عام

بسبب الحقن المجهري .. منى السيد4

“أخوك.”

بصيت لأحمد.

أحمد كان واقف مصدوم.

قلت:

“أحمد؟!”

هزت خالتي رأسها.

“أبوك كان شاكك إن أحمد مش ابنه هو كمان.”

أحمد وقع على الكرسي كأنه اتضرب.

“إيه الكلام ده؟! يعني أنا كمان مش ابنه؟!”

قالت خالتي:

“أنا ما قلتش إنك مش ابنه، قلت إن أبوكي كان شاكك.”

أحمد حط إيده على رأسه وقال:

“يعني أمي كانت عايشة حياتها كلها وهي مخبية عننا؟!”

قلت:

“وليه بابا كان بيحمي أحمد؟”

قالت خالتي:

“لأن فؤاد كان بيحاول يستغل نسبكم عشان يثبت حقه في جزء من التركة. أبوكي كان خايف إن فؤاد يستخدمكم ضد بعض.”

فجأة حسام قال:

“استنى… يبقى الأرض والمبلغ والصندوق مش مجرد ورث.”

خالتي بصت له وقالت:

“بالضبط.”

“أبوك كان عامل صندوق الأمانات عشان يحط فيه مستندات تثبت إن أملاك معينة لا تخص فؤاد ولا والدتك، وإن فيه اتفاقات اتعملت من وراه.”

قلت:

“يعني أمي كانت بتحاول تاخد أملاك بابا؟”

ردت:

“أمك كانت بتحاول تمنع فؤاد من الوصول ليها، لكن طريقتها كانت غلط، وغلطها كبر مع الوقت.”

نزلت دموعي.

قلت:

“وده يبرر إنها ترعب بناتي؟”

قالت بسرعة:

“لا.”

سكتت.

ثم قالت:

“ولا يبرر إنها تعذبك نفسياً.”

قلت:

“يبقى ليه أدافع عنها؟”

ردت:

“أنا مش بدافع عنها، أنا بحاول أخليكي تشوفي الصورة كاملة.”

في اليوم التالي، أصر حسام إنه يروح معايا البنك، وأحمد أصر ييجي هو كمان.

خالتي رفضت تروح، وقالت إنها هتستنى في البيت.

دخلنا البنك.

قدمت المفتاح والأوراق، وبعد إجراءات طويلة وصل الموظف للصندوق.

فتح الصندوق قدامنا.

أول حاجة ظهرت كانت مجموعة ملفات قديمة.

وبعدها شريط تسجيل صغير.

وبعده ظرف أبيض مكتوب عليه:

“ندى فقط.”

إيدي بدأت ترتعش.

فتحته.

لقيت رسالة قصيرة:

“يا ندى، لو وصلتي للصندوق، يبقى كل محاولاتي لحمايتك فشلت. اسمعي التسجيل قبل قراءة باقي الأوراق.”

حطينا التسجيل في جهاز صغير كان موجود ضمن محتويات الصندوق.

طلع صوت أبويا.

صوته.

نفس صوته.

سمعته بعد سنين، فانهرت من البكاء.

قال:

“يا ندى… لو بتسمعي صوتي، فأنا غالباً مش موجود. قبل أي حاجة، عايزك تعرفي إنك بنتي مهما كان الدم بيقول إيه. أنا اخترت أكون أبوكي، وده القرار الوحيد اللي عمري ما ندمت عليه.”

سكت التسجيل لحظة.

ثم قال:

“لكن فيه حاجة لازم تعرفيها. أمك غلطت، وفؤاد غلط، وأنا غلطت لما حاولت أخبي كل حاجة. لكن أكبر خطر مش فؤاد… ولا أمك.”

توقف الصوت.

حسام قرب من الجهاز.

وجاء صوت أبي:

“أكبر خطر هو الشخص اللي كان عايش معانا في البيت، وبيسمع كل كلمة بنقولها.”

أحمد رفع رأسه فجأة.

أنا بصيت له.

ثم قال أبي:

“الشخص ده كان بينقل أخبارنا لفؤاد.”

التسجيل انتهى.

ساد صمت مرعب.

أحمد قال:

“مين؟”

ولا واحد فينا عرف يرد.

فتحنا باقي الأوراق.

ولقينا كشف تحويلات مالية باسم شخص من العيلة.

الاسم كان…

أميمة.

شهقت.

خالتي؟

الشخص اللي كانت واقفة معايا من البداية؟

الشخص اللي قالت إنها بتحمي سر أبويا؟

حسام مسك الورقة وقال:

“لازم نتأكد قبل ما نتهمها.”

لكن أحمد قال:

“المبالغ دي كانت بتوصلها منين؟”

قلبت الورقة الأخيرة، فوجدنا رقم هاتف قديم، وبجانبه اسم واحد:

“فؤاد.”

رجعت البيت وأنا حاسة إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.

أول ما دخلنا، لقينا خالتي قاعدة في الصالة.

كانت بتبكي.

بصت للورقة اللي في إيدي، وسكتت.

قلت لها:

“ليه؟”

رفعت عيني وقالت:

“كنت مستنية اليوم ده.”

قلت:

“إنتِ اللي كنتِ بتنقلي أخبار بابا لفؤاد؟!”

قالت:

“أيوه.”

أحمد صرخ:

“ليه؟!”

قالت:

“لأني كنت مجبرة.”

قلت:

“مجبرة إزاي؟”

قالت:

“فؤاد كان ماسك عليا حاجة لو ظهرت، كنت هدخل السجن.”

تجمدنا.

قالت:

“وأمك كانت عارفة.”

صرخت:

“ماما كانت عارفة؟!”

هزت رأسها.

“أمك كانت بتحاول توقفني، وأبوك كان بيحاول يواجه فؤاد، لكن حصل شيء قبل ما يقدر يكشف الحقيقة.”

سألتها:

“إيه اللي حصل؟”

قالت:

“في الليلة اللي مات فيها أبوكي، أنا كنت آخر واحدة شافته.”

سكتت.

ثم قالت:

“وكان معاه الظرف الأصفر.”

قلت:

“يعني الظرف اللي وصلني دلوقتي؟”

قالت:

“لا… ده مجرد نسخة.”

اتسعت عيني.

“النسخة؟!”

قالت:

“الأصل مع فؤاد.”

حسام وقف بسرعة.

“يعني فؤاد لسه عنده الأصل؟”

خالتي هزت رأسها.

ثم قالت الجملة اللي خلتني أحس إن قلبي وقف:

“وفؤاد مش عايز فلوسك يا ندى… هو عايزك إنتِ.”

قلت:

“عايزني ليه؟”

قبل ما تجاوب، رن جرس الباب.

مرة.

مرتين.

ثلاث مرات.

حسام راح ناحية العين السحرية.

بص من خلالها، وفجأة رجع خطوتين.

قلت:

“مين؟”

قال بصوت مخنوق:

“راجل كبير.”

سألت:

“مين؟”

حسام بص لي وقال:

“بيقول اسمه فؤاد.”

وفي نفس اللحظة، سمعت صوت الرجل من خلف الباب:

“ندى… أنا أبوكي الحقيقي، وجاي أقولك ليه والدك اللي رباكي مات وهو خايف عليكي.”

وقفت مكاني.

وحطيت إيدي على بطني.

بينما الجنين تحرك بقوة كأنه شعر بالخطر قبلي.

—

## الحقيقة الأخيرة

وقفت قدام باب الشقة وأنا مش قادرة أصدق إن اللحظة دي وصلت.

طول عمري كنت فاكرة إن أكبر وجع ممكن أعيشه هو فقدان أبويا اللي رباني، أو قسوة أمي، أو خسارة الطفل اللي كان جزء من حلمي.

لكن اكتشفت إن فيه وجع أكبر من كل ده…

وجع إن الإنسان يكتشف إن نص عمره اتبنى على أسرار اتخبّت عنه.

حسام وقف قدامي وقال:

“ندى، متفتحيش الباب غير لما نعرف هو مين.”

أحمد كان واقف جنبنا ووشه متوتر.

وخالتي أميمة قاعدة على الكرسي بتبكي من غير صوت.

جاء صوت الرجل من خلف الباب مرة تانية:

“أنا مش جاي أأذيكي يا ندى، ومش هقرب منك، بس من حقك تعرفي الحقيقة كاملة.”

بصيت لحسام وقلت:

“افتح.”

حاول يمنعني، لكني قلت:

“أنا تعبت من الخوف. افتح.”

فتح حسام الباب.

وظهر رجل مسن، شعره أبيض وملامحه مرهقة، ماسك عصاية بإيده، وعينيه ثابتة عليا بشكل غريب.

أول ما شافني، دموعه نزلت.

قال:

“كبرتي يا ندى.”

رجعت خطوة للخلف وقلت:

“إنت فؤاد؟”

هز رأسه.

“أيوه.”

قلت:

“إنت أبويا الحقيقي؟”

قال:

“أيوه.”

فضلت باصة له ثواني، وبعدها قلت:

“لو كنت أبويا، ليه سبتني كل السنين دي؟”

نزل عينيه وقال:

“أنا ما سبتكيش يا بنتي… أنا اتمنعت عنك.”

رديت بغضب:

“أمي؟”

قال:

“أمك كانت جزء من السبب، لكن مش السبب كله.”

دخل فؤاد وقعد، وحسام فضل واقف جنبي.

قال فؤاد:

“أبوك اللي رباكي كان أعظم رجل قابلته في حياتي. لما عرفت إنك بنتي، كنت عايز أخدك منه، لكنه رفض. قال لي: لو بتحبها، سيبها تعيش مستقرة. وأنا وافقت، لأنني كنت عارف إن وجودي ممكن يهدم حياتك.”

قلت:

“طب ليه رجعت؟”

قال:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى