حكاية امي

لما فتحت عيني، لقيت ريحة المطهرات لازقة في خشمي، والدكتورة والممرضين واقفين حواليا بيحاولوا يفوقوني. قمت بخضة، ورميت بصري ناحية السرير اللي كانت أمي نايمة عليه.
كانت مرسومة على وشها آثار رعب مخيف، عينيها جاحظة كأنها شافت شبح، وبتترعش من فوق لتحت زي ورقة في مهب الريح. جنب السرير، كان واقف دكتور شاب، أنيق، شعره مخصل بالشيب الخفيف، وملامحه شاربة القسوة والجفاء. بص لي نظرة برود، وكأنه بيبص على حشرة مش على بني آدم، ودار بضهره يخرج من الأوضة.
جريت على أمي، حضنتها وهي بتترعش، ولقيتها بتهمس بكلمات مش مفهومة من كتر الخوف:
— جه… جه ياخدني… بيقولي إني بعته… بيقولي إني أم خاينة…
دموعي نزلت زي الشلال. بصيت للممرض وسألته بصوت :
— إيه اللي حصل؟! هو عمل فيها إيه؟!
رد بتهرب:
— الدكتور علي كان بيطبق بروتوكول علاج صدمة ذكريات… دي أوامر الدكتور.
صليت للباب وطلعت وراه زي المجنونة، لحد ما مسكته من معطفه الأبيض وهو داخل مكتبه. لفتلي ببطء، ونظرة عيونه السودا كانت بتبرق بشر.
— إنت مين؟! وعملت إيه في أمي؟!
ابتسم ابتسامة صفرا، وقال بصوت هادئ ومستفز:
— شكلك بنتها… البنت اللي عاشت معها طول السنين دي. أهلاً بيكِ. أنا الدكتور علي… أو زي ما أمك كانت تسميني زمان: “علي”.
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. رغم إني كنت عارفة اسمه، بس سماعها منه بالشكل ده جمد الدم في عروقي.
— أنت… أنت علي؟! ابنها؟!… طب إزاي، إنت دكتور كبير، وعارف إنها مريضة، وإنها اتجننت بسببكم، وإن أعمامك هم اللي حرموها منك، ليه عملت فيها كده؟! ليه دخلت عليها وعملتها كأنها ؟!
علي ضرب بإيده على المكتب ، وعيونه اتملت بدموع وغضب من سنين:
— دكتور كبير؟ أه، بقيت دكتور كبير، بس بعد إيه؟ بعد ما اتربيت على الكره والجوع والبهدلة! عמי وعماتي فهموني من وأنا طفل إن أمي بعتتني عشان تتجوز غيري، وإنها رمتني للغريب عشان تتهنى بحياتها! ثلاثين سنة وأنا بحلم باللحظة دي، تفتكري لما أجي وألاقيها في مصحة عقلية، المفروض أحضنها وأقولها وحشتيني؟! دي تاجت عليا! دي باعت ضنايا!
صرخت في وشّه بكل ما بقا فيا من وجع:
— كداب! عمك هو اللي كدب عليك عشان يسرق ميراثك ويحط في دماغك السم! أمك متجننتش من فراغ، دي اتربطت واتقفل عليها الأبواب وهي بتصرخ باسمك! دي كانت بتجيب حتة عيش وتحتفل بعيد ميلادك كل سنة وهي نايمة على البلاط! أنت دكتور وفاهم في النفسية، إزاي عميت عن الحقيقة وصدقت كدبتهم؟!
علي جمد في مكانه، وملامح وجهه اهتزت لأول مرة. بص لي بشك، وقال بصوت مهزوز:
— تقولي إيه؟… عمي قال لي إنها…
قاطعته وأنا بطلع من شنطتي الورقة القديمة اللي كنت مخبياها فيها قصة حياتها، والتحقيقات، وكلام جدته الله يرحمها:
— اقرأ! اقرأ بنفسك الحقيقة اللي عمكخبها عنك سنين عشان ما يرجعلكش مليم! أمك فضلت تحبك لحد ما عقلها طار، وأنا بقالي 10 سنين بنزل أكلها وأسمع صرخاتها، وكنت بوعدها إني هجيبك لحد عندها عشان تعرف إنها مظلومة… وأنت جيت، بس جيت تاخد انتقام أعمى من ست مسكينة مفيهاش حتة سليمة!
علي خد الورقة إيده بتترعش، وبدأ يقرأ. عيونه اتسعت، ودموعه نزلت على خدوده بغزارة من غير ما يحس. رمى الورقة من إيده، وخرج من المكتب مذهول، وجري على أوضة أمي.
فتح الباب بقوة ودخل. أمي لما شافته، صرخت وخبت وشها بإيدها وهي بتترعش.
وقف علي قدام سريرها، ونزل على ركبتيه الاتنين قدامها، وطلع صوت مكسور وخانقه البكاء وهو بيحضن رجلها:
— سامحيني يا أمي… سامحيني، أنا غبي… أنا صدقتهم… سامحيني يا أمي!
أمي رفعت راسها ببطء، وبصت له بعيون غرقانة دموع. مدت إيدها المرتعشة، ولمست شعره الأبيض، وقالت بصوت همس خارج من روح مهدودة:
— علي… حبيبي… جيت؟… كنت بستناك يا ضنايا…
علي انهار في حضنها، وفضل يعيط عياط طفل اتتم حرمانة من أمه سنين طويلة. لقيت نفسي بقف جنبهم، ودموعي نازلة على وجعنا كلنا. الجرح مكنش هيتلم في يوم وليلة، والسنين اللي ضاعت مش هترجع، بس يمكن… في وسط الدمار ده كله، النور بدأ يدخل أخيراً عشان ينور ظلام السنين الطويلة.
الجزء الثالث: بداية الشفاء من تحت الرماد
اللحظة اللي علي حضن فيها أمي وباس إيدها وهي بتلمس شعره، كانت كفيلة تهدم جدران التلاتين سنة اللي بناها عمه من كره وتضليل. الأيام اللي بعد اليوم ده كانت أقسى وأطول أيام عشناها، لأن الحقيقة المرة لما بتتكشف، بتسيب وراها وجع محتاج سنين عشان يلتئم.
علي قدم استقالته فوراً من مستشفى الأمراض النفسية اللي كان شغال فيها، وقرر يكرس كل وقته وجهده لعلاج أمي بنفسه، كأنه بيحاول يعوض كل دقيقة غابها عن حضنها. جاب لها أفضل الأطباء الاستشاريين في مجاله، ونقلها لمصحة خاصة متطورة فيها رعاية كاملة ومستوى هادئ يساعد على تهدئة أعصابها التالفة.
في الأول، كانت أمي بتمر بنوبات فزع كل ما تشوفه، عقلها المريض كان بيتهأولها أحياناً إنه لسه الجاني أو إنه جاي يكرر القسوة، فكان علي بيقعد جنبها ساعات طويلة، على الأرض، من غير ما ينطق ولا كلمة، بس ماسك إيدها ومخلّيها تحس بنبضات قلبه، لحد ما تهدي وتنام. كنت أنا جنبه في كل خطوة، بنساعد بعض نلم شتات اللي اتكسر.
مع مرور الشهور، وبفضل الله ثم رعاية علي واهتمامي، بدأت ملامح الوعي ترجع لعنونها تدريجياً. الصرخات الليلية قلت، وبدأت تتذكر أسامينا، وأحياناً كانت تبتسم ابتسامة خفيفة تونس قلوبنا.
وفي يوم، كنت قاعدة معاها في أوضتها الجديدة بالمصحة، وعلي كان واقف جنب الشباك باصص لبرة بشرود ووجع ظاهر على وسطه. أمي فتحت عينيها بهدوء، وبصت له، وبصوت ضعيف بس مسموع قالت:
— علي… يا حبيبي.. متزعلش من نفسك.
علي لفت بسرعة، ودموعه نزلت على خدوده، وجري قعد جنبها على :
— أنا السبب في كل وجع عشتيه يا أمي… أنا اللي صدقتهم وعاشرتك بالعداوة.
رفعت إيدها الضعيفة ومسحت دموعه وقالت بحنان الأم اللي ما بيخلصش، حتى وهي في عز مرضها:
— الأم يا بني… مابتشيلش غل لضناها أبدًا. أنا نسيت… المهم إنك رجعت.
في اللحظة دي، حسيت إن روح أمي الحقيقية رجعت، وإن الظلم الكبير اللي وقع عليها بدأ ينقشع ويحل محله النور.
أما عن عم علي، فاللي عمله ما عدش بدون حساب؛ علي بعد ما استوعب حجم الخداع والسرقة اللي تعرض لها في ميراثه وفي طفولته، لمّ كل المستندات والأدلة القانونية اللي بتثبت تلاعب عمه واستيلائه على حقه، ورفع عليه قضايا رد حقوق وتزوير. القانون خد مجراه، وعمه لقى نفسه في نهايات عمره بيتحاسب على كل دمعة ظلم سببها لأمه وليه.
الحياة ما رجعتش زي الأول تماماً، فالجروح القديمة بتسيب علامات، بس بقينا سوا. أنا، وعلي، وأمي اللي بدأت تسترد جزء كبير من صحتها وعافيتها. بقينا عائلة حقيقية، اتجمعت بعد شتات طويل، عشان تثبت إن الحق لو طال ليله، مصيره يطلع وينهي كل عتمة.




