طبيخ سلفتي

بدأتُ تنفيذ خطتي بذكاء ودهاء، واعتمدتُ مبدأ “التفويض المسموم”. في الصباح التالي، نزلتُ قبل الجميع، ولكن بدل أن أبدأ بتهيئة المطبخ أو غسل الأواني كما كنت أفعل، وقفت أستقبل إيمان بابتسامة عريضة وحماس مصطنع، وقلت لها بصوت عالٍ لتعسمه حماتي المتواجدة في الصالة: “يا إيمان يا حبيبتي، أنا عرفت إن المقارنة معاكي ظالمة، حماتي والرجالة بيحبوا نفسك في الأكل جداً، وأنا قررت أسيبلك المطبخ بالكامل في الأكل الأساسي، عشان محدش يتضايق من طريقتي البطيئة، وأنا هكتفي بالنظافة والترتيب ورعايتك وأنتي بتطبخي!”
فرحت إيمان بالإطراء المزيف وظنت أنها حققت انتصاراً ساحقاً عليّ، ولم تدرك أنها بلعت الخديعة. أصبحت هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن إعداد كل أطباق الطعام واللحوم والشوربة، بينما توليت أنا مسؤولية “غسيل الخضار الطازج، إعداد السلطات، تجهيز طبق الفاكهة، وتنظيم الطاولة”. وبما أنني أنا من أقطع السلطة وأغسل الخضار، أصبحت أعدّ لنفسي ولزوجي أطباقاً صحية ونظيفة ومغسولة بالخل والماء الجاري بعيداً عن أيديها، وفي الوقت نفسه، كنت أحرص على مدح كل ما تصنعه هي أمام الجميع بنفاق متقن، وأمتنع عن أكل أطباقها بحجة أنني أتبع نظاماً غذائياً أو أن معدتي مجهدة من السلطة.
لكن الحد الحاسن الذي غير الموازين كلياً في البيت، لم يكن مجرد انسحابي من أكلها، بل كان في الطريقة التي جعلت بها القرف يطفو على السطح أمام أعيُن الجميع دون أن أنطق بكلمة واحدة.
في يوم عزومة كبيرة لأخوال زوجي، كانت إيمان تتولى إعداد الطيور واللحوم والرقاق. وحسب عادتها، ملأت المطبخ عكاً وتجلت في عدم النظافة، حيث قطعت الطيور على الرخامة دون غسيل، واستخدمت نفسها لتقطيع الفاكهة والشوربة، ونسيت كعادتها تنظيف دواخل الطيور جيداً. لم أعاتبها ولم أصرخ، بل قمت بذكاء شديد بتجهيز طاولة الطعام في الصالة الكبيرة تحت المباشرة الكاملة لأعين حماتي والضيوف، وتطوعت بغرف الشوربة وتوزيع الأطباق.
غرفت الشوربة في أطباق عميقة شفافة جداً، وحرصت على وضع القطع التي تحتوي على أثار الريش والزفر التي كانت إيمان تطنشها في أطباق جوزها وحمايا بالذات! وقدمت الأطباق وأنا أقول بصوت جاف ومبتسم: “تسلم إيديكي يا إيمان، الشوربة من إيديكي طالعة تسد النفس… قصدي تسد الجوع من كتر الحلاوة!”
وعلى طاولة الطعام، وأمام أخوال زوجي، رفع حمايا المعلقة ليأكل، فإذا بريشة كاملة سوداء تسبح في طبق الشوربة، ومع أول قشة للرقاق، وجد زوجها قطعة من أحشاء الطيور غير المنظفة داخل الأكل! ساد الصمت على الطاولة، وأصبح الموقف مخزياً أمام الضيوف الذين توقفوا عن الأكل بذهول.
صرخ زوجها بحدية ووجهه يتصبب عرواً من الخجل: “إيه ده؟! إيه القرف ده اللي بناكله؟ هو الأكل مبيتغسلش قبل ما يترس في الحلل؟!”
حماتي سكتت مذهولة ولم تستطع الدفاع عنها هذه المرة، فنظرت إيمان إليّ بارتباك وقالت وهي تتلعثم: “والله… والله أنا نضفت… نور هي اللي كانت واقفة معايا في المطبخ!”
وهنا جاء دوري. رددت بمنتهى الهدوء، وبابتسامة بريئة شلت حركتها تماماً: “أنا؟ لا يا إيمان، أنتي نسيتي ولا إيه؟ أنتي بنفسك اللي قولتيلي القرف ده وسواس ومفيش وقت للغسيل والنار بتطهر كل حاجة! وحماتي قالتلي مقتدّش في طريقة ست البيت الشاطرة اللي بتخلص في ثواني! أنا ملمستش الأكل ده خالص، أنتي اللي عملتيه من الألف للياء وأنا كنت بس بتعلم منك النظافة والسرعة!”
انسكبت وجه إيمان بالحمرة، وقامت حماتي بجنون تحاول التغطية على أمام ضيوفها، بينما انقض زوج إيمان عليها بالصراخ أمام الجميع، وأمرها بالصعود لشقتها فوراً وعدم لمس أي طعام للبيت مرة أخرى حتى تتعلم النظافة.
في تلك الليلة، تحولت نظرات حماتي وإيمان إليّ من التعالي والاتهام بالغيرة، إلى الخوف والحذر. عرفوا أنني لم أعد تلك الزوجة الجديدة الاستحياء التي تبكي في الصمت، بل أصبحت من يحرك خيوط المطبخ والبيت بالكامل دون أن تتسخ يداي بكلمة عتاب واحدة.




