بسبب الحقن المجهري .. منى السيد4
كملت:
“فؤاد رجع بعد ما عرف إن ندى كبرت، وكان عايز يشوفها.”
قلت:
“وشافني؟”
هزت رأسها:
“أيوه.”
“إمتى؟”
قالت:
“أنتِ كنتِ وقتها في الجامعة.”
بدأت أحاول أفتكر.
وفجأة افتكرت رجلاً كان بيقف أحياناً قدام الجامعة.
رجل كبير نسبياً، كان بيبصلي من بعيد.
وفي مرة قال لي:
“إنتِ شبه حد عزيز عليا.”
وقتها افتكرت إنه شخص غريب ومشيت.
ضربت إيدي على فمي وقلت:
“فؤاد كان هو؟”
خالتي قالت:
“أيوه.”
حسام بص لي باستغراب، بينما أحمد كان كأنه فقد القدرة على الكلام.
فتحت الرسالة التالية، وكانت الجملة الأولى:
“فؤاد لم يكن خطراً على ندى، لكن وجوده كشف شيئاً كنت أخشاه.”
بدأت أقرأ بسرعة، وكل كلمة كانت بتفتح جرح جديد.
“حين عاد فؤاد، لم يعد يبحث عن زوجتي، بل عن ابنته. وأنا لم أمنعه من رؤيتها لأنني كنت أرى أن من حقها أن تعرف أصلها يوماً ما، لكن أمها رفضت تماماً، وهددتني بأنها ستترك البيت وتأخذ ندى معها إذا أخبرتها.”
وقفت عند الجملة دي.
“أمي هددت بابا؟”
خالتي قالت:
“أمك كانت قوية جداً في الوقت ده، وكانت بتعرف تضغط عليه من نقطة ضعفه.”
كملت القراءة:
“لكنني اكتشفت أن فؤاد لم يعد وحده. كان معه مستندات تثبت أنه لم يترك ندى بإرادته، وأن أمها هي من قطعت العلاقة به.”
شهقت وقلت:
“يعني أمي كانت مخبية الحقيقة طول السنين؟”
خالتي قالت:
“أيوه، بس لسه ما وصلناش لأخطر جزء.”
قلبت الصفحة، فوجدت صورة قديمة لرجل يقف بجوار أبي.
كان هو نفسه الرجل الموجود في الصورة التي أعطاني إياها أحمد.
قلت:
“ده فؤاد؟”
خالتي قالت:
“أيوه.”
وقعت الورقة من إيدي.
رفعت رأسي ببطء وقلت:
خالتي ردت:
“كان حاسس إن فيه .”
أحمد قال:
“بس إحنا كنا فاكرين إنه مات بسبب مرضه.”
خالتي قالت:
حسام سأل:
“إيه اللي حصل؟”
قالت:
“كان بيتخانق مع أمك كل يوم تقريباً، وكان بيقفل أوضة مكتبه بالمفتاح، وبعدها بيخرج ساعات طويلة.”
سألتها:
“كان بيروح فين؟”
قالت:
“كان بيروح يقابل فؤاد.”
كنت أظن أنني أعرفه، لكنني اكتشفت أنني لم أعرف عنه شيئاً.
فتحت آخر جزء من الملف، فوجدت ورقة مطوية بعناية شديدة، مكتوب عليها:
“لا تفتح هذه الورقة إلا إذا عرفت ندى الحقيقة كاملة.”
فتحتها.
كان فيها اسم بنك، ورقم ملف، واسم محامٍ آخر.
وتحتهم جملة واحدة:
“الأصل الحقيقي للقضية موجود في صندوق أمانات باسم ندى.”
حسام قال:
“صندوق أمانات؟!”
خالتي هزت رأسها:
“أبوك كان حاطط حاجة مهمة جداً، ومحدش يقدر يفتحها غير ندى.”
قلت:
“طب ليه ما قلتليش قبل كده؟”
خالتي ردت:
“لأن أمك كانت بتراقب كل خطوة حوالين الموضوع، وأنا كنت خايفة لو اتكلمت يحصل لك أذى أو تضيع الأوراق.”
أحمد وقف فجأة وقال:
“يبقى لازم نروح البنك بكرة.”
خالتي قالت بسرعة:
“لا.”
بص لها باستغراب:
“ليه؟”
قالت:
“لأن أمك عارفة إن الصندوق موجود.”
ساد صمت ثقيل.
سألتها:
“إزاي؟”
قالت:
اتسعت عيني.
“والمفتاح؟”
أشارت خالتي إلى الظرف الأصفر وقالت:
“موجود.”
قلبت محتويات الظرف، لحد ما لمست أصابعي شيئاً معدنياً صغيراً.
سحبته.
كان مفتاحاً قديماً مربوطاً بقطعة جلد، وعليها رقم صغير.
مسكته وأنا أرتجف.
حسام قال:
“إذن الصبح نروح.”
لكن قبل ما أكمل، سمعنا صوت خبط قوي على باب الشقة.
البنات خرجوا من أوضتهم مرعوبين.
فجريت عليهم وضمّيتهم، وقلت:
“مفيش حاجة يا حبايبي، ماما هنا.”
حسام وقف قدام الباب وقال:
“مين؟”
جاء صوت امرأة من الخارج:
“أنا.”
تجمدت مكاني.
كان صوت أمي.
بصيت لخالتي، فكانت مرعوبة.
أحمد قال:
“إزاي عرفت مكانك؟”
حسام قرب من الباب وقال:
“محدش يدخل.”
لكن صوت أمي جاء هادئاً جداً:
“ندى، أنا مش جاية أزعق، ولا جاية أخد بناتي منك. أنا جاية أقولك حاجة واحدة قبل ما تروحي البنك.”
قلبي وقع.
حسام بص لي، وأنا قلت له:
“ما تفتحش.”
أمي قالت من وراء الباب:
“لو فتحتِ الصندوق، هتعرفي إن أبوكي ما كانش بيحميكي مني… كان بيحميكي من فؤاد.”
صرخت:
“فؤاد مات من سنين!”
ردت أمي:
“لا يا ندى.”
ساد صمت رهيب.
ثم قالت:
“فؤاد عايش.”
حسيت إن جسمي كله اتجمد.
أحمد فتح عينيه على آخرهما.
خالتي حطت إيدها على صدرها.
وحسام وقف مش فاهم.
أمي كملت:
“وفؤاد هو اللي بعت لك الظرف.”
نظرت إلى الظرف الأصفر الموجود على الطاولة، ثم إلى المفتاح في إيدي، وشعرت للمرة الأولى أنني ربما لم أكن أنا من اكتشفت السر…
ربما السر هو اللي كان بيقودني من أول لحظة.
ثم سمعت أمي تقول من خلف الباب:
بصيت لبطنـي غصب عني، ووضعت إيدي عليها.
وشعرت بحركة الجنين للمرة الأولى منذ ساعات.
عندها فقط فهمت إن الموضوع لم يعد متعلقاً بالماضي وحده…
لأن أمي كانت تتكلم عن طفل آخر، طفل قالت إن أبي كان يحاول حمايته، وأنا لم أكن أعرف حتى بوجوده.
—
## الصندوق
فضلت واقفة مكاني بعد آخر كلمة قالتها أمي من ورا الباب، وحاسة إن الدنيا كلها اتقلبت فوق دماغي.
طفل تاني؟!
مين الطفل اللي بابا كان بيحاول يحميه؟
وليه أمي كانت بتتكلم كأنها عارفة كل حاجة عن الصندوق وفؤاد والظرف؟
بصيت لخالتي أميمة، لقيتها منزلة عينيها في الأرض.
صرخت فيها:
“إنتِ عارفة! عارفة مين الطفل ده، صح؟!”
رفعت خالتي عينيها، ودموعها نازلة، وقالت:
“أيوه يا ندى… عارفة.”
حسام وقف قدام الباب وقال لأمي:
“لو سمحتي يا حاجة، امشي دلوقتي. ندى تعبانة وممنوع عليها أي ضغط.”
لكن أمي ردت من الخارج بصوت غريب وهادئ:
“أنا همشي… بس قبل ما أمشي لازم تعرفي إن اللي مكتوب في الصندوق ممكن يغير حياتك كلها. وإنتِ لو فتحتيه من غير ما تعرفي الحقيقة مني، هتفتكري إني كنت وحشة طول عمري، مع إن فيه حاجات عملتها عشان أحميكي.”
رديت عليها من مكاني:
“تحميني من مين؟ من أبويا؟ من فؤاد؟ ولا من الحقيقة؟”
سكتت ثواني، وبعدها قالت:
“من نفسك.”
ثم سمعنا خطواتها وهي بتبعد عن الباب.
حسام بص لي وقال:
“متفتحيش الباب.”
هزيت راسي.
لكن أول ما اختفى صوت خطواتها، اندفعت ناحية الباب.
إلا إن حسام مسكني بسرعة وقال:
“ندى، إنتِ مش هتخرجي وإنتِ بالحالة دي.”
قلت له وأنا منهارة:
“دي أمي! مهما عملت، دي أمي! وأنا لازم أعرف الحقيقة.”
خالتي قربت مني وقالت:
“هتعرفي، بس لازم تسمعيني الأول.”
قعدنا كلنا.
والبنات رجعوا أوضتهم، وحسام قفل باب الغرفة عليهم عشان ما يسمعوش حاجة.
خالتي بدأت تتكلم بصوت خافت:
“قبل ما أبوكي يتجوز أمك، فؤاد كان بيحبها، وهي كانت بتحبه. لكن لما أهلها رفضوه، اتجوزت أبوكي. وبعد الجواز بسنة، فؤاد ظهر من جديد، وكانت أمك وقتها حامل بيكي.”
قلبي اتقبض.
قالت:
“أبوك عرف إنك بنت فؤاد، لكنه اختار يربيكي، وكان بيحبك أكتر من أي حد. لكنه اكتشف بعد سنين إن فؤاد مش مجرد رجل من الماضي… فؤاد كان داخل في شراكة تجارية مع والدك، والشراكة دي انتهت بخلاف كبير.”
سألتها:
“وإيه علاقة ده بيا؟”
قالت:
“فؤاد كان عايز جزء من أموال أبوكي، ووالدك رفض. بعدها بدأت المشاكل.”
حسام قال:
“طب الطفل التاني؟”
خالتي بصت لي وقالت:
“مش طفل بالمعنى اللي في بالك.”
قلت:
“يعني إيه؟”
قالت:
“أبوك كان بيستخدم كلمة طفل كرمز في أوراقه، لكن الحقيقة إن الطفل ده شخص بالغ دلوقتي.”
حسيت براحة مؤقتة، لكن سرعان ما رجع القلق.
“مين؟”
خالتي سكتت.
قلت بعصبية:
“مين؟!”
قالت:




