منوعات

جوزي

جوزي استنى الممرضة اللي بتيجي البيت تمشي، وبعدها مسك راسي وزقها ناحية سلة الزبالة بالعافية، عشان كنت مش قادرة أحتفظ بالأكل في معدتي. وبعدها حط صباعه على مكان العملية اللي كان لسه حساس، وضغط عليه لحد ما شهقت من الوجع، والشاش بدأ يتبقع.

وقاللي ببرود
قولي للممرضة إن السرطان هو اللي عمل كده.
بصيت على الساعة.
الممرضة كانت ناسية شنطتها وعربيتها لسه مركونة في مدخل البيت.
مقبض باب الشقة اتحرك قبل ما ألحق أرد عليه.
هو سمع الصوت هو كمان.
صباعه اترفع من على الشاش، والتعبير القاسي اللي كان على وشه اتغير بسرعة خوفتني تقريبًا قد الوجع اللي كنت حاساه.
الممرضة دخلت تاني وهي بتعتذر إنها نسيت شنطتها. لكن أول ما شافتني منحنيّة جنب سلة الزبالة، عينيها راحت فورًا على البقعة الجديدة اللي بدأت تنتشر على الشاش، نفس الشاش اللي كانت لسه فاحصاه من كام دقيقة.
قالت
إيه اللي حصل؟
جوزي رد بسرعة
هي تعبت تاني. ده بسبب السرطان.
الممرضة فضلت باصة ليّا مباشرة.
وقالت
أنا بسألك إنتي.
جوزي كان واقف قريب مني لدرجة إني كنت حاسة برجله جنب رجل الكرسي اللي قاعدة عليه. واللاصق كان بيشد جلدي مع كل نفس، وطعم الأكل المر لسه في بقي.
كنت عارفة كويس جدًا هو عايزني أقول إيه.
بصيت للممرضة.
وبعدين بصيت لشنطتها اللي كانت جنب الباب.
وبصيت لإيد جوزي اللي كانت متدلية جنب فخده.
وبعدها بصيت ناحية باب الشقة.
وساعتها
بطلت أغطي عليه.
قلت بصوت ضعيف
هو زق راسي ناحية سلة الزبالة.
صوتي كان مهزوز بس لأول مرة من فترة طويلة، كان صوتي أنا.
وكملت
وضغط على مكان العملية بعد ما حضرتك مشيتي.
جوزي ضحك ضحكة قصيرة، كأني عملت له فضيحة على حاجة تافهة.
وقال
هي تعبانة وموجوعة. مش عارفة هي بتقول إيه.
الممرضة ماجادلتوش.
بدل كده، قربت مني وقعدت على ركبتها شوية عشان تبص على الشاش من غير ما تلمسه.
وقالت بهدوء
لما أنا مشيت، الشاش ده كان نضيف.
ودي كانت أول حاجة
ماقدرش يفسرها.
بس هو حاول برضه.
فضل يتكلم عن العشا.
وعن

الغثيان.
وعن قد إيه الأسابيع اللي فاتت كانت مرهقة علينا إحنا الاتنين.
كأنه بيحاول يقنعها إن التعب والإرهاق هم اللي خلّوا إيده توصل لجسمي.
الممرضة سابته يخلص كلامه.
وبعدين بصتلي وقالت
تحبي أفضل معاكي؟
قلت
آه.
كلمة واحدة.
بس الكلمة دي كانت كفاية.
فك جوزي اتشد.
الممرضة سألتني سؤال تاني، المرة دي ببطء أكتر
تحبي تفضلي لوحدك معاه دلوقتي؟
قلت من غير تردد
لأ.
جوزي قرب مننا وقال بعصبية
الموضوع كبرتوها أوي.
الممرضة وقفت.
ماعملتش محاضرة.
ومااتهمتوش بحاجة هي ماشفتهوش بعينيها.
هي بس أخدت شنطتها اللي كانت ناسيها، وبعدتها عنه وقربتها مني، وبعدين سألتني إذا كنت عايزة أخرج من الأوضة معاها.
طول الأسابيع اللي بعد العملية، كنت بحكم على كل قرار في حياتي بسؤال واحد
إيه اللي هيخلّي الساعة الجاية أسهل؟
هل هقدر آكل من غير ما أرجع؟
هل هقدر أخد دش؟
هل هقدر أنام من غير ما مكان العملية يوجعني؟
جسمي كان خلاني أتعود أفكر في حاجات صغيرة جدًا.
بس حتى الاختيارات الصغيرة
بتفرق.
قلت
آه. عايزة أروح معاكي.
جوزي بصلي كأني خالفت اتفاق سري بينا، لمجرد إني نطقت بالكلمتين دول قدام حد تاني.
قال
إنتي بجد هتعملي كده؟
الممرضة رفعت شنطتها وقالت بهدوء
هي جاوبت على السؤال.
حطيت إيدي على الكرسي، وحاولت أقف.
الألم شد تحت الشاش، وجع حاد خلاني أوقف في نص الحركة.
لكن الممرضة مدتلي دراعها، واستنتني أنا اللي أقرر آخد إيدها ولا لأ.
وأنا
مسكت دراعها.
جوزي اتحرك الأول.
وبعدين وقف بنفسه مباشرة بينا وبين باب الشقة.
وهنا
عرفت إن الموضوع لسه في أوله.
الفصل الأول الباب اللي ماكانش عايز يفتح
وقفت قدام باب الشقة وأنا ماسكة في دراع الممرضة بكل قوتي.
جوزي كان واقف قدامنا.
مش بيزعق.
مش بيهدد.
بس وقفته لوحدها كانت كفاية.
كان عارف إن اللحظة دي مختلفة.
طول الفترة اللي فاتت، كان دايمًا بيختار الوقت اللي أبقى فيه أضعف منه.
بعد ما الممرضة تمشي.
بعد ما أهلي يقفلوا التليفون.
بعد ما أولادي يناموا.
بعد ما أكون مرهقة من الألم لدرجة إني مش قادرة حتى أفكر.
لكن المرة دي
الممرضة كانت لسه هنا.
وهو ماقدرش يتحكم في كل حاجة.
قال وهو بيحاول يبتسم
إنتي رايحة فين؟
ردت الممرضة
هي محتاجة تتفحص في مكان تاني، وخصوصًا إن الجرح بدأ ينزف.
قال بسرعة
النزيف ده طبيعي مع حالتها.
بصتله.
أنا ماطلبتش تشخيص منك.
الكلمة وقعت عليه تقيلة.
وشه اتغير.
حاول يضحك.
أنا جوزها.
وأنا عارفة.
يبقى من حقي أعرف هي رايحة فين.
قالتها بهدوء
أكيد. بس من حقها هي كمان تختار.
بصلي.
نظراته كانت بتقول كلام أكتر من صوته.
إوعي تعمليها.
أنا فهمت.
ولأول مرة
ماخفتش من النظرة.
قلت
أنا عايزة أروح.
الممرضة هزت راسها.
طيب.
مدت إيدها ناحية مقبض الباب.
جوزي اتحرك.
خطوة واحدة بس.
الممرضة وقفت.
وقالت
لو سمحت، ابعد عن الباب.
دي مراتي.
وعشان كده المفروض تساعدها، مش تمنعها.
سكت.
وأنا خرجت.
أول ما رجلي لمست سلم العمارة، حسيت إني مشيت مسافة عمر كامل.
الهوا برا كان بارد.
رغم إن الوقت كان لسه العصر.
الممرضة ساعدتني أركب عربيتها.
وأول ما قفلت الباب، انفجرت في العياط.
مش عياط خوف.
ولا حتى عياط وجع.
كان عياط واحدة كانت ساكتة فترة طويلة جدًا.
قالت وهي قاعدة جنبي
ماتخافيش.
ضحكت وسط دموعي.
أنا خايفة من إيه؟
من كل حاجة.
بصيتلها.
أنا خايفة أرجع البيت.
هي ماقالتش حاجة.
بس فتحت شنطتها وطلعت تليفونها.
قالت
هنتصرف صح. بس لازم أعرف حاجة.
إيه؟
هل دي أول مرة يعمل فيكي كده؟
سكت.
السؤال كان بسيط.
لكن إجابته كانت محتاجة أفتكر حاجات كنت بدفنها جوايا.
افتكرت أول مرة شدني من دراعي.
قال وقتها إنه كان متعصب.
افتكرت لما زقني ناحية الحيطة وأنا بحاول أخرج من الأوضة.
قال إن أنا اللي استفزيتُه.
افتكرت مرة كنت تعبانة جدًا، وهو رفض يوديني للدكتور وقال
كل شوية دكتور ومستشفى إنتي مكبرة الموضوع.
افتكرت لما رجعت من جلسة العلاج وأنا مرهقة، لقيته بيقول لأخته في التليفون
هي بتستغل مرضها عشان تخلينا كلنا نخدمها.
وكنت سامعاه.
لكني عملت نفسي ما سمعتش.
بصيت للممرضة.
وقلت
لأ.
قالت
لأ إيه؟
مش أول مرة.
سكتت ثواني.
وبعدين قالت
تمام.
تمام إيه؟
تمام إنك قلتي الحقيقة.
في المستشفى، الدكتور فحص الجرح.
طلب تحاليل وأشعة، وسألني عن اللي حصل.
المرة دي ماكدبتش.
قلت كل حاجة.
مش بس اللي حصل النهارده.
حكيت عن المرات اللي قبل كده.
عن إن جوزي كان دايمًا موجود وقت الألم.
لكن بشكل غريب
الألم كان بيزيد لما أبقى لوحدي معاه.
الدكتور كان بيسألني
حد لمس مكان العملية؟
آه.
مين؟
جوزي.
كتب حاجة في الملف.
وبعدين رفع عينه.
هل هو عارف إن الضغط على المكان ممكن يسبب مضاعفات؟
هزيت راسي.
كان عارف.
متأكدة؟
أنا قلتله كذا مرة إن المكان بيوجعني.
الدكتور سكت.
وبعدين قال
إحنا هنحتاج نتصرف بحذر.
خرج من الأوضة.
الممرضة قربت مني.
وقالت
في حاجة تانية لازم تعرفيها.
إيه؟
طلعت تليفونها.
أنا لما رجعت البيت عشان الشنطة كنت فاتحة تسجيل الملاحظات الصوتية.
بصيتلها.
يعني؟
يعني تليفوني سجل جزء من اللي حصل.
قلبي وقف.
سجل إيه؟
قالت
مش كل حاجة. بس سجل صوته وهو بيقول إن السرطان هو اللي عمل كده.
فضلت باصة لها.
الكلمة دي كانت بالنسبة لي أغلى من أي دليل.
لأن لأول مرة
حد تاني سمعه.
بالليل، وأنا في المستشفى، تليفوني رن.
اسمه ظهر على الشاشة.
حسام.
بصيت للممرضة.
ما ردتش.
التليفون وقف.
وبعد ثواني رن تاني.
وبعدين رسالة.
إنتي فاهمة إنتي عملتي إيه؟
بعدها رسالة تانية
ارجعي البيت ونخلص الموضوع بهدوء.
وبعدها
إوعي تفضحيني.
فضلت باصة للرسائل.
الممرضة قالت
ماتمسحيش حاجة.
قلت
مش همسح.
رن تاني.
المرة دي كان أخويا.
رديت.
ألو؟
صوته كان متوتر.
إنتي فين؟
في المستشفى.
ليه؟
سكت.
حسام اتصل بيا وقال إنك تعبتي.
بصيت للممرضة.
وقلت
هو قالك إيه بالظبط؟
أخويا سكت.
وبعدين قال
قال إنك وقعتِ وإن الجرح فتح.
ضحكت بسخرية.
وقعت؟
آه.
وأنا وقعت لوحدي؟
إنتي قصدك إيه؟
لأول مرة
حكيت لأخويا الحقيقة.
من أول لحظة حصلت فيها الحكاية.
لآخر لحظة عند باب الشقة.
وفي آخر المكالمة، أخويا قال
أنا جاي لك.
بعد ساعتين، أخويا دخل المستشفى.
أول ما شافني، اتجمد.
قال
يا نهار أبيض
كان شايف الشاش.
وشايف وشي.
وشايف عيني اللي ماعدتش قادرة تخبي حاجة.
قعد جنبي.
ومسك إيدي.
ليه ماقلتيش؟
قلت
كنت بخاف.
منه؟
هزيت راسي.
ومن إن محدش يصدقني.
أخويا سكت.
وبعدين قال
أنا مصدقك.
الكلمتين

دول خلوني أعيط تاني.
بس المرة دي
عيطت وأنا حاسة إني مش لوحدي.
تاني يوم الصبح، الدكتور دخل ومعاه ملف.
قال
الجرح محتاج متابعة، لكن في حاجة أهم.
بصيتله.
إيه؟
التحاليل القديمة اللي جت مع ملفك فيها ملاحظات غريبة.
غريبة إزاي؟
فتح الملف.
في نتائج متغيرة عن الطبيعي بشكل مش متناسق مع التقارير اللي قبلها.
أخويا قال
يعني إيه؟
الدكتور رد
يعني محتاجين نراجع كل التحاليل من البداية.
سكت.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
هو في احتمال التشخيص نفسه يكون غلط؟
الدكتور قال
لسه بدري نحكم.
وبعدين قفل الملف.
بس أنا مش مرتاح لبعض التفاصيل.
بعد ما خرج، بصيت لأخويا.
قلت
حسام كان دايمًا بيصر إني مااحتفظش بنسخ من التحاليل.
أخويا رفع حاجبه.
ليه؟
كان بيقول إنها بتوترني.
سكتنا.
وبدأنا نفهم إن الحكاية يمكن أكبر من مجرد جوز بيؤذي مراته.
بعد يومين، طلبت من المستشفى نسخة من ملفي الطبي.
ولما استلمته
لقيت حاجة ناقصة.
تقرير معين.
تقرير من أول أسبوع بعد العملية.
سألت الموظفة.
قالت
التقرير موجود على النظام.
طيب ليه مش موجود في النسخة؟
قالت
يمكن الطبيب مااعتمدوش.
بصيت لأخويا.
هو بصلي.
وفي اللحظة دي
وصلت رسالة على موبايلي من رقم غريب.
لو عايزة تعرفي مين لعب في تحاليلك، دوري على اسم دكتور شريف منصور.
قلبي دق.
حسام كان طول الوقت بيقولي إن الدكتور اللي تابع حالتي بعد العملية اسمه شريف.
لكن
كان دايمًا بيقول إنه مجرد طبيب عادي.
رفعت عيني لأخويا.
وقلت
إحنا لازم نعرف شريف ده مين.
وفي نفس الليلة
حسام دخل المستشفى.
لوحده.
واقف عند باب الغرفة.
ماكانش شكله غاضب.
كان هادي.
هادئ بشكل يخوف.
قال
ممكن نتكلم؟
بصيت لأخويا.
وبعدين قلت
اتكلم.
دخل وقفل الباب.
وقال
أنا عارف إنك بتدوري ورايا.
سكت.
وعارف إن الممرضة قالتلك إنها سمعتني.
وبعدين قرب خطوة.
بس إنتي لسه مش عارفة الحقيقة كلها.
قلت
إيه الحقيقة؟
ابتسم.
إن السرطان اللي إنتي فاكرة إنك بتموتي منه
سكت ثواني.
ممكن أصلًا ما يكونش موجود.
الفصل الأول انتهى هنا
لأن السؤال اللي ضربني وقتها ماكانش
مين كان بيأذيني؟
لكن
مين أقنعني إني مريضة من الأساس؟
الفصل الثاني الحقيقة اللي كانت مدفونة
فضلت باصة لحسام كأني مستنية منه يضحك ويقول إن دي واحدة من ألاعيبه السخيفة.
بس هو ما ضحكش.
كان واقف قدام سريري، وشه هادي بشكل يخوف، وعينيه فيها نفس النظرة اللي شفتها كتير قبل كده… النظرة اللي كان بيبصهالي بيها كل ما أسأله سؤال مش عاجبه.
نظرة معناها إنتي مش فاهمة حاجة.
قلت بصوت مبحوح
يعني إيه السرطان ممكن ما يكونش موجود؟
حسام قرب خطوة.
يعني التحاليل اللي اتبني عليها كل اللي حصل… مش كلها سليمة.
قلبي دق بسرعة.
إنت عارف من إمتى؟
سكت.
حسام، سألتك عارف من إمتى؟
قال
من قبل العملية.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
قبل العملية؟!
هز راسه.
كنت شاكك.
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع.
كنت شاكك؟ وإنت سبتني أدخل عملية وأنا مرعوبة؟ سبتني أصحى من البنج وأنا فاكرة إني عندي سرطان؟
رد ببرود
كان لازم أتأكد.
تتأكد من إيه؟ من إني هموت؟
ما ردش.
دخل الدكتور شريف منصور في اللحظة دي.
أول ما شاف حسام، وقف عند الباب.
أنا طلبت منك تخرج.
حسام بص له.
دي مراتي.
الدكتور رد بهدوء
وعشان دي مراتك، لازم تحترم رغبتها. وهي طلبت قبل كده إني ما أخليهاش لوحدها معاك.
حسام بصلي.
لأول مرة شفت حاجة شبه الخوف في عينيه.
قال
إنتي مصدقة الراجل ده؟
بصيت للدكتور، وبعدها له.
أنا مش مصدقة حد.
سكت لحظة، وبعدين كملت
بس المرة دي… هصدق الورق.
الدكتور شريف ابتسم ابتسامة صغيرة.
وده أحسن قرار.
حسام خرج.
وأول ما الباب اتقفل، قلت للدكتور
عايزة أعرف كل حاجة.
قعد قدامي.
أنا راجعت التحاليل اللي كانت في ملفك.
ولقيت إيه؟
فتح الملف.
لقيت حاجات مش راكبة على بعض.
قلبي اتقبض.
زي إيه؟
التقرير الأول بيقول إن في كتلة مشتبه فيها. التقرير التاني بيتكلم عن نتيجة مختلفة. وفي تحليل اتعمل بعده بأيام النتيجة فيه شبه مطابقة لتحليل أقدم، بنفس الأخطاء الإملائية في الاسم.
بصيت له.
يعني؟
يعني ممكن يكون فيه تلاعب.
الكلمة وقعت عليا زي الحجر.
تلاعب.
فضلت ساكتة.
افتكرت كل مرة حسام كان بيقولي فيها
ما تشغليش دماغك.
أنا فاهم أكتر منك.
الدكتور قال كده.
الورق ده ملوش لازمة.
أنا هحتفظ بكل حاجة.
وفجأة كل الجمل بدأت تركب جنب بعض.
قلت
هو كان بياخد التحاليل مني.
الدكتور رفع عينه.
مين؟
حسام.
ليه؟
كان بيقول إني هتوه فيها.
سكت الدكتور.
وبعدين سأل
عندك نسخة من أي تقرير؟
هزيت راسي.
معايا موبايل قديم.
أخويا كان موجود بره، فناديته.
بعد دقائق جاب الموبايل.
فتحت الصور القديمة.
صور تحاليل.
صور أشعة.
إيصالات.
ووسطهم صورة تقرير كنت فاكرة إني مسحتها من زمان.
الدكتور قرب الموبايل منه.
وسكت.
قلت
في إيه؟
قال
التقرير ده مهم.
ليه؟
لأن التاريخ هنا قبل التاريخ اللي حسام قالك فيه إنك عرفتي بالتشخيص.
بصيت للشاشة.
وفعلا.
التقرير كان أقدم بحوالي شهر.
بس أنا وقتها ما كنتش أعرف أي حاجة.
قلت
يعني حد كان عارف قبلي؟
الدكتور رد
أو حد كان بيجهزك تسمعي الخبر.
حسيت بقشعريرة في جسمي.
بعدها أخويا قال
أنا مش فاهم.
الدكتور بص له.
إحنا محتاجين كل حاجة. كل ورقة، كل رسالة، كل تحويل بنكي، وكل رقم تليفون مرتبط بالمستشفى.
أخويا قال
ولو لقينا حاجة؟
الدكتور رد
ساعتها مش هنبقى بنتكلم عن شك.
سألته
هنتكلم عن إيه؟
قال
جريمة.
الكلمة خلتنا كلنا نسكت.
بعد يومين، خرجت من المستشفى على بيت أخويا.
مش بيتي.
بيت أخويا.
كنت واقفة قدام باب شقته وأنا ماسكة شنطتي الصغيرة، وببص للمفتاح اللي لسه في إيدي.
مفتاح بيتي.
البيت اللي دخلته وأنا عروسة.
البيت اللي عشت فيه سنين.
البيت اللي كنت فاكرة إنه أمان.
ما بقيتش قادرة ألمسه.
دخلت أوضة الضيوف، وقعدت على السرير.
أخويا حط شنطتي جنبي.
إنتي مش لوحدك.
بصيت له.
أنا كنت لوحدي وأنا عايشة معاه.
ما عرفش يرد.
بالليل، الموبايل رن.
رقم حسام.
ما رديتش.
بعت رسالة
إنتي كده بتغلطي في حق نفسك.
بعدها
أنا كنت بحاول أحميكي.
وبعدين
لو فتحتي موضوع التحاليل، إنتي اللي هتندمي.
قفلت الموبايل.
بس الرسالة الأخيرة فضلت في دماغي.
ليه كان خايف؟
من التحاليل؟
ولا من حاجة تانية؟
تاني يوم، الدكتور شريف طلب مني أروح معاه للمستشفى.
دخلنا غرفة صغيرة فيها ملفات.
قال
لقيت حاجة.
حط قدامي ملف.
ده ملفك الأصلي.
فتحت الملف.
أول ورقة كانت نتيجة تحليل.
بس الاسم مش اسمي.
اتجمدت.
ده مين؟
الدكتور قال
مش عارف.
قلبنا الصفحات.
ورقة ورا ورقة.
أسماء مختلفة.
تواريخ مختلفة.
لكن في كام ورقة عليها نفس رقم الملف.
رقمي.
قلت
إزاي؟
الدكتور قال
وده السؤال.
في اللحظة دي، دخلت ممرضة قديمة كانت شغالة في القسم وقت ما بدأت علاجي.
بصتلي.
وبعدين للدكتور.
وقالت
أنا كنت مستنية اليوم ده.
سألتها
ليه؟
قالت
عشان كنت عارفة إن فيه حاجة غلط.
قلبي بدأ يخبط.
إنتي عارفة إيه؟
بصت حوالين منها، وبعدين قالت
جوزك كان بييجي هنا لوحده.
إمتى؟
قبل مواعيدك.
وبيعمل إيه؟
كان بيقابل دكتور معين.
الدكتور شريف سأل
مين؟
قالت الاسم
دكتور شريف منصور.
أنا بصيت للدكتور اللي واقف قدامي.
اتجمدت.
إنت؟
الدكتور هز راسه.
لا.
الممرضة كملت
مش الدكتور اللي قدامك.
سكتت لحظة.
كان دكتور تاني… اسمه شريف منصور برضه.
الدكتور الحالي عقد حاجبيه.
في دكتور بالاسم ده؟
الممرضة قالت
كان موجود فترة قصيرة.
الدكتور شريف سألها
واختفى إمتى؟
بعد ما بدأ التحقيق في ملفات المرضى.
حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.
قلت
يعني في حد استخدم اسمك؟
الدكتور بصلي.
واضح إن الموضوع أكبر مما كنا فاكرين.
في نفس الليلة، أخويا رجع البيت ومعاه ظرف.
حطه قدامي.
ده كان في صندوق بريدك القديم.
فتحته.
جواه فلاشة صغيرة.
وورقة مكتوب عليها
شغليها لوحدك.
أخويا قال
أنا هفضل معاكي.
هزيت راسي.
وصلنا الفلاشة باللاب توب.
ظهر فيديو.
حسام.
قاعد في مكتب.
قدامه راجل مش واضح وشه.
وسمعت صوت حسام
هي لازم تفضل مقتنعة إن حالتها خطيرة.
الراجل قال
ولحد إمتى؟
حسام رد
لحد ما تخلص كل الإجراءات.
اتجمدت.
إجراءات إيه؟
الفيديو كمل.
الراجل قال
ولو بدأت تشك؟
حسام ضحك.
هخوفها.
ولو راحت لدكتور تاني؟
هقول إن كل الدكاترة اللي بره مش فاهمين حالتها.
إيدي بدأت ترتعش.
لكن اللي بعده كان أسوأ.
الراجل قال
والعملية؟
حسام سكت شوية.
وبعدين قال
العملية كانت ضرورية عشان نخلق مستندات جديدة.
صرخت
يا نهار اسود!
أخويا وقف.
يعني إيه نخلق مستندات؟
الفيديو وقف.
لكن كان فيه ملف تاني.
فتحناه.
صور عقود.
توقيعات.
وأسماء شركات.
وفي آخر صفحة…
كان اسمي.
أنا.
باسمي الكامل.
وتوقيعي.
على تنازل عن كل ممتلكاتي لصالح شركة ما سمعتش عنها في حياتي.
بصيت لأخويا.
أنا ما مضيتش.
قال
واضح.
بس التوقيع ده…
قرب من الشاشة.
متقلقش.
بصيت له.
قال
ده مش توقيعك.
لأول مرة من يوم ما بدأت الكارثة، حسيت إن في حاجة ممكن تنقذني.
لكن بعدها ظهر ملف أخير.
عنوانه
المرحلة الأخيرة.
فتحناه.
وكان جواه موعد.
بعد ثلاثة أيام.
ومكان.
وملاحظة قصيرة
بعد نقل الملكية، يتم إنهاء الموضوع.
سألت
إنهاء

موضوع إيه؟
أخويا بصلي.
ووشه اتغير.
أنا مش عارف.
في اللحظة دي، جالي اتصال من رقم مجهول.
رديت.
صوت راجل قال
لو عايزة تعيشي، ما تروحيش الموعد.
قلت
مين؟
قال
واحد حاول يساعدك وفشل.
وقفل.
بصيت لأخويا.
وقلت
أنا هروح.
صرخ
إنتي اتجننتي؟!
قلت
لأ.
وبصيت للشاشة.
أنا رايحة عشان أعرف هما عايزين يعملوا فيا إيه.
اليومين اللي بعدهم كانوا أصعب يومين في حياتي.
مش عشان كنت خايفة.
لأ.
عشان لأول مرة، الخوف بقى واضح.
قبل كده كنت بخاف من حاجة مش فاهمها.
دلوقتي بقيت عارفة إن في ناس بتحاول تسرق حياتي.
وصحتي.
ومستقبلي.
ويمكن حياتي نفسها.
لكن كان عندي حاجة ما كانتش عندي قبل كده.
دليل.
الدليل بيخلي الإنسان أقوى.
حتى لو كان ضعيف.
في اليوم المحدد، رحت للمكان.
بس ما رحتش لوحدي.
أخويا كان بعيد عني، والدكتور شريف كان متابع كل حاجة، والنسخة الأصلية من الملفات كانت محفوظة في مكان آمن.
دخلت المبنى.
لقيت حسام مستنيني.
أول ما شافني، ابتسم.
كنت عارف انك هتيجي.
قلت
وأنا كنت عارفة إنك هتكون هنا.
ضحك.
لسه عنيدة.
ولسه كداب.
ابتسامته اختفت.
قال
إنتي مش فاهمة الصورة.
فهمني.
سكت.
يلا يا حسام. فهمني.
قرب مني.
كل اللي عملته كان عشان أحمي مستقبلنا.
ضحكت.
مستقبلنا؟
أيوه.
اللي فيه إني أعيش وأنا فاكرة إني بموت؟
ما كانش عندي اختيار.
كان عندك.
بصيت في عينه.
كان عندك اختيار كل مرة ضربتني فيها. كل مرة خوفتني. كل مرة أخدت فلوسي. كل مرة منعتني أسأل الدكتور. كل مرة كذبت.
سكت.
قلت
بس أكتر حاجة كان عندك فيها اختيار… إنك ما تأذينيش.
وجهه اتغير.
إنتي بتلعبي بالنار.
قلت
أنا؟
ضحكت.
إنت اللي ولعت النار.
في اللحظة دي، الباب اتفتح.
دخل الراجل اللي كان في الفيديو.
عرفته.
مش من وشه.
من صوته.
هو نفسه.
وقف قدامنا.
وقال
كفاية.
بصيت له.
إنت الدكتور؟
قال
أنا دكتور فعلا.
وشريك حسام؟
سكت.
فقلت
يبقى آه.
حسام قال
إنتي ما كانش المفروض تعرفي.
قلت
بس عرفت.
طلع ملف.
الملكية اتنقلت.
قلت
لأ.
ابتسم.
إنتي ماضية.
قلت
التوقيع مزور.
سكت.
والتحاليل مزورة.
وشه اتغير.
والتسجيل موجود.
بصيت لحسام.
والفيديو عندي.
حسام اندفع ناحيتي، لكن أخويا ظهر من الباب في اللحظة المناسبة.
وراه رجال من الشرطة.
الراجل حاول يرجع للخلف.
لكن اتقبض عليه.
حسام فضل واقف.
بيبصلي.
ولأول مرة ما كانش شايفني ست مريضة.
ولا ضعيفة.
ولا خايفة.
كان شايفني خصم.
قال
إنتي هتندمي.
قربت منه.
وقلت بهدوء
أنا ندمت فعلًا.
سكت.
ندمت إني صدقتك.
التحقيقات استمرت أسابيع.
اكتشفوا إن فيه شبكة بتستخدم بيانات مرضى وملفاتهم في تزوير مستندات واستغلال حالاتهم الصحية.
وحسام كان داخل فيها.
لكن المفاجأة الأكبر كانت إن الدكتور اللي ظهر في الفيديو ما كانش مجرد شريك.
كان هو اللي بدأ الخطة من الأساس.
أما حسام…
فكان عليه ديون ضخمة.
وكان محتاج ينقل ممتلكاتي عشان يسددها.
والسرطان؟
ما كانش موجود بالشكل اللي اتقال لي.
كان فيه مشكلة صحية حقيقية احتاجت متابعة وعلاج، لكن التشخيص اتضخم واتزوّر واتستخدم عشان يخوفوني ويخلوني أوافق على حاجات وأنا مش في كامل قدرتي على التفكير.
أما العملية، فكانت حصلت بالفعل.
لكن تفاصيلها والإجراءات اللي بعدها كانت جزء من التلاعب.
ولما الدكتور شريف راجع كل الملفات، قدر يثبت إن التقارير اللي اتبنت عليها بعض القرارات ما كانتش سليمة.
بعد شهور، وقفت قدام المراية.
وشي اتغير.
جسمي اتغير.
لكن عيني…
عيني كانت مختلفة.
زمان كنت ببص في المراية وأسأل
هو أنا هعيش؟
دلوقتي كنت بسأل
هعمل إيه في حياتي؟
والفرق بين السؤالين كان أكبر من أي حاجة.
دخل أخويا الأوضة.
قال
الدكتور شريف مستنيكي.
ابتسمت.
جايه.
قال
مستعدة؟
بصيت لنفسي.
أكتر من أي وقت.
في العيادة، الدكتور شريف حط قدامي الملف.
قال
كل النتائج الجديدة مطمئنة.
سكت لحظة.
ومفيش أي دليل حالي على وجود السرطان اللي اتقالك عليه.
غمضت عيني.
مش عشان أبكي.
عشان أتنفس.
لأول مرة من شهور، أخدت نفس من غير ما أحس إن الموت واقف مستنيني.
قلت
يعني أنا هعيش؟
ابتسم.
كلنا هنعيش يوم بيوم. بس أيوه، وضعك الحالي مطمئن.
ضحكت.
ضحكة حقيقية.
مش الضحكة اللي كنت بضحكها عشان ما أخوفش اللي حواليا.
بعد فترة، رفعت قضية طلاق.
ما كانش القرار سهل.
لكن كان واضح.
لأني أخيرًا فهمت إن الخوف مش سبب كفاية يخلي الإنسان يفضل في مكان بيؤذيه.
حسام حاول يبعتلي جوابات.
حاول يعتذر.
مرة قال إنه كان مضغوط.
مرة قال إنه كان بيحبني.
مرة قال إنه كان خايف أخسره.
ولا مرة قال الحقيقة كاملة.
ولا مرة قال
أنا أذيتك.
لحد ما في آخر جواب، كتب جملة واحدة
أنا خسرتك.
قرأت الجملة.
وقلت لنفسي
لأ.
ومزقت الورقة.
إنت ما خسرتنيش.
أنا اللي نجيت منك.
بعد سنة، رجعت لنفس المستشفى.
مش كمريضة.
كنت رايحة أزور الممرضة اللي وقفت جنبي في أصعب لحظة.
لقيتها في مكتبها.
أول ما شافتني، قامت حضنتني.
قالت
أنا كنت خايفة عليكي.
قلت
وأنا عمري ما هنسى إنك رجعتي.
قالت
لو كنت مشيت يومها…
قاطعتها
بس إنتي ما مشيتيش.
ابتسمت.
ودي كانت البداية.
وفي يوم، كنت قاعدة في البلكونة.
الشمس داخلة على وشي.
قدامي فنجان قهوة.
وموبايل ساكت.
مافيش حسام.
مافيش رسائل تهديد.
مافيش مواعيد مستشفى مرعبة.
مافيش حد بيقولي
إنتي مريضة.
ولا
إنتي مش فاهمة.
ولا
أنا أعرف مصلحتك أكتر منك.
لأ.
لأول مرة، أنا اللي أعرف مصلحتي.
أنا اللي أقرر.
أنا اللي أقول لأ.
وأنا اللي أقول كفاية.
مسكت الورقة اللي فيها نتيجة الفحص الأخير.
بصيت عليها.
وبعدين حطيتها جنب باقي الأوراق.
مش لأنها أهم حاجة في حياتي.
لكن لأنها كانت دليل على حاجة اتعلمتها بالطريقة الصعبة
مش كل حد بيقول إنه بيحميك بيكون بيحميك.
ومش كل حد بيقول إنه بيحبك بيكون بيحبك.
وفي أوقات…
أكبر نجاة في حياة الإنسان بتبدأ من لحظة واحدة.
لحظة يبطل فيها يصدق الشخص اللي بيخوفه.
ويبدا يصدق نفسه.
أنا ما كنتش ضعيفة.
أنا بس كنت محاصرة.
ولما الباب اتفتح…
ما رجعتش أدخل.
خرجت.
ولأول مرة في حياتي…
قفلت الباب ورايا.
ومشيت.
من غير ما أبص ورايا.
لأني أخيرًا فهمت إن حياتي مش ملك لحد.
لا جوز.
ولا دكتور.
ولا أهل.
ولا خوف.
حياتي ملكي أنا.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى