بسبب الحقن المجهري .. منى السيد1
٣ شهور كاملين نايمة عند أمي بسبب عملية حقن مجهري، وبتخدمني وربنا يجازيها خير، ومعايا طفلتين في سن صغير. جوزي كان بيسيب البنات طول اليوم عند مامته ويروحوا معاه، لكن كل ما ييجوا يزوروني يمسكوا فيا ويباتوا، وساعتها أمي تبوز وتتعفرت عشان عايزاني لوحدي الأيام كانت بتمر ببطء شديد وأنا بين أربع متخشب من قلة الحركة،
وقلبي مقسوم نصين؛ نص مع الحلم اللي في بطني وخايفة عليه من الهوا الطاير، ونص مع بناتي اللي حاسة بحرمانهم مني، ونظرات أمي اللي كانت بتوصلني إحساس إن عيالي عبء تقيل عليها وعلى بيتها. كنت ببلع وأسكت وأقول “معلش دي أمي وشايلاني”، لحد ما جه اليوم الموعود اللي كسر كل حاجة.
في اليوم ده، كان لازم أروح المختبر أعمل تحاليل جداً لمتابعة ثبات الأجنة. جوزي جاب البنات معاه في العربية عشان يوصلنا ويرجعنا، بس الإجراءات والزحمة أخدت وقت طويل، وما خلصناش غير في وقت متأخر جداً من الليل. طلعنا على بيت أمي، والبنات عيونهم دبلانة ومش قادرين حتى يصلبوا طولهم من التعب. جوزي باس راسي وقال وافقت، وهو سلم عليا ونزل. دخلت أصلاً من طبعهم هاديين جداً وملهمش أي صوت ولا طلعت مفزوعة وساندة على الحيطة وناسية العملية والوجع،
لقيت بناتي الاتنين واقفين الكلمة نزلت عليا زي ، حسيت إن كرامة عيالي وكرامتي دخلت مكنتش بتنزل بس قلبي كان . في دقايق معدودة، فتحت الدولاب كل وهدوم بناتي في الشنطة، مسكت التليفون وكلمت جوزي قولتله: “أنا وبناتي مستنيينك تحت باب العمارة.. “.
لكن الحقيقية مكنتش في أمي؛ كانت في الليلة التالتة بعد ما روحت.. صحيت فجأة في نص الليل على وجع في ، ولما حاولت أنادي على جوزي، إنه مش جنبي في ، والباب الخارجي .. صوت أنفاس حد بيقرب من نومي بخطوات بطيئة جداً! يا ترى مين اللي جوه ركضت في الممر الضيق وعيناي تلتهمان الفراغ، أمشي على أطراف بالخدر، بينما
ينهت جسدي أسفل عباءة النوم المنزلية التي غمرتها دافئة أصعب من الجسد نفسه. الوجع في أسفل بطني لم يكن مجرد ألم فيزيائي، بل كان كأنه أنياب تحفر في أحشائي لتقلع ذاك الأمل الصغير الذي دفعت ثمنه ثلاثة أشهر من . الصالة كانت إلا من شعاع ضوء أحمر خافت وقفت خلف ظهر الكنبة الكبيرة، أرقب المحني الذي كان يتقدم فجأة، والتفت كشفت عن وجهٍ خنقه الخوف .. لم يكن لصاً، ولم يكن غريباً.. كانت أمي!
كانت تقف في منتصف الصالة، عباءتها السوداء مبللة من أطرافها بقطرات المطر التي بالخارج، وفي يدها حقيبة بلاستيكية سوداء تفوح منها رائحة أعشاب . كادت ركبتيا أن لولا أنني ألقيت بثقلي على “أمي؟!” بصوت تحركت هي خطوة نحو ، وجهها الذي كان قبل أيام يبدو الآن شاحباً كالرماد، وعيناها زائغتان تنظران إلى الأرض وإلى قطرات التي بدأت تبقع تحت قدمي. لم تنطق بحرف، بل ظلت تبتلع ريقها بصعوبة، ويدها وهي تضغط على الحقيبة السوداء.
في تلك اللحظة بالذات، باب المطبخ فجأة، وخرج منه زوجي يحمل كوباً من وفي يده الأخرى علبة الدواء الخاصة بالتثبيت. كاد الكوب أن من يده لما رآني واقفة يغطيني، ركض نحوي وذراعه تمتد لتمسك بي قبل أن . “انتِ صحيتي ليه يا حبيبتي؟! تعالي اقعدي بس بسرعة!” بلهفة وهو يحاول سندي.
نظرت إليه بعينين تائهتين بينه وبين أمي واقفة كالصنموقلت بنبرة تكاد لا تُسمع: “أنا يا حسام.. الحمل بيروح.. وأمي هنا ليه؟ أنت اللي فتحتلها الباب؟”
حسام طأطأ رأسه للأسفل في لحظة صمت ، لم يستطع النظر في عيني ، ثم قال بصوت خفيض الخجل: “والدتك كلمتني من ساعة يا ندى.. كانت بتبكي على التليفون، قالتلي إنها مش قادرة تنام من يوم ما مشيتوا، وإنها عارفة إنك متأخرة في تحاليل التثبيت وجايبة معاها تركيبة أعشاب وزيت قراءة من شيخ عشان ينقذوا الحمل.. أنا فتحتلها عشان كنت خايف عليكي، وكنت داخل أعملك المشروب اللي قالت عليه قبل ما أصحيكي..”
تجمعت الدموع في عيني، لكنها لم تكن نظرت للحقيبة، ثم نظرت إلى وجهها. تذكرت بناتي وهما يرتجفان في ركن “شيخ؟ وأعشاب؟” استجمعت ما بقي من أنفاسي وقلت لها بصوت هادئ كالحجر: “انتِ جاية تثبتي الحمل دلوقتي يا أمي؟ ولا جاية تكملي اللي بدأتيه عشان ترتاحي من الهم خالص؟” : “انتِ بتقولي إيه يا ندى؟! أمك إنها جاية ؟”
“ندى.. متعمليش فيا كده.. أنا أمك اللي شالتك تلت شهور..”، قالتها وهي تمد يدها لتمسك بكفي.
سحبت يدي بقوة وجسدي يرتجف: “انتِ شيلتيني عشان تذليني.. شيلتيني وأنا بدفع التمن كل يوم من كرامتي وكرامة جوزي وعيالي.. ياريتني ما قعدت عندك يوم واحد، ياريتني سبت الحمل يضيع ولا إن عيالي يشوفوا الخوف ده في عيونك.”
وصلت سيارة الإسعاف بعد دقائق كانت كأنها أعوام. حملني المسعفون على النقالة تحت نظرات حسام وبكاء بناتي اللاتي استيقظن على الصوت وخرجن من ونشيجهم يملا المكان. أمي حاولت أن تتبعنا إلى المسعفين، لكنني أغمضت عيني ورفضت النظر إليها، وقلت لحسام بصوت قاطع: “لو نزلت معانا الشارع.. أنا مش هدخل المستشفى.”
توقفت أمي عند عتبة الباب، واقفة في ظلام الممر، بينما أُغلق باب الأسانسير ليفصل بيني وبينها ربما إلى الأبد.
في المستشفى، كانت غرفة الطوارئ تضج بالأطباء والممرضات. الستائر البيضاء، رائحة المطهرات الحادة، وصوت أجهزة النبض كان يعزف لحناً جنائزياً في أذني. كان الطبيب المتابع لعملية الحقن المجهري قد وصل ، وجهه كان وهو يفحص السونار ويطلب أكياس فوراً.
“النزيف شديد يا ندى.. فيه انفصال جزئي في كيس من الأجنة، وضغطك واطى جداً..” قالها وهو ينظر إلى الشاشة بتركيز شديد.
دمعت عيناي وأنا أنظر إلى السقف الأبيض: “دكتور.. الأجنة لسة عايشة؟ قولي الحقيقة..”
أخذ نفساً عميقاً ثم قال: “واحد من الأجنة للأسف نبضه متوقف.. لكن التاني لسة بيصارع، والنقاط الحيوية شغال فيها.. بس بشرط، محتاجة راحة تامة وممنوع الحركة نهائياً، وأهم من كل ده.. النفسية.. الانهيار العصبي اللي انتِ فيه ده هو اللي فجر الشعيرات الدموية.”
أغمضت عيني واستسلمت للمحاليل التي بدأت تسري في عروقي. طفل رحل قبل أن يرى النور، وطفل آخر يمسك بأطراف الحياة داخل رحمي المجهد. في تلك اللحظات، بين الحياة والموت، بين الفقد والأمل، شعرت بوضوح تام لم أعهده من قبل. الخوف الذي كان يتملكني من زعل أمي، والتضحية بكرامتي وكرامة بنياتي لإرضائها، كل هذا تهاوى وتلاشى.
مرت 48 ساعة في غرفة الرعاية المركزة قبل أن يتم نقلي إلى غرفة عادية. حسام كان يلس إلى جواري على الكرسي، وجهه شاحب وعيناه محاطتان بهالات سوداء من السهر والقلق. البنات كنّ يجلسن في زاوية الغرفة يرسمون على أوراق صغيرة بهدوء تام، كعادتهم دائماً.. طفلتان بريئتان لم تفعلا شيئاً في الحياة سوى أنهما ولدتا لأم عاجزة عن حمايتهما من قسوة أقرب الناس.




