فرح سيلفي 2

جلست مع ابنة سعاد الكبيرة—وكانت صبية عاقلة وذكية—في الشقة بالأسفل بعدما نام الجميع. كانت البنت تبكي على أمها التي رفضت الأكل والشرب وأغلقت على نفسها. قالت لي البنت وهي تمسح دموعها: “يا مرت عمي، أمي مظلومة. أنا كنت معاها في المطبخ لما كانت نرمين بتتحرك حوالين التلاجة قبل ما تصرخ بساعة. نرمين دخلت بحجة إنها بتشرب مية، وكانت واقفة عند التلاجة ومدت إيدها لجيب روبها وأنا شفتها بعيني بس ما حطيتش في بالي إنها بتعمل مصيبة!”
قفزت من مكاني وقلت لها: “أنتِ شفتيها يا بنتي؟”
ردت البنت: “أيوة، شفتها بتمد إيدها ورا المنظمات، ولما بصيت لها ارتبكت وقالتلي: ‘هو أنتوا حاطين المربى فين؟’ وسابت المطبخ وخرجت بسرعة.”
هنا أضاءت الشرارة في عقلي. الحق لا بد أن يظهر، والسكر الذي حلا حياتنا لا يجوز أن يتدنس بمرارة الغل. لكني كنت أعلم أن الكلام الشفهي لن يقنع شريف الذي أعمته نرمين. كان لا بد من دليل قاطع يقطع دابر هذه الفتنة من جذورها.
تذكرت شيئاً هاماً للغاية! حمايا، خوفاً على البيت وعلى مدخل العمارة والمطبخ الخارجي المطل على السلم، كان قد ترك كاميرا مراقبة صغيرة كان ابن عمي قد ركبها له فوق زاوية السقف القريبة من باب المطبخ لتأمين الشقة بعد حادثة سرقة قديمة في الشارع. لم يكن أحد يتذكر وجود هذه الكاميرا لأنها كانت صغيرة ومغطاة بفرع ديكور بلاستيكي زاهي، حتى نرمين نفسها لم تكن تعلم بوجودها!
ركضت فوراً إلى حمايا في ساعة متأخرة من الليل. وجدته قاعداً على سجادة الصلاة يدعو الله أن يظهر الحق ويؤلف بين القلوب. جلست عند قدميه وقلت له بنبرة محترقة: “يا عمي، سعاد مظلومة، والبيت ده هيتخرب لو سكتنا. افتكر معايا.. الكاميرا اللي فوق باب المطبخ الشغالة على تليفونك.. هي لسة شغال؟”
رفع حمايا رأسه وفجأة أضاءت في عينيه أمل حذر. مسك هاتفه بيدين ترتجفان، وظل يفتح التطبيق الخاص بالكاميرا المربوطة بالذاكرة الداخلية. كنا نقتطع الثواني والدقائق والوقت يمر كأنه دهر. فتح حمايا تسجيلات اليوم، وبدأنا نرجع الشريط إلى الساعة التي سبقت الصراخ.
وهناك.. ظهرت الحقيقة كاملة في مقطع فيديو واضح كالشمس!
ظهرت نرمين وهي تتسلل إلى المطبخ بخطوات خفيفة كالثعلب، تنظر حولها يميناً وشمالاً للتأكد من خلو المكان. أخرجت الغويشة الذهب من جيب روبها الداخلي، ودسّتها بانتفاء ودقة خلف منظمات الثلاجة التي وضعناها بحب، ثم نظرت إلى المكان برضا خبيث، وخرجت مسرعة لتستعد لإطلاق مسرحيتها الحقيرة أمام الجميع!
أجهش حمايا بالبكاء من هول ما رأى، ليس فقط فرحاً ببراءة سعاد، بل صدمة من حجم الغل والشر الذي دخل بيته في جلباب عروس جديدة. قال بصوت يرتجف من الغضب: “الله أكبر.. ظهر الحق وزهق الباطل. تعالي معايا يا بنتي.”
في الصباح الباكر، وقبل أن تشرق الشمس بضيائها الكامل، أمر حمايا بجمع العيلة كلها في الصالة الكبيرة. أرسل في طلب شريف ونرمين للنزول فوراً، ودعا سلفي الكبير وسعاد لتخرج من غرفتها. خرجت سعاد ووجهها شاحب، والدموع جفت على خديها، لكنها كانت تضع شالها على رأسها بعزة نفس وكبرياء.
جلس شريف بدلف وجفاوة، ونرمين بجانبه تتصنع الحزن والكسرة وتلعب بالغويشة في يدها. قال شريف بقلة صبر: “خير يا أبا؟ جمعنا على الصبح ليه؟ الموضوع وانتهى والدهب اتقبض عليه!”
وقف حمايا، ولم يقل كلمة واحدة. أخذ هاتفه المحمول، وربطه بشاشة التلفزيون الكبيرة في منتصف الصالة، وأعرض الفيديو أمام أعين الجميع.
انكشفت الشاشة، وظهر المطبخ.. وظهرت نرمين!
رأى الجميع—شريف، وسلفي الكبير، وسعاد، وأنا، والجميع—كيف أخرجت نرمين الغويشة من جيبها وكيف خبأتها بنفسها وراء منظمات الثلاجة، ثم كيف اصطنعت الخوف والدموع.
ساد القاعة صمت كصمت القبور.
نرمين تحول وجهها في ثوانٍ من اللون الأبيض إلى اللون الأصفر ثم الأسود، وتجمدت حركتها كأنها ضُرِبت بالكهرباء. الغويشة سقطت من يدها على السجادة بصوت رنان. أما شريف، فبدأت عيناه تتسعان بالهول والصدمة، ينظر إلى الشاشة ثم ينظر إلى زوجته التي وثق بها وباع لأجلها أهله وأخاه وسعاد.
قام شريف من مكانه كالكهرباء، ونظر إلى نرمين بنظرة مليئة بالاحتقار والذهول، وقال بصوت يرتجف: “أنتِ.. أنتِ تعملي كدة؟ تتبلي على مرات أخويا وتوسخي سمعة البيت عشان غلك وغيرتك؟”
بدأت نرمين تتلعثم وتصرخ بالبكاء الهستيري: “يا شريف أفهمك.. والله كنت بحس إنهم بيكرهوني.. كانوا بيعاملوني بقلة قيمة وسعاد مسيطرة..”
لم يدعها حمايا تكمل. وقف بعنف وقال بصوت هز أركان البيت: “اسكتي خالص! أنتِ دخلتي البيت ده بالخير والأصول، لكن طلعتي أفعى عاوزة تبخي سمك في السمن والعسل اللي كنا عايشين فيه! البيت ده الشريف المليان بالحب والعمار ما يشيلش واحدة خاينة ومفتريّة زيك!”
التفت شريف إلى سعاد، وجثا على ركبتيه أمامها وهو يبكي بدموع الندم والتقصير، ويداه ترتجفان: “سامحيني يا سعاد.. سامحيني يا أختي الكبيرة.. الشيطان أعمى عيني وصدقت الفتنة.. اركبي على راسي وحقك عليا قدام الكل!”
سعاد، التي كانت تحمل قلباً كالصفاء، نظرت إلى شريف، ثم نظرت إلى نرمين المنهارة، والدموع انهمرت من عينيها مجدداً، لكن هذه المرة كانت دموع الارتياح ورد الاعتبار. رفعت شريف من الأرض وقالت له بقلب الأم والأخت: “مسامحاك يا شريف.. أنت ابن البيت ده ومتربي فيه، بس اعرف إن الظلم ظلمات، وإن الفرفشة والضحك اللي كنا بنضحكهم كانوا بصفاء نية، مش بتغفيل لحد.”
أما نرمين، فقد صدر القرار الحاسم بشأنها في نفس اللحظة؛ أخذها شريف من يدها وردها إلى بيت أهلها مجرورة بالخيبة والعار، معلنين أن هذا البيت لا يدخله إلا صاحب النية الطيبة والقلب النظيف.
وبعد أيام قليلة، وبعدما زالت الغمة وتطهرت النفوس من السموم، رجع الهدوء لبيتنا. اجتمعنا كلنا في المطبخ من جديد حول التلاجة الكبيرة. أخرجت سعاد من جيبها زغرودة رجت حوائط الشارع كله: “لولولولولولولولولوي! ربنا يكفينا شر النفوس الخبيثة ويجعل بيتنا ديماً عامر بالضحك واللمة الحلوة!”
ضحك الجميع من قلوبهم، وعادت البهجة تملأ أركان البيت، وأيقن الجميع أن السكر الفرفوش لا يمكن لمرارة الغل أن تفسده، وأن الحق مهما أظلمت عليه الأيام، لا بد أن يشرق بنوره ليحمي القلوب الصافية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
مرّت الأيام بعد تلك الليلة الفاصلة، وخرجت نرمين من البيت مجرورة بجريرة فعلتها، وظن الجميع أن الصفحة أُغلقت للأبد وأن العاصفة استكانت. لكن النفوس المتروسة بالغل لا تترك ساحة المعركة بسهولة، خاصة إذا كان كبرياؤها قدُحِق أمام عائلة كاملة.
بدأت الشائعات تتردد في الحي ومنطقة السكن. كانت نرمين وأهلها يبثون الكلام في كل مكان: “عائلة فلان طردوا بنتنا وافتروا عليها وعملوا لها فبركة فيديوهات عشان يأكلوا مؤخرها وحقها!” كان شريف يعود كل ليلة متكدر الوجه، يقع بين نارين: نار كرامته التي أُهينت بخدعة زوجته، ونار ضغوط أهلها والقضايا التي بدأوا يهددون برفعها في المحاكم (تبديد طلاق، وقائمة منقولات ومؤخر)، مما جعل شريف يسير في البيت كأنه ظل لرجل، متوترًا ومشتت الذهن.
كانت سعاد تلاحظ ذبول سلفها الصغير. ورغم كل ما حدث، لم تحمل في قلبها غلاً. كانت تقف في المطبخ، تضع صينية الشاي المعتادة وتستعد لإطلاق زغروطة لخروج ولدها نجاحًا في الامتحان، لكنها لما رأت شريف يدخل مكشّرًا ومهمومًا، سكتت وسحبت كرسياً وقعدت أمامه.
قالت له بنبرة دافئة تحمل حنان الأخت الكبيرة: “مالك يا شريف؟ وشك شايل هموم الدنيا ليه يا بني؟”
رد شريف بصوت مكسور: “تعبان يا سعاد.. أهل نرمين رافعين عليا قضايا بمبالغ خيالية، وطالبين القائمة والمؤخر المكتوب، وبيقولوا في المنطقة إننا ناس مفترين وظلَمنا بنتهم. أنا سمعتي وسمعة البيت بقت على كل لسان، ومش عارف أتصرف كيف ولا أدفع المبالغ دي منين، وأنا حاسس إني السبب في كل اللخبطة دي.”
طبطبت سعاد على كتفه وقالت بصوت قوي فيه نخوة أولاد البلد: “ولا تشيل هم حاجة! البيت ده طول عمره منصور بالحق، واللي يقصدنا بشر ربنا بيكشفه. أنت أخونا الصغير، ولو الدنيا كلها وقفت ضدك، إحنا ضهرك.”
في اليوم التالي، فاجأتنا سعاد بحركة لم تكن في الحسبان. أخرجت من صندوقها الخاص دفتر توفير قديم وبعض قطع الذهب البسيطة التي كانت تدخرها لزواج ابنتها الكبيرة، وقدمتها لحمايا وزوجها وقالت: “المحامي يترفع، والقضايا تتقفل بالكامل، والبت دي تأخد حاجتها بالقرش والمقاس عشان ما يبقاش لها عين تتكلم ولا تتبلى على سمعة البيت ثاني. حق شريف وكرامته من كرامتنا كلنا!”
وقف حمايا مشدوهًا من شهامة سعاد وجدعنتها التي لا تنتهي، أما زوجها فنظر إليها بفخر واعتزاز ورأس مرفوع. بالفعالية والسرعة، تكاتفت العائلة؛ تم توكيل محامٍ كفء، وأُرفق المقطع الموثق مع المحاضر الرسمية للرد على ادعاءات أهل نرمين ومحاولات الابتزاز المالية.
ولم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد؛ ففي جلسة الصلح والتفريغ التي حضرتها أطراف العائلتين في مقر كبير المنطقة ومحكمها العرفي، حاول والد نرمين التباهي والتطاول وادعاء مظلومية بنته. هنا قامت سعاد، بكل شموخ وهدوء، وأخرجت فلشّة مدمجة عليها الفيديو بدقة عالية، وتم عرض مقطع التسلل والافتراء أمام كبار العائلات والشهود!
سقطت أقنعة الزيف كليًا. خيم الخزي على والد نرمين وأقاربها، وتلعثموا ولم يجدوا حرفًا واحدًا يدافعون به عن فعلة ابنتهم. واضطروا تحت ضغط الحقيقة والشهود العرفيين إلى التنازل عن القضايا الكاذبة واستلام المنقولات الخاصة بها فقط دون أدنى افتراء أو زيادة، وخرج شريف من تلك الأزمة مرفوع الرأس دون أن يُظلم أو يُبتز.
عادت المياه إلى مجاريها بشكل أعمق وأقوى مما كانت عليه. شريف عرف قيمة أهله وادرك أن “الضحك والفرفشة” في هذا البيت لم تكن مجرد قشور، بل كانت غطاءً لقلوب نبتت على الجدعنة، والشهامة، والأصل الطيب.
وفي ليلة جمعة مباركة، تجمعت العائلة كلها في الصالة الكبيرة. حمايا يجلس في الصدارة، وأبناء سعاد يضحكون، وأنا وزوجي نشاركهم الجلسة، وشريف يجلس بيننا مبتسمًا بعد أن زالت عن كاهله الغمة.
دخلت سعاد من المطبخ وهي تحمل صينية كيكة كبيرة صنعتها بنفسها، وقفت في منتصف الصالة، ونظرت إلينا جميعًا بعيون تلمع بالحب والأمل، ثم رفعت يدها وأطلقت زغروطة مدوية هزت أركان الشارع كله:
“لولولولولولولولوي! مبروك علينا رجوع الحق، ومبروك علينا اللمة التي ما يكسرهاش غل ولا ينغصها حسود!”
ضحك الجميع من أعماق قلوبهم، وسادت حالة من البهجة والارتياح، لكن النظرات في عيون الجميع كانت تقول إن رحلة هذه العائلة مع أزمات الحياة ومفاجآتها لم تنتهِ بعد، وأن الأيام ما زالت تخبئ الكثير تحت سقف هذا البيت العامر.
مرّت شهور على انتهاء أزمة نرمين، وبدا أن البيت استرد أنفاسه وأمانه. عادت الضحكة تصدح في الصالة، وسعاد كعادتها تنشر البهجة في كل ركن، تزغرد لأصغر المناسبات وتملأ القعدة بالدفء والجدعنة. غير أن الأيام، كما هي عادتها في البيوت الكبيرة، لا تستقر على حال واحد لزمن طويل.
في صباح يوم جمعة، وبينما كنا نعد الفطور الجماعي في المطبخ وسعاد تتغنى بأمثالها الشعبية الطريفة وتوزع أطباق الفول والعمية، دخل شريف الصالة بخطوات ثقيلة ووجه شاحب، يمسك في يده مظروفاً أصفر رسمياً. جلس على أقرب كرسي ودون أن يتكلم كلمة واحدة، وضع المظروف على الطاولة أمام حمايا.
ساد الصمت المطبخ فجأة. خرجت سعاد وأنا خلفها واستفسر حمايا بنبرة قلقة وهو يضع نظارته القراءة: “خير يا شريف؟ المظروف ده فيه إيه يا بني؟”




