسطهم، ومسك إسفنجة.

“لأ.”

وبدأ يغسل معاهم.

التوأم انفجروا في الضحك.

ضحكة حقيقية.

نفس الضحكة اللي سمعها أول مرة من شهور.

لكن المرة دي، كريم ما وقفش بعيد يتفرج.

كان معاهم.

وبعد ما خلصوا، يونس جري عليه وحضنه.

“بابا؟”

“نعم يا حبيبي؟”

“ماما كانت عارفة إنك هتبقى كويس.”

كريم سكت.

“قالتلكم كده؟”

يونس هز راسه.

“قالت إنك بتحبنا، بس إنت زعلان أوي عشان هي مشيت.”

كريم ضم ابنه أكتر.

ونزلت دمعة من عينه.

داليا بصت بعيد، وسابته يعيش اللحظة.

بعد سنة، كان كريم واقف قدام قبر ناهد.

التوأم جنبه.

يوسف حط وردة.

ويونس حط الإسورة الزرقا فوق الرخام.

كريم بص لها.

“دي آخر مرة هنخبيها.”

يوسف قال:

“ليه؟”

كريم ابتسم.

“عشان ماما ما بقتش محتاجة تحمينا من حد.”

سكت لحظة، ثم أضاف:

“وإحنا كمان مش هنخاف.”

مسك إيد التوأم.

ومشوا.

لكن قبل ما يخرجوا من المقابر، كريم وقف.

بص ناحية قبر ناهد، وقال بصوت منخفض:

“سامحيني إني فهمت متأخر.”

ثم بص لأولاده.

“بس أوعدك، مش هفهم متأخر تاني.”

ومشت الأسرة الصغيرة من المكان.

الإسورة الزرقا ما رجعتش لمكانها تحت المخدة.

اتحطت في صندوق زجاجي صغير فوق مكتب كريم.

مش كدليل على رحيل ناهد، لكن كتذكار على آخر حاجة حاولت تعملها قبل رحيلها:

إنها تسيب لأولادها طريق يرجّع أبوهم ليهم.

ومن يومها، البيت ما بقاش مرتب زيادة عن اللزوم.

بقى فيه لعب.

وصوت ضحك.

وأطباق مكسورة.

وهدوم متبهدلة.

وفوضى.

لكن لأول مرة من تلات سنين…

بقى فيه بيت فعلًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى