Uncategorized

سلفتي 1

الله يكون في عون كل وحده جوزها ميال لمرات اخوه وكل مشوره يروح يخدها منها وهي الي مشياه
ومراته لاحول ولا قوه
وانً جت تكلم يسمع البيت عليها ويقولها هي احسن منك كانت سلفتى هى اللى بتاخد مصروف البيت وتنزل بنفسها تجيب الخضار بالاسبوع وتحدد كل يوم هناكل ايه وهى اللى بتحدد مصروف البيت يبقى ماشى ازاى حتى مصروف ولادى هى اللى بتحدده وجوزى كل كلمه تقولها يوافق عليها
والأدهى والأمر لما تلاقيه بيعايرني بيها ع الرايحة والجاية، يقولي: «شوفي عزة وجمال عزة، شوفي الستات الشاطرة اللي بتعرف تدبّر وتعمّر، اتعلمي منها يا حنان بدل قلة حيلتك دي».
الواحد كان يحس إنه غريب في بيته، كأني ضيفة مالهاش أي كلمة ولا لازمة، مأجورة أطبخ وأغسل وبس. حتى فادي وأخواته لما يحتاجوا حاجة بسيطة لمدارسهم أو هدومهم، ما أقدرش أطلب من أبو فادي مباشرة؛ لازم العرض يمر على الست عزة الأول، تفلي الطلب وتوافق عليه، ولو قالت «لأ ده دلع ملوش عازة والقرشين دول البيت أولى بيهم»، كلمتها تنزل سيف على رقابنا، ويرجع أبو فادي البيت يردد نفس كلامها بالحرف، كأنه مسحور مش شايف ولا سامع غيرها في الدنيا.
كنت أقعد في المطبخ ودمعتي على خدي، أشوف عزة داخلة الشقة بمفتاحها كأنها صاحبة الملك، تحط أكياس الخضار وتفتح تلاجتي، ترتب وتخطط وإيديها في كل شبر، وأنا حنان صاحبة البيت واقفة مستنية الأوامر عشان أطبخ اللي هانم الزمان قررته. ولو اتجرأت واتنفست وقلت: «يا أبو فادي، دي خصوصياتنا والبيت ده له ست تديره وأنا مش قاصرة»، يثور عليا ويقلب البيت حريقة ويقولي: «أنتِ حاقدة وغيرانة ونفسيتك صفرا، عزة بتشيل عنك الهم وتوفر قرشنا وأنتِ نيتك سودا وما بتشوفيش الجميل!».
كان أصعب وجع مش إن القرش مش في إيدي، الوجع الحقيقي إن كرامتي كانت ممسوحة، وكل يوم بيمر وأبو فادي بيثبت لي إنه مجرد صدى صوت لمرات أخوه، وأنا واكلة ناري ومحبوسة بين أربع حيطان لا سامعني فيهم زوج ولا راحمني فيهم غريب.
ويا ريتها كانت بتقف عند مصروف البيت أو الأكل والشرب، ده البلا الأزرق كان بيبان في العزايم ولمّة الناس؛ لما يدخل ضيف عند حماتي تحت، تلاقي عزة وأبو فادي قاعدين في صدر الصالة، يتضايفوا ويضحكوا ويوزعوا كرم مش بتاعهم، وهي متصدرة المشهد وتتكلم بأريحية كأنها ست البيت الوحيدة والعاقلة اللي العيلة كلها ماشية على إشارتها، وجوزي عينه عليها بكل فخر وانبهار!
وأنا؟ حنان الشقيانة، مدفونة في المطبخ بين حرق الدخان وسخونية الفرن، أطلع من صينية وأدخل في حلة، رجلي وارمة من الوقفة وعرقي شغال، حتى كلمة «تسلم إيدك» كانت تستخسرها فيا، لا بل وتطلع تمد إيدها تاخد الأطباق ترصها هي برة، والناس تفتكر إنها صاحبة الفضل في اللقمة دي! أخرج بس عشان ألمّ السفرة وأغسل جبل المواعين، كأني شغالة جابوها باليومية ملهاش حق تقعد ولا تتشاف ولا تشارك في كلمة.
لكن كل ده كان يهون، ويجي عند حتة تانية ويقف في زوري زي الشوكة.. الوجع اللي بجد، اللي هدّ حيلي وقصقص ريشي، لما لقيت فادي وإخواته اتعلموا الدرس من أبوهم وفهموا إن أمهم مالهاش كلمة ولا حيلة. بقيت أشوف بعيني ضنايا، حتة مني، بدل ما يجري عليا يقولي «يا ماما محتاج كشكول» ولا «نفسي في لعبة»، يروح يقف قدام عزة، يوطي راسه ويتحايل عليها بترجي: «يا طنط والنبي عشان خاطري وافقي نشتري دي»!
اللحظة دي كانت س\كينة تلمة بتدبح في قلبي.. لما تحسي إنك اتجرّدتِ من أمومتك وهيبتك قدام عيالك، وإن الست دي ما اكتفتش بإنها تسرق راجلي وتلغي وجودي، دي سرقت كمان دوري في عيون ولادي، خلتني قدامهم مجرد خيال مآتة، وهي الآمرة الناهية صاحبة مفتاح كل حاجة. ساعتها حسيت إن الصبر مبقاش فضيلة، ده بقى خيبة وموت بطيء
وفي اليوم ده، حسيت إن الكيل طفح، وإن لو فضلت ساكتة أكتر من كده مش هعرف أبص لوشي في المراية، ولا هعرف أربي ولادي وأنا مكسورة بالشكل ده. دخل فادي عليا الأوضة وعينه مكسورة بعد ما راح اتحايل على عزة عشان يشتري طقم كورة زي صحابه وهي نهرته وقالتله «مش وقته ومفيش تبذير»، والولد رجع يبلع دموعه في صمت.
النار قادت في حشاي، واستنيت لما أبو فادي دخل البيت وقفل الباب وراه. دخلت وراه الأوضة، ووقفت قصاده وثبت عيني في عينه لأول مرة من سنين من غير ما أهتز، وقلتله بهدوء حاولت أجمعه من وسط قهرتي: «لحد هنا وكفاية يا أبو فادي.. لحد عيالي وكرامتي ونقطة ومن أول السطر. البيت ده له ست واحدة، وأنا حنان مراتك وأم عيالك، من بكرة المصروف ده هيدخل في إيدي، وعزة تلزم بيتها وحدودها، عيالي ما يذلوش نفسهم لمرات عمهم عشان طلب ، وأنا مانيش خدامة تركنها في المطبخ وتطلع تتصدر هي بيك قدام الناس».
كنت فاكرة إن كلامي، ووجعي اللي بقاله سنين، هيصحوا فيه نخوة الراجل أو يحسسوه بمرارة الظلم اللي عيشني فيه. لكن رده وصراحته كانت الصدمه اللى شلتنى وشلت لسانى
لقيته بيبصلي ببرود يقص العضم، ابتسامة صفرا اترفعت على جنب وشه وهو بيقلع ساعته ويحطها على الكومودينو من غير حتى ما يرمش، وقالي بمنتهى القسوة: «خلصتي تمثيل الشحاتين ده؟ أصل بصراحة كده يا حنان، أنا مابحبش ألف وأدور.. عزة هي الست اللي كان نفسي فيها، الست اللي تملى العين وتشرف، تدبير وعقل وحلاوة لسان ومالية مركزها، إنما أنتِ؟ أنتِ مجرد واحدة قسمتي ونصيبي اتدبست فيكي عشان أخلف عيلين وخلاص، إنما كست وروح وكيان؟ مابتمليش عيني بربع جنيه! ولو عزة مش في البيت ده أنا كنت طفشت من زمان، فبلاش تعملي فيها صاحبة حق وكرامة، عشان كرامتك دي هتقعدك في الشارع من غير العيال».
الكلام نزل عليا زي مية نار كوت روحي قبل جسمي، الكلمة خرجت منه بشر وغل دفين كان مداريه ورا شماعة «التوفير والشطارة».. اتاريه مش بس مسلوب الإرادة، اتاريه بايعني برخص التراب وعينه رايحة لحرمة أخوه، وبدل ما يستحي من خيبته، بجح في وشي وكسرني باعترافه الصريح!
فضلت مسمرة مكاني مش قادرة أنطق، لساني اتشل ودمي نشف، بصيت له ولقيت كل سنين العِشرة والتعب بتهون في ثانية.. الراجل اللي ضحيت بشبابي وصحتي عشانه وعشان أربي له ولاده، بيقايضني بمرات أخوه وفي بيتي!
ومن الليلة دي، حسيت إن فيه حاجة ماتت جوايا.. الخوف اللي كان مربطني اتفك، والدموع اللي كانت بتنزل على خدي نشفت وتحولت لحجر. عرفت إن المواجهة بالكلام والرجاء مع راجل عينه زايغة وخاين للأمانة ما تنفعش، وإن الوقفة الجاية مش هتكون عتاب ودموع، دي هتكون زلزال يهد المعبد كله على دماغ اللي فيه.. على دماغه هو، وعلى دماغ عزة اللي سايقة الهبل على الشيطنة ومفتكرة إن البيت ده هيفضل سايب لها


لسه صدى كلامه بيرن في وداني وبيحرق في دمي، ولسه الصدمة ملجماني وأنا شايفة عينيه بتبصلي باحتقار، ولقينا الباب بيتفتح فجأة من غير حتى ما تخبط.. دخلت الست عزة، لافة طرحتها بإهمال مقصود، وخطوتها واثقة كأنها داخلة أوضة نومها مش شقة سلفها!
وقفت على عتبة الأوضة، حطت إيدها على وسطها ولفت وشها بيني وبينه، وقالت بنبرة فيها مياصة مستخبية ورا قناع الطيبة والحرص: «خير يا أبو فادي؟ صوتكم واصل لآخر السلم تحت وقلت أطلع أشوف البيت بيولع ليه.. جرى إيه يا حنان؟ مالك قالبه وشك ومسمعة الجيران زعبيبك ع المسا؟ ما تسيبوا الراجل يرتاح من شقاه، هو مفيش يوم يعدي من غير نكد؟».
كنت لسه هفتح بؤي أفرغ في وشها كل الغل اللي محبوس في صدري، وأقولها اطلعي برة بيتي وخلي عندك حيا وكرامة.. لكن أبو فادي ما ادانيش حتى فرصة أتنفس!

اتقدم خطوتين نحيتها، وبصوت ناعم ومتبدل مية وتمانين درجة عن الصوت اللي كان بيجعر بيا بيه من ثواني، ابتسم لها بوقاحة تخلع القلب وقالها: «تعالي يا عزة، تعالي شوفي بعينك الهانم اللي مش عاجبها العجب.. قال إيه زعلانة وبتعملي فيها فيلم عربي عشان الغيرة واكلاها منك ومن شطارتك! الست مش قادرة تبلع إنك بتفهمي وتدبري أحسن منها، مفروسة عشان شايلاني وشايلة عيالي وهي خايبة ما وراهاش غير اللطم والشكوى».
عزة سمعت الكلمتين وعينيها لمعت بانتصار وشماتة حاولت تداريهم بابتسامة خبيثة، ردت وهي بتمط شفايفها: «تغير مني أنا يا أبو فادي؟ وأنا مالي ومالها بس، هو عيبي إني خايفة على قرشك وعايزة ألم البيت بدل ما يضيع؟ يا حنان يا أختي العقل زينة، هو بدل ما تشكريني إني شايلاكي من السوق والبهدلة تقومي تسخني جوزك عليا؟ ما كنتش أعرف إنك شايلة في قلبك كل الصفار ده من ناحيتي!».
وقفوا هما الاتنين قصادي؛ جوزي وسلفتي اللي سارقة شقايا وكياني بتبصلي بشفقة مصطنعة..
الكلمة طلعت من بؤها وكأنها رشت بنزين على النار، وأبو فادي بدل ما ينكسف من وقفته دي، نفخ صدره وخد خطوة كمان لقدام، وبصلي بنظرة مليانة جبروت وقسوة، وشاور بصباعه في وشي وهو بيقول بأعلى صوته:
«سمعتي الأصول اللي مش طايقة تسمعيها؟ عشان تبقي عارفة بقى وتفهمي رأسك من رجليكي.. قعادك في البيت ده من اللحظة دي بأمر من عزة اللي مش عاجباكي دي! عزة لو شاورت بصباعها بس وقالت تمشي، هتمشي الليلة دي وقبل الصبح بشنطة هدومك اللي جيتي بيها، وملكيش قشة زيادة!».
بلعت ريقي بصعوبة، لساني ارتعش من الصدمة، عزة نفسها رفعت حاجبها بزهو مصطنع ونزلت عينيها في الأرض كأنها مكسوفة، وهو مكمل تقطيع في لحمي قدامها من غير ما يتهز له جفن:
«وعيالي؟ انسي إنك تاخدي حتة عيل في إيدك تذليني بيه.. عيالي لحمي ودمي هيفضلوا هنا في حضني، وعزة هي اللي هتربيهم وتطلعهم رجالة وستات بجد يعرفوا الأصول اللي أمهم معرفتش تعلمهالهم! هي اللي هتبقى أمهم ، وأنتِ ترجعي لبيت أهلك بالخيبة اللي جيتي بيها، أشوف مين بقى هيعبرك ولا هيرضى بيكي بعد ما تترمي الرمية دي!».
عزة عملت نفسها متأثرة، ومدت إيدها تطبطب على كتفه بمياصة مفضوحة، وقالت بنبرة حية: «اهدى بس يا أبو فادي، ميوصلش الأمر لكده.. إحنا برضه بنشتري العِشرة، عشان خاطر الولاد بس نسيبها، أهي قاعدة تخدمهم وتونسهم، وأنا أهو معونة ليها وللبيت».
النظرة اللي بصوهالي في اللحظة دي.. هو مستقوي بيها، وهي بتبصلي من فوق لتحت بنظرة شفقة مسمومة كأني شحاتة على بابها وبتتفضل عليا باللقمة والستر.. النظرة دي حفرت جوة روحي قبر لكل ذرة خوف كانت لسه باقية فيا. حسيت بوجع فظيع بيقيد في ضلوعي، لكن قصاده نبتت قوة عمري ما عرفت إنها عندي؛ لما عرفت إن ظهري بقى للحيط، وإن السكوت مع البني آدم ده مبقاش مجرد ذل.. ده بقى انتحار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى