بسبب الحقن المجهري .. منى السيد1
فنحت رأسي نحو حسام، وقلت له بصوت خائر لكنه مستقر: “حسام.. أمي اتصلت بك تاني؟”
تنهد حسام وأخرج هاتفه من جيبه: “اتصلت عشرات المرات يا ندى.. وجات المستشفى مرتين تحت، وأنا منعت تطلع بناءً على طلب الدكتور.. هي قاعدة عند باب المستشفى تحت من امبارح، رافضة تمشي.”
نظرت إلى الشباك الكبير المطل على الشارع، رأيت قطرات المطر تجري على الزجاج. لم أشعر برغبة في البكاء، ولا برغبة في الانتقام، كل ما شعرت به هو “الفراغ”.
“قولها تمشي يا حسام..”
نظر لي بحيرة: “يا ندى.. دي أمك، والست كبرت وتعبانة ودموعها مش بتوقف، ومش قادرة تستوعب إنك رفضتي تشوفيها..”
رددت بثبات: “قولها تمشي يا حسام.. اللي بيني وبين أمي مش زعل عشان أعاتبها فنتصالح.. اللي بيني وبينها شرخ في الأمومة نفسها. هي كرهت بناتي عشان من دمي، واستخسرت فيهم الأمان. أنا خسرت طفل من الاتنين بسبب الليلة دي، ومش هسمح لها تخسرني التاني ولا تخسر بناتي طفولتهم.. اللي يكسر عيالي، يلغي وجوده من حياتي، حتى لو كانت أمي.”
جلس حسام بجواري وأمسك بيدي، وعيناه تفيضان بالدموع: “أنا آسف يا ندى.. آسف إني سبتك عندهم تلت شهور، وآسف إني فتحتلها الباب بالليل.. أنا السبب.”
“أنت مش السبب يا حسام.. السبب إني كنت فاكرة إن الأمومة بتيجي بالفطرة لكل الستات، وما كنتش فاهمة إن فيه أمهات أنانيين بيشوفوا ولادهم وعيالهم مجرد عبء أو أدوات لإرضاء كبريائهم.”
في المرة الأولى منذ أشهر، شعرت بظهري يستند إلى جدار صلب، ليس جدار بيت أمي، ولا جدار المستشفى، بل جدار إرادتي الخاصة. الجنين المتبقي في بطني بدأ ينبض بقوة كأنه يرسل لي إشارة بأنه يتحصن بي، وبناتي اقتربتا من السرير ووضعتا يديهما الصغيرتين على يدي.
“ماما.. انتِ هترجعي معانا البيت؟” سألتني ابنتي الكبرى بعيونها الواسعة الممتلئة بالبراءة.
ابتسمت لها، ولأول مرة كانت الابتسامة طالعة من قلبي رغم الوجع: “أه يا حبيبتي.. هنرجع بيتنا.. مش هنخرج منه تاني أبداً، ولا فيه حد في الدنيا هيرعبكم أو يصرخ في وشكم تاني.. أوعدكم.”
انتهت الليلة الطويلة، وخسرت جنطاً كان حظه أن يمر عبر تلك الأزمة، لكنني كسبت نفسي، وكسبت بناتي، وعرفت أخيراً أين تقع حدود كرامتي.. أما أمي، فقد تركتها تقف عند باب المستشفى تحت المطر، تواجه لأول مرة في حياتها عواقب قسوتها، ودون أن أترك لها خيطاً واحداً للعودة.




