فرح سيلفي 2

ولما حانت لحظة الخروج والتوجّه إلى المطار، وقفت سعاد عند الباب، ترتدي أجمل ثيابها، وتمسك في يدها قارورة ماء ورد رشّت منها على أيدينا وهي تقول بابتسامتها المعهودة: “مودعين برعاية الله وحفظه، لا تنسونا من صالح دعائكم هناك عند الملتزم وفي طوافكُم! وترجعوا تملوا علينا البيت بركة ونور!”
خرجنا من باب العمارة وسط دعوات الأهل والجيران، بينما كانت أصوات الزغاريد والتهاني تتردد في الشارع كله. انطلقت بنا السيارة ونحن ننظر إلى خلفنا نرى سعاد وحمايا وبقية العائلة يقفون صفاً واحدًا، يلوحون بأيديهم ووجوههم تفيض بالمحبة والرضا.
كانت هذه الرحلة بداية لفصل جديد كلياً، فصل ملؤه الإيمان والسكينة بعد طول ابتلاء وتماسك أسري ثاقب، غير أن العودة من الحجاز كانت تخبئ مفاجأة سارة أخرى لم تكن يخطر على بال أحد في العائلة.
مرّت الأيام المباركة في رحاب مكة والمدينة كأنها لحظات خاطفة من النعيم. طُفنا بالبيت العتيق، ووقفنا بجمال الرحمات على أرض عرفات، ورأينا الأنوار في الروضة الشريفة. لم تغب “سعاد” والبيت العتيق عن بالي ودعائي في كل سجدة وعند كل شوط؛ كنت أدعو الله أن يديم علينا هذا الستر، وأن يجزي سعاد عن صفاء نيتها وطيبة قلبها خير الجزاء، وأن يجعل هذا البيت حصناً منيعاً بالحب والود لا تطاله أيدي العابثين مجدداً.
وعندما حان موعد العودة، كانت قلوبنا تسبق أجسادنا إلى الشارع والبيت الذي غادرناه وهو ينبض بالسلام.
وما إن توقفت السيارة أمام باب العمارة في ساعة عصر مشمسة، حتى وجدنا الشارع قد تغيرت ملامحه؛ زينة معلقة، ورائحة البخور تملأ المكان، وأصوات التكبير والتناشيد تتردد من مكبرات الصوت. خرج حمايا يتقدم الرجال بابتسامته المهيبة، وشريف ورضوى وسلفي الكبير يرحبون بنا بأحضان دافئة ودموع الفرح تملأ الأعين.
أما سعاد.. فقد كانت تقف في منتصف الصالة، ترتدي عباءة بيضاء جديدة، وتضع على وجهها تلك الابتسامة الصافية التي أضاءت البيت لسنوات. وما إن وطأت قدمي الشقة، حتى رفعت يديها وأطلقت زغروطة طويلة، مبهجة، واهتزت لها جدران الشقة وأركانها:
“لولولولولولولولولوي! حمداً لله على سلامتكم يا حجاج بيت الله! نورتوا بيتكم ورجعتوا لنا بالبركة والنور والسرور!”
ارتفعت الأصوات بالتهليل، وجاءت سعاد ونفذت وعدها القديم؛ احتضنتني جامدًا وقالت وهي تضحك ضحكتها الرنانة: “رديتها لك أهو زي ما وعدتك وأكتر! نورتي بيتك يا أختي يا حبيبتي!”
جلسنا جميعاً في الصالة الكبيرة، وحولنا هدايا الحجاز والمياه المباركة، وسادت المكان حالة من السكينة والارتياح اللامحدود. لم يكن هناك أثر لغل، ولا حسد، ولا حقد؛ لقد طهر الله هذا البيت تماماً، وخرج منه كل من يحمل في قلبه شراً، واستقر فيه من يملك النية الصافية فقط.
نظر حمايا إلينا جميعاً، وكان وجهه يفيض بالرضا والوقار، وقصّ علينا المفاجأة السارة التي كانت تنتظرنا؛ فالورشة توسعت وفتحت فرعاً جديداً باسم العيلة، وشريف ورضوى رزقهما الله بالحمل المبارك، وسعاد افتتحت مشروعها الصغير للمأكولات المنزلية لتوزع منه على الفقراء والمحتاجين قبل أن تبيع منه للمقربين.
تبسمت سعاد وقالت بنبرتها الفرفوشة المعتادة: “أصل يا جماعة البيت ده مبني على الفرفشة والنية الطيبة، والنية الطيبة دي زي البذرة الصالحة، لو اتسقت بماء الود والجدعنة تطرح خير وما تموتش أبداً!”
أمّن الجميع على كلامها، وتأملت في كل ما مررنا به من محن وأزمات؛ من غيرة نرمين ومكرها، إلى المحاكم والقضايا والكيد الخبيث. وعرفت حينها الحكمة الكبرى التي يتلخص فيها سر هذه العائلة:
الحكمة:
إن القلوب الصافية والنيات الطيبة قد تُبتلى بالشرور والفتن، وقد تحاول النفوس المريضة كسر فرحتها أو تلويث ناصيتها، لكن المعدن الأصيل لا يصدأ، والبيت المعمور بالذكر والشهامة لا تهدمه أفاعي الغل. الفرفشة والضحك والجدعنة ليست مجرد قشور، بل هي قوة ورضا بالقدر وثقة مطلقة بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. والظلم مهما أظلم ليله، فإن فجر الحق لا بد أن يشرق ليجعل كيد الخائنين في نحورهم، ويبقى أهل الود والصفاء هم الفائزين في النهاية.
عاشت العائلة في رغد وأمان، وظلت زغاريد سعاد تتردد في جنبات البيت، تذكرنا دائماً بأن السعادة قرار، وأن الحب هو المحرك الأقوى الذي يحمي بيوتنا من كل سوء.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


