صاحبي

سيبتها في الشقة ونزلت زي المجنون، مش عارف أروح فين. واجهت صاحبي في التليفون، وفي الأول أنكر، لكن لما واجهته بالرسائل والتفاصيل اللي عرفتها، أرتبك وبدأ يلخبط في الكلام وفي الآخر قال لي ببرود: “يا عم أنت خدت ليلة حلوة وشفت جمال ماكنتش تحلم بيه، كبر دماغك وكل واحد بياخد نصيبه!”.
هنا عرفت حجم الغفلة اللي كنت عايش فيها. جشع الشهوة والانسياق وراء كلام الناس عمى عيني عن بيتي الحقيقي. سيبت العروسة الجديدة ورميت عليها يمين الطلاق في نفس الليلة، وجمعت كل حاجة تخصني وسبت الشقة الإيجار، ورجعت للقاهرة.
أنا دلوقتي قاعد في صالة بيتي القديم، قدام مراتي اللي شالتني سنين طويلة وشالت أطفالي، ومستني اللحظة اللي هعترف لها فيها. المصيبة مش بس إني اتجوزت عليها وغدرت بيها وعشت في حضن واحدة ثانية باسم الشغل؛ المصيبة الأكبر إن النتيجة كانت إني اتنصب عليا، واتلعب بيا، وورطت نفسي في قصة ممكن تدمر بيتي الأولاني وولادي لو أهل البنت دي قرروا يلاحقوني بالشبكة أو العقود اللي امضيت عليها تحت ضغط وصدمة.
مراتي دخلت عليا الأوضة، شايلة كوباية شاي، وقعدت جنبي وقالت لي بصوت دافي: “مالك يا أبو الولاد؟ أنت من ساعة ما جيت من السفر ده وأنت مش طبيعي، في حاجة مضايقاك في الشغل؟”.
بصيت في عينيها، والكلمات اتجمدت في حلقي. إزاي هقولها إني خنتها؟ وإزاي هقولها إني كنت لعبة في إيد صاحبي والخطة اللي اتعملت عليا؟ إزاي هبص في عين ولادي لما يعرفوا إن أبوه جرى وراء سراب وهد البيت اللي بيحميهم؟
السكوت كان خنقني، والوقت بيعدي، وأنا واقف على شفا حفرة، مش عارف أبدأ منين ولا أقول إيه
فضلت قاعد ساكت ومثبت نظري في كوباية الشاي اللي في إيدها، والصوت في رقبتي مخنوق مش راضي يطلع. هي حسّت إن السكوت ده مش مجرد تعب شغل، ملامحها بدأت تتغير تدريجياً من القلق للشك. حطت الكوباية على الترابيزة وقربت مني أكتر، حطت إيدها على كتفي وسألتني بصوت أصرم المرة دي: “في إيه يا ابن الناس؟ أنت مخبي عليا إيه؟ في مصيبة حصلت في الشغل ولا إيه اللي جرالك؟”.
النظرة اللي في عينها كانت سهم غروز في قلبي. النظرة دي هي اللي خلت السد اللي جوايا ينهار. غصبت نفسي أرفع عيني فيها، وبدأت أتكشف وأتكلم وصوتي بيرتعش: “أنا عملت مصيبة يا سمر.. مصيبة هتهد البيت ده على دماغنا كلنا”.
سكتت لحظة، ونفسها بدأ يعلى. “مصيبة إيه؟ اتكلم على طول، خسرت فلوسك؟ حد جراله حاجة؟”
.
هزيت رأسي بنفي، ودموعي نزلت غصب عني، ومكنتش قادر أداري أكتر من كده: “أنا اتجوزت عليكِ.. وسفري اللي فات ده كله مكنش شغل، كنت مع مراتي الجديدة”.
الكلمة نزلِت عليها زي الصاعقة. شفت إيدها وهي بتبعد عن كتفي بسرعة كأنها لمست نار، وشها شحبت منه الألوان ووقفت فجأة، كانت بتبصلي كأنها بتشوف شخص غريب مكنتش تعرفه قبل كده. مابكتش، ومصرختش، لكن الصدمة خلتها تقف متثبتة في مكانها مش قادرة تتنفس.
“أنت بتقول إيه؟” قالتها بصوت واطي ومبحوح كأن الصوت يادوب طالع من حنجرتها. “أنت بتتكلم جد؟ ولا ده مقلب؟ اتجوزت عليا؟ متجوز عليا بقالك شهرين وأنت بتنام جنبي وبتبص في عيني وبتكذب عليا؟”.
حاولت أقف وقربت منها عشان أهديها أو ألمس إيدها، لكنها صرخت فيا بصوت هز أرجاء الشقة: “إياك تقربلي! إياك تحط إيدك عليا! بقى أنا اللي وقفت معاك من صفر، أنا اللي استحملت الفقر والظروف الصعبة وعشت معاك على المرة قبل الحلوة، تروح تبيعني عشان واحدة ثانية؟ ليه؟ أثرت معاك في إيه؟ بيتي أثرت فيه في إيه؟ ولادك نقصهم إيه؟”.
بدأت أبكي وأحاول أشرح لها: “أنا اتلعب في دماغي.. صاحبك فلان هو اللي جرني للقصة دي، فضل يزن عليا ويرويني صور ويقولي الحياة حلوة وهتستريح، وأنا ضعفت وشيطاني ركبني.. بس والله العظيم القصة مكملتش، اكتشفت مصيبة كبرى ورجعتلك!”.
هنا سمر ضحكت، ضحكة مكسورة وكلها وجع وكسرة نفس، وقالتلي: “يا سلام! يعني أنت جاي تقولي دلوقتي إنك اتجوزت عليا، ولما طلعت بيعة خسرانة ولا الموضة معجبتكش، جاي ترمي نفسك في أحضاني وتدّعي النكبة؟ أنت مخرجتش من العك ده عشان خفت على مشاعري، أنت خرجت عشان البنت طلعت مصيبة! يعني لو كانت عاجباك وحياتك معاها ناعمة، كنت فضلت عايش في الكذبة وسايبني في العميانية!”.
الكلام كان زي الساطور، لأنها كانت بتتكلم بالحق. أنا مفرقتش معايا مشاعرها غير لما الشاشات وقعت واكتشفت الخدعة اللي اتعملت عليا.
قعدت على الأرض تحت رجليها وقلت لها: “أنا عارف إني واطي، وعارف إني غلطت في حقك وحق ولادي، بس اسمعيني للأخر.. الموضوع مش بس جواز، القصة أكبر من كده بكثير وأنا خايف على البيت وعلى الولاد من اللي جاي”.
بصتلي بقرف وقالت: “قصة إيه وتخاريف إيه؟ أنت فاكر لو حكيتلي قصة سينمائية هسامحك؟ أنت هدمت كل حاجة بينا، هدمت الثقة والأمان اللي كان بيننا في لحظة”.
بدأت أحكيلها التفاصيل كأنني بعترف بذنوبي قدام قاضي: حكيت لها عن خطة صاحبي، وعن أهل البنت والديون اللي كانت عليهم، وعن المكالمة اللي سمعتها في أوضة النوم والابتزاز اللي كانت البنت بتتعرض له عشان تسحب مني شبكة وشقة وتسدد ديون أبوه في البلد، وعن دور صاحبي اللي كان واخد نسبة عشان يوردني لهم كصيد سهل.
حكيت لها عن الورق اللي بسببه اتدبست، لأني في يوم كتب الكتاب ووسط الفرحة والزحمة، صاحب البنت خاني وخليتني أوقع على إقرار باستلام شبكة ومؤخر كبير جداً بالإضافة لإيجار الشقة، وأنا دلوقتي بعد ما طلقتها، أهلها بعتولي تهديد صريح مع صاحبي الخاين: يا إما أدفع المبالغ المكتوبة في الإقرار والمؤخر الخيالي اللي مضوني عليه، يا إما هيرفعوا القضايا بالورق ده وهيحبسوني، أو هييجوا لحد بيتي هنا في القاهرة ويعملولي فضيحة وسط جيراني وأهلي.
سمر كانت بتسمع والكلام بيقع عليها زي الصخر. الموقف اتحول من مجرد “خيانة زوجية” لكابوس بيهدد أمن العيلة كلها وبيتنا وفلوسنا ولادنا.
سكتت فترة طويلة جداً، والدموع بدأت تنزل من عينها بهدوء حزين، وقالتلي: “يعني أنت مش بس خنتني ووجعت قلبي.. أنت كمان جيبتلنا المصايب لحد باب بيتنا؟ أنت طمعت في جمال رخيص، وبعت بيتك العفيف، وفي الآخر لبستنا في قضايا وفضايح وخليت شوية نصابين يتحكموا في مصيرنا؟”.
مسكت رأسها بإيدها وبدأت تبكي بحرقة، والبكاء ده كان أصعب عليا من صراخها الأولاني. بكاء واحدة اتكسرت من أكتر بني أدم كانت مآمنا له في الدنيا.
في اللحظة دي، تليفوني رن في جيبي. كانت نغمة الاتصال الصافرة اللي بيكلمني بيها صاحبي الخاين. بصيت للشاشة ورجعت بصيت لسمر، لقيت عينها على التليفون.
شغلت الميكروفون وفتحت الخط، وجالي صوته من الناحية الثانية، صوت بارد وخبيث بيقولي: “إيه يا عريس؟ فقت من الصدمة ولا لسه؟ أهل العروسة بيسألوا عن حق بنتهم، والإقرار اللي معاهم هيوديك في داهية لو مدفعتش خلال 48 ساعة.. هتوفر الفلوس بالذوق، ولا نيجي نتفاهم مع أم أولادك في القاهرة ونعرفها العريس كان بيبات فين الشهرين اللي فاتوا؟”.
سمر سمعت كل كلمة، وبصتلي بنظرة أخيره، نظرة خلت جسمي كله يقشعر، وسحبت نفس طويل وقامت وقفت قدام التليفون…



