منوعات

كيد الحموات 2

ثانياً العزومة اللي جاية، عزومة رد الواجب لأهل العروسة، هتحصل في أكبر مطعم مشويات في المنطقة، وعلى حسابك انتي ومحمود، ومش هقف في مطبخ ولا هغسل معلقة، وهكون أول الحاضرين بلبسة تليق بيا وبقيمتي، وهتعرفيهم بيا كأني ست الكل، ومفيش كلمة تتقال من تحت لتحت.. وثالثاً، وده الأهم ابنك محمود يتربى، يدخل بيتي ويعرف إن له زوجة كرامتها خط أحمر، وإن بيت أمه مش ملجأ لمعايرة مراته!

حماتي نزلت راسها في الأرض، مقدرتش تنطق كلمة اعتراض واحدة. حسيت براحة غريبة بتغسل قلبي، مش شماتة، بس إحساس إن كرامتي اللي داست عليها رجعت تلمع من تاني.

معاكي نص ساعة يا حماتي، تعملي الفويس نوت وتبعتبها على الجروب، وهستنى أشوفها هنا على شاشتي قبل ما أخطو عتبة الباب، والتسجيل ده هيفضل معايا كارت أمان، لو فكرتي بس في يوم من الأيام تلعبي لعبة تانية، هدوس على زرار الإرسال ومش هتردد ثانية واحدة!

حماتي مسكت تليفونها بإيد مرتعشة، وشغلت الواتساب، وبصوت باكي ومكتوم، سجلت الفويس.. قالت فيه كل كلمة طلبتها، وبرأتني قدام العيلة كلها، وقالت إن فوزية كانت صاحبة الفكرة الصح وإنهم هما اللي اتسرعوا وسوء التفاهم جه منهم، وإنها بتعتذر لها قدام الكل عشان هي ست العارفين وأول واحدة تشيل البيت في الأزمات.

شفت الرسالة بتنزل على الجروب، وشفت الردود بتبدأ تنهال بذهول واستغراب، بس محدش قدر ينطق بكلمة لإن صاحبة البيت هي اللي اتكلمت.

قومت وقفت، عدلت دريسي وطرحتي، وبصيت لها بابتسامة خفيفة وقولت:
عن إذنك يا ماما.. ألف مبروك خطوبة سلفي، عقبال ما نرد الواجب في الفرح بالطريقة اللي تليق بينا.

خرجت من العمارة والهوا البارد كان بيخبط في وشي، حسيت لأول مرة من سنين إني قادرة أتنفس بجد. روحت شقتي، دخلت وقفلت الباب، وكنت مستنية الجولة التانية.. جولة محمود.

على العصر، دخل محمود البيت، وشه كان مخطوف، والتليفون في إيده باصص فيه ومش مصدق الرسالة اللي أمه نزلتها على الجروب. دخل عليا الأوضة ولقاني قاعد برواق، رايقة وهادية تماماً وكأن مفيش حاجة حصلت.

وقف مكانه، وبلع ريقه، وقال بصوت واطي ومتردد:
انتي.. انتي عملتي إيه في أمي يا فوزية؟ أمي نزلت الرسالة دي إزاي؟ إنتي روحتيلها؟

قومت وقفت وقربت منه لحد ما بقت عيني في عينه، وقولتله بنبرة حازمة:
عملت اللي المفروض كنت انت تعمله كرجل البيت.. رجعت كرامتي اللي بعتوها برخيص. أنا مأذتش حد، أنا بس وريت كل واحد حجمه الحقيقي. وإنت يا محمود.. لو مش قادر تكون راجل يحميني ويصون غيبتي ويقف في وش الغلط حتى لو من أمه، يبقى كل واحد يروح لحاله بالمعروف، بيتك اهو وكرامتي معايا، اختار انت عايز تكمل حياتك مع ست ليها هيبة، ولا عايز ترجع لحضن أمك تسمع كلامها وتخرب بيتك بإيدك؟

محمود اتصدم، كان متعود مني على الخنوع والسكوت والعياط في الأركان، مكنش متخيل إن القطة المغمضة بقى عندها مخالب تقدر تقلب الموازين. حس بغلطته وشاف إن الموضوع كان ممكن يوصل لخراب كامل وفضيحة لأهله كلهم، قرب مني ونزل راسه وقال بصوت مكسور:
حقك عليا يا فوزية.. أنا غلطت، شيطان ودخل بينا، وأمي هي اللي سخنتني، بس أنتي مراتي وأم بيتي وكرامتك من كرامتي، أوعدك الكلام ده مش هيتكرر تاني أبداً، ولا مخلوق في الدنيا دي هيقدر يمسك بكلمة بعد النهاردة.

بصيت له وعرفت إن الضربة كانت كافية تعلمه درس عمره ما هينساه. مكنتش عايزة أهدم بيتي، بس كنت عايزة أبنيه على أساس سليم، أساس مفيش فيه حد يدوس على التاني.

ومرت الأيام، وجت عزومة أهل العروسة الرسمية، اتعزمت في أفخم مطعم زي ما اتفقت مع حماتي، دخلت وأنا رافعة راسي، لابسة ومظبطة، وحماتي كانت بتقوم تقعد معايا وتبتسم في وشي ابتسامات كلها خوف واحترام، والعروسة وأهلها اتعاملوا معايا بكل تقدير لإنهم شافوا الست الكبيرة بنفسها بتعملي ألف حساب.

اتعلمت من التجربة دي درس مش هنساه عمري كله إن الطيبة والجدعنة نعم من عند ربنا، بس لو استعملتهم مع ناس قلوبهم مليانة غل وقلة أصل، هيبقوا هما الحبل اللي هيشنقوك بيه. الحق مبيجيش بالدموع ولا بالضعف والشكوى، الحق بيتاخد بالثبات والعقل، واللي يخاف على كرامته لازم يخلي الناس تعرف إن للصبر حدود، وإن اللي يزرع شر، لازم يدوق من نفس الكاس لحد آخر قطرة.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى