فيزا 1

فريدة قالت ببرود: “التقرير الطبي متوثق بالصور وبالوقت يا حلوة.. وقبل ما العفش يتحرك، كان نجار المباحث ورجالة النجدة هنا وشافوا بقايا كنكة القهوة المتدشدشة على الأثاث اللي طارق حرق أقمشته، وتم التحفظ عليها كأداة جريمة.”
طارق بدأ يعرق، هيبته اللي كان بيتفشخر بيها الصبح راحت في ثانية، مسك تليفونه بهستيريا يتصل بيا، بس الصوت كان بيجيله جاف ومباشر: “عفواً.. هذا الرقم غير متاح.” أنا كنت عملت له ولأخته وباقي عيلته حظر من الحياة كلها.
على التربيزة الفاضية، كان فاضل ظرفين أصفر. أمين الشرطة شاور عليهم وقال: “المدام سابت لك الأوراق دي مع المحامي بتاعها.. إعلان بالمحضر، وإعلان بدعوى خلع مرفوعة في محكمة الأسرة، ومعاها قائمة منقولات زوجية مسجلة وموثقة، العفش اللي اتنقل ده حاجتها الشخصية ومهرها المسجل، وحضرتك ملزم بترجيع بقية الأجهزة اللي المندوبين دونوا إنها اختفت أو اتلفت أثناء الواقعة.”
منى صرخت بصوت هيستيري: “يعني إيه؟! الشقة ملك أخويا! ازاي تطلع العفش كده؟ فين حقوقنا؟! فين حاجتي اللي كانت هتديههاني؟!”
أمين الشرطة بص لها بحدة خلتها تتخرس: “يا مدام لو سمحتي.. لو ليكوا حق اطلعوا على النيابة، لكن حالياً الأستاذ مطلوب في القسم لحضور التحقيق، ولو متفضلش معانا بهدوء، النجدة واقفة تحت العمارة وهينزل ومقبوض عليه.”
طارق بص للحيطان الفاضية، بص للورق، وبص لأخته اللي كانت واقفة تبص له بلوم وكأنها بتقوله “إنت معرفتش تتصرف”. اللحظة دي بالذات كانت الصدمة الحقيقية؛ شاف إن أخته اللي حرق وش مراته عشانها، أول ما حست إن القصة فيها قسم ونيابة، بدأت تتراجع خطوات لورا وتبطئ كلامها عشان تبعد نفسها عن الدائرة.
في الوقت ده، أنا كنت قاعدة في شقة إيجار مفروشة فريدة حجزتهالي في مكان بعيد تماماً. كنت حاطة المرهم على وشي، والتلج على رقبتي. الوجع الجسدي كان شديد، بس جوايا كان فيه هدوء غريب.. هدوء النار لما تنطفي وتملى المكان رماد.
تليفون فريدة رن، فتحت السبيكر وهي واقفة قدام طارق في الصالة الفاضية.
صوت فريدة جه واثق: “يا مدام.. الأستاذ تسلم الإخطارات ورجالة النجدة مستنيينه تحت عشان القسم.”
سمعت صوت طارق جاي من بعيد، بلهفة ومسكنة: “أمل! أمل اسمعيني! إنتي اتجننتي؟ بتدخلي الشرطة بيني وبينك؟ إحنا بيننا أربع سنين! والصلح خير يا أمل، أنا كنت غضبان والله العظيم أختي استفزتني وإنتي عصبتيني! ارجعي ونتفاهم وكل اللي أختي خدته أو طلبته ملغوش فيه!”
مسكت التليفون وقربته من بؤي، وبصوت هادي جداً، أهدا من أي وقت فات، قلت له:
“الأربع سنين اتمسحوا بكنكة القهوة يا طارق. والقهوة المرة اللي حرقني بيها.. أنا هخليك تشربها نقطة نقطة في المحاكم. أختك اللي بعتني عشانها، وريني بقى هتنفعك ازاي قدام وكيل النيابة.”
قفلت الخط في وشه قبل ما ينطق كلمة زيادة.
طارق نزل السلم مشدود قدام الجيران اللي كانوا واقفين على السلالم يتفرجوا، وأخته ماشية وراه بتبص في الأرض وتتدارى من عيون الناس. الشقة اللي كانت مقفولة عليهم بقت سيرتها على كل لسان في الحي.
لكن طارق ومشكلته مخلصوش هنا.. بالليل، وبعد ما خرج بكفالة من القسم على ذمة التحقيق، بدأ يخطط للرد. كان فاكر إن العفش والمحضر هما كل أوراقي، ومكنش يعرف إن اللابتوب اللي كان عايز يديه لأخته، كان عليه كنز هيهد معبدهم على دماغهم في الجزء اللي جاي.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




