فاشلة في نظر حماتي 2

ومرتاحة، ضحكة حد اتفك من كل القيود طالعة فيها؟ طب خدي دي بقى يا طنط صفاء، عشان تعرفي مين فينا اللي طلعت فيها بجد.
طلعت من الشنطة كارت دعوة فخم جداً، من الكروت اللي مطبوعة بورق مقوى فاخر وعليه ختم ذهبي بارز لجاليري ومؤسسة فنية كبيرة في الزمالك، ومكتوب عليه اسمي بخط عربي مدهب وكبير الفنانة التشكيلية نيرمين العوضي.
رميت الكارت على السفرة في نص الصالة ده كارت دعوة لمعرضي الفردي اللي هيتفتح يوم الجمعة الجاية في الزمالك، برعاية أكبر دار نشر ومؤسسة ثقافية في مصر.. الكتاب اللي أنا رسمت غلافه ورسوماته الداخلية طبعته الأولى خلصت في تلاتين ساعة في معرض الكتاب ومحجوز منه طبعات تانية، وأنا وقعت عقد رسمي بمبلغ فيه ست أصفار مع أكبر وكالة إعلانات دولية لتصميم حملاتهم في الشرق الأوسط.
حماتي بصت للكارت بذهول، عينيها وسعت وهي بتقرأ اسمي اللي كان بيلمع تحت النور. بصيت لها وقلت بمنتهى الهدوء الإيدين المورمة اللي قلتي إنها ما تنفعش غير لفرك السمنة وتقوير الباذنجان وتنضيف المواعين وراكم.. هي نفس الإيدين اللي كبار الفنانين والنقاد في مصر هيقفوا يوم الجمعة يسقفوا ليها. الفاشلة اللي كنتوا بتستقلو بيها هي اللي اسمها نازل في الجرايد، مش الهانم اللي كانت بتسرق فلوس شقانا عشان تطبع كراستين شعر ومحدش معبرها.
دينا رفعت راسها وعينيها كانت مكسورة، بتبصلي بانهزام كامل.. القناع اللي كانت لابساه ست سنين وقع في الأرض واتداس تحت الرجلين. وطارق بص لأحمد وبص للكارت، وقال بمرارة شفت الفرق يا أحمد؟ شفت اللي بتبني نفسها بشغلها وإيديها، واللي كانت عايشة تمص في دمنا وتتعالى علينا بالفارغ؟
أحمد كان باصصلي وكأنه أول مرة يشوفني في حياته. الندم كان باين في كل تفصيلة في وشه، مد إيده بترجي وعينيه دمعت نيرمين.. أنا مكنتش أعرف كل ده.. والله العظيم أنا كنت غبي ومغمي عيني، حقك عليا يا حبيبتي، إحنا نرجع بيتنا ونتكلم و…
قاطعته بإشارة واحدة من إيدي، إشارة كانت حاسمة ومفيهاش أي مجال للرجوع متقولش حبيبتي. الكلمة دي ماتت من اللحظة اللي هان عليك فيها كرامتي وتعب إيديا قدام أمك وسلفتي. الورقة بتاعة كشف الحساب دي مش هترجعلك، والفلوس اللي اتسحبت دي طارق هيرجعهالي كاملة مليم مليم في حسابي أنا الشخصي، وده اللي هيحصل يا طارق، صح؟
طارق هز راسه بحزم وهو باصص لدينا بغل بكرة الصبح هيكونوا في حسابك يا نيرمين، وحقك عندي أنا، ومحدش له عندك كلمة.
بصيت لأحمد للمرة الأخيرة والميتين ألف جنيه دول هيرجعوا لي، لأن ده حقي في شقايا وتكاليف البيت اللي شيلته سنين وإنت مفلس علشاني وعامل كريم على غيري. وأول ما الفلوس تدخل حسابي، ورقة طلاقي توصلي على بيت أهلي في المعادي، لأن الراجل اللي ما صانش مراته وكرامتها في عقر دار أهله، ما يلزمنيش حتى لو فرشلي الأرض دهب.
حماتي وقفت مذهولة، لسانها كان عاجز عن الكلام، أول مرة أشوف صفاء هانم مرعوبة ومش عارفة تلم الفضيحة اللي طرطشت على كل ركن في بيتها. ابنها الكبير بيتوعد مراته بالطلاق، وابنها الصغير مكسور الرعين ودموعه على خده، وأنا.. أنا كنت واقفة أطول منهم كلهم.
جرس الباب رن في اللحظة دي.. فتحت الباب، كان عامل الدليفري شايل شنط الأكل الفخمة وريحة المشويات طالعة منها تدفي المكان اتفضل يا فندم، الحساب مدفوع أونلاين. أخدت الشنط وحطيتها على طرف الجزامة، وبصيت لحماتي للمرة الأخيرة وابتسمت كلي بالهنا والشفا يا طنط صفاء.. الأكل ده من شقا شخبطة العيال، عشان تعرفي إن حتى اللقمة اللي بتاكلوها الليلة دي، جاية من خيري أنا.
لفيت ضهري، مشيت في الممر، وفتحت الباب الخارجي. نزلت على السلم بخطوات ثابتة ورنانة بالكعب العالي، وصوت صراخ طارق وخناقته مع دينا وحماتي في الشقة كان لسه بيتردد في المنور، بس بالنسبة لي كان خلاص.. كأنه صوت راديو قديم مشوش في أوضة تانية ومحدش مهتم يسمعه.
نزلت للشارع، كان هوا القاهرة في أول الخريف بارد وجميل، بيخبط في وشي كأنه بيمسح تعب ست سنين كاملة. ركبت تاكسي وطلبت منه يوصلني على مرسمي في المعادي.
طول السكة، تليفوني ما بطلش رن.. رسايل من أحمد أنا آسف.. اديني فرصة.. أنا دمرت كل حاجة بغبائي.. متخربيش بيتنا يا نيرمين، ورسايل تانية وصوتيات محروقة من حماتي بتحاول تهديني وتستعطفني عشان ما أفضحهومش قدام قرايبهم بالمعرض والطلاق.
مسكت التليفون، ومن غير ما أتردد ثانية واحدة، عملت بلوك لأحمد، وبلوك لصفاء، وبلوك لدينا.
وصلت المعادي، دخلت مرسمي، ريحة الألوان خبطت في نفوخي كأنها حضن دافي كان مستنيني. قعدت على الكرسي قدام استاند الرسم الفاضي، ومسكت الفرشة بإيدي.. نفس الإيد اللي كانت مجروحة ومورمة ومحروقة من مية الليمون والمواعين. حطيت الفرشة في اللون الأزرق الصافي، وضحكت من قلبي.
النهاردة بس عرفت، إن الصبر لو كان على حساب الكرامة بيبقى ذل، وإن أحسن انتقام من اللي استقلو بيك، مش إنك تردلهم الإهانة بمثلها.. أحسن انتقام إنك تنجح وتعلى لفوق، وتسيبهم تحت في قاع وساوسهم، يبصوا عليك من بعيد وهما بياكلوا في صوابعهم من الندم.
يوم الجمعة كان افتتاح المعرض.. القاعة كانت مليانة ناس وصحفيين وفنانين بيسقفوا للوحاتي اللي اتعلقت على الحيطان بإطارات خشب فخمة، وأنا واقفة
في النص، حرة، قوية، واسمي مكتوب بحروف من نور، سايبة ورايا مريلة المطبخ وكل اللي استكتروا عليا إني أكون إنسانة حرة.



