حماتي جبتلي فستان 2

إخوات أحمد—محمود ومصطفى—بقت عيشتهم هباب. الأكل بيجي متأخر ومحروق، الشقق مكركبة، والعيال ينزلوا الشارع بهدوم متبهدلة. الرجالة اللي كانوا زمان شايفيني “خدّامة البيت الأوتوماتيك” وشايفين نسوانهم هوانم، بدأوا يذوقوا من نفس الكأس.
في ليلة، الباب اتخبط بهدوء. فتحت، لقيت حماتي ووراها محمود ومصطفى، ووراهم ولاء وشيماء وشهم في الأرض ومبوزين.
دخلوا الشقة بإنكسار، ومحمود أخو جوزي الصغير قرب من أحمد وقال بنبرة رجاء: “يا أحمد يا أخويا.. الحقنا، البيت بيخرب تحت والنسوان مش عارفين يشيلوا اللقمة، وأمي صحتها بتتردى من الكركبة والدوشة. خرفشوا في بعض والمطبخ بقى مزبلة!”.
أحمد قعد على الكنبة، حط رجل على رجل بثقة، وبص لأخوه وقال ببرود: “وانا مالي يا محمود؟ كل واحد يشيل شيلته، مش نسوانكم هوانم وما بيحبوش ريحة الثوم والبصل؟ يورونا بقى سنعهم!”.
مصطفى اتدخل وبصلي بنظرة انكسار: “يا سعاد يا أختي.. إنتي الكبيرة، تعالي مسكي البيت تاني، وأي شرط تطلبيه إحنا موافقين عليه.. بس البيت يرجع يستقر والأكل ينزل في ميعاده زي زمان!”.
قبل ما نطق، شيماء مطت شفتها وقالت بطفاسة مكتومة: “ما إحنا كلنا بناكل في بيت واحد يا سعاد، كفاية بقى قسوة وافترا.. ما تصدقي تاخدي الفرصة!”.
أحمد قام وقف فجأة، وصوته هز الشقة: “لمي لسانك يا شيماء! مراتي مش افترا، مراتي اتظلمت عشر سنين وانتوا كنتوا عايشين على قفاها! اللي عايز خدمة يدفن أوهامه، سعاد مش خدامة عند أبينين اللي جابوكم!”.
حماتي هزت رأسها، وبصت لأولادها الاثنين وقالت بصوت مكسور: “أحمد عنده حق يا أولاد.. سعاد شايلتني وشايلتكم عمر كامل وأنتم افتريتوا عليها، وأنا أولكم. الست دي كرامتها من كرامة ابني الكبير”.
بصيت لولاء وشيماء بثبات، وقعدت على الكرسي وأنا بحط إيد على إيد، وقولت بصوت واثق ومحدد: “البيت ده عشان يمشي صح من النهاردة، ليه قواعد.. أولاً: المطبخ الشامل تحت يلغى. كل واحدة تطبخ لشقتها ولجوزها ولعيالها فوق. ثانياً: شقة حماتي ونظافتها وأكلها دي عليا أنا بالكامل، برضايا وبمزاجي عشان هي أم جوزي الكبيرة، وتطلع تاكل معايا هنا في عز ونظافة. ثالثاً: السلالم والمدخل.. تجمعوا من بعض وتجيبوا شغالة بفلوسكم تنضف العمارة كل أسبوع، مش هيمسح شبر في البيت ده ببلاش تاني!”.
محمود ومصطفى بصوا لبعض، وهزوا رُؤوسهم بقلة حيلة: “موافقين يا سعاد.. اللي تقوليه يمشي”.
ولاء وشيماء خرجوا من الشقة بيجروا رجليهم من الخيبة والكسرة، بعد ما اتفرضه عليهم يدفعوا من جيبهم ويشيلوا مسؤولية بيوتهم لأول مرة في حياتهم.
بالليل، بعد ما البيت هدي والكل دخل جحره، أحمد دخل عليا الأوضة، كان شايل كيس قطيفة صغير أسود. قرب مني بابتسامة مليانة حب وفخر، فتحه وطلع منه علبة فيها علبة علبة دهب وغوايش بتلمع. مسك إيدي ولبسهالي، وهو بيبص في عيني بدموع مكتومة: “سامحيني يا سعاد على كل لحظة سبتك فيها تتصدمي لوحدك.. الحق ده كان لازم تاخديه من بدري، بس من النهاردة أنتِ أميرة البيت ده، والكلمة كلمتك”.
ابتسمتله، وبصيت لروحي في المراية.. شفت الست القوية اللي استردت كرامتها وحقها بذكاء وهدوء من غير ما تخسر بيتها ولا جوزها. بصيت للفستان الأحمر اللي كان متعلق في الدولاب وابتسمت بشر، وعرفت إن الست لما تقرر ما تنكسرش.. الدنيا كلها بتجبر بخاطرها، وتقف تحييها!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




