منوعات

حامل لاول مرة 2

كلمة “الأطفال يروحوا وييجي غيرهم” نزلت عليا زي الصخرة. طفلي اللي استنيته عشر سنين، اللي كنت بدعي بيه في كل صلاة، كان بالنسبة له مجرد ورقة ضغط يساوم بيها!

وصلنا المستشفى. الطوارئ اتحركت بسرعة أول ما شافوا حالة النزيف الشديدة. شالوني على النقالة وجريوا بيا على غرفة العمليات والفحص العاجل. أحمد كان ماشياً ورا النقالة، لكن قبل ما يدخلوني، مسك إيد الدكتورة وقدم لها نفسه بأنه الزوج، وقال لها بنبرة خبيثة:
— دكتورة… أرجوكِ اعملي اللازم، ومفيش داعي للبلاغات أو إدخال التأمين دلوقتي، أنا هدفع كل حاجة كاش!

سمعته وهو بيقول كاش عشان يمنع اسمي ورقمي القومي من التسجيل في نظام المستشفى دي بالذات، عشان ما يتربطش بأي اعتراض قديم!

جوه غرفة الفحص، الدكتورة بدأت تنفذ الإجراءات السريعة، وأنا بحاول أتمسك بوعيي. مسكت إيد الدكتورة وقلت لها وأنا ببكي بنهجان:
— دكتورة… أرجوكِ… التليفون… عايزة أكلم أهلي…
الدكتورة بصت لي بعطف وقلق:
— اهدي يا مدام مريم، إحنا بنعمل اللازم عشان نوقف النزيف وننقذ الجنين لو فيه أمل…
— أرجوكِ يا دكتورة… تليفوني بره في شنطتي مع جوزي… اتصلي بأخويا… ده رقمه…

مليتها رقم أخويا “عمر” بالعافية. الدكتورة طلعت الموبايل الشخصي بتاعها وسجلت الرقم واتصلت بسرعة:
— ألو… الأستاذ عمر؟ اختك مريم في مستشفى (…) حالة نزيف حمل حادة، أرجوك تعالى فوراً.

بعد نص ساعة من الصراع والرعب، خرجت الدكتورة ووجهها حزين. النزيف اتوقف… لكن الحلم انتهى. الجنين سقط. الولد اللي كنت بستناه ضاع، وأحشائي فضيت، ومعاها فضي آخر أمل كان ممكن يربطني بالحياة دي.

نقلوني لغرفة عادية بعد عملية تنظيف سريعة. كنت قاعدة على السرير، وشي أصفر زي الورق، وعينيا ميتة.
دخل أحمد الأوضة بهدوء، وقفل الباب وراه. كان شكله تحسن شوية، كأنه ارتاح لما حس إن النزيف اتوقف والتهديد الفوري للموت زال. قرب من السرير وحط إيده على جبهتي، بس أنا لفيت وشي الناحية الثانية.

قال بصوت محشو بالتمثيل والشفقة الزائفة:
— البقية في حياتك يا مريم… قدر الله وما شاء فعل. المهم صحتك إنتِ… الدكتورة قالت إنك هتبقي كويسة، وأنا دفعت الحساب كله تحت، ومفيش أي ورق تأمين اتفتح هنا…

سكت لحظة وبعدين كمل بصوت واطي ومريب وهي بيقرب من إذني:
— أنا حرقت الأوراق اللي أخدتيها من التأمين يا مريم. مفيش دليل معاكي دلوقتي. وعشان خاطر صحتك وعشان خاطر العشر سنين اللي بيننا… لما نخرج من هنا هتروحي معايا الشركة وسحب الاعتراض هيمشي على إنك كتبتيه وأنتِ في حالة توتر ومش فاكرة البيانات صح… فهمتي يا مريم؟

ما رديتش. سبته يتكلم، سبته يتخيل إنه مسيطر على الموقف وإنه حرق المستندات خلاص وقفل اللعبة. هو ما كانش يعرف إن الأوراق اللي حرقها دي كانت مجرد صور، وإن أصل الاعتراض اتسجل إلكترونياً في سيستم شركة التأمين برقم مرجعي لا يمكن مسحه، ولا يعرف إن الصورة الضوئية من كل الأوراق دي أنا كنت بعتها لنفسي على الإيميل وعلى تليفون أخويا عمر قبل ما أنزل من البيت!

وفجأة… باب الأوضة اتفتح بعنف.
دخل أخويا “عمر”، ووراه اتنين من زمايله، ووراه مباشرة رجل ببدلة رسمية ومعه حقيبة أوراق.
عمر أول ما شافني على السرير بالمنظر ده، وشاف أحمد واقف جنبي، عيونه تحولت لكتلة نار. قرب من أحمد ومن غير ما ينطق ولا كلمة، ضربه بقبضة إيده في وشه ضربة أوقعته على الكرسي!

أحمد صرخ وهو ماسك بقه اللي نزف دم:
— إنت اتجننت يا عمر؟! إنت بتضربني في المستشفى؟!
عمر هجم عليه ومسكه من ياقة قميصه ورفعه لفوق:
— إنت اللي اتجننت يا خاين يا مجرم! بقى أختي بتسقط وبتموت وإنت واقف تساومها وتسرق ورقها؟!

أحمد اتخض واتربك:
— ورق إيه؟! إنتوا بتتكلموا عن إيه؟!
أنا بلعت ريقي وبصيت لعمر وقلت بصوت مبحوح بس ثقيل:
— عمر… التليفون في جيب جاكيتته… التليفون القديم اللي فيه الرسائل وصور أطفاله من نهى، والرسائل الصوتية اللي بيعترف فيها بكل حاجة…

أحمد عينيه اتسعت برعب. كان فاكر إنه حرق الأوراق وبس، ما كانش يعرف إني أخدت التليفون القديم من الدرج وحطيته في شنطتي قبل ما نخرج، وعمر لما جه المستشفى أخد الشنطة من العربية!

عمر طلع التليفون من الشنطة ورماه للرجل اللي كان واقف بالبدلة. الرجل ده كان محامياً جابه معه وهو جاي في الطريق بعد ما بلغته بكل حاجة في التليفون.
المحامي فتح التليفون وبص لأحمد بنظرة صارمة وقال:
— الأستاذ أحمد محمود عبد السلام… المادة 211 و212 من قانون العقوبات بشأن التزوير في المحررات الرسمية، واستعمالها للاستيلاء على أموال الشركات، بجانب البلاغ المرفوع حالياً من شركة التأمين نفسها بعد ما راجعوا السيستم… كل ده بيحطك في موقف جنائي مفيش منه خروج.

أحمد بطل ينزف من بقه، وأصبح وشه أبيض زي الملاية. مسك في حافة التربيزة وقال بصوت بيترعش:
— مريم… أرجوكِ… فهمي أخوكي… دي مشاكل عائلية ممكن نصلحها! أنا مستعد أطلق نهى فوراً وأتنازل لك عن كل حاجة!

بصيت له بكل القرف والاشمئزاز، وقلت له:
— تطلق نهى؟ وتتنازل لي؟ إنت فاكر نفسك مين عشان تساومني تاني؟ إنت انتهيت يا أحمد. أطفالي اللي ضاعوا بسببك، وعمري اللي اتسرق، مش هيرجعوا… بس إنت هتدفع التمن، بالقانون، بالقضاء، وبكل يوم قضيته وأنا مغفلة في بيتك!

المحامي طلع تليفونه واتصل بالشرطة:
— ألو… نقطة شرطة المستشفى؟ معانا المتهم بتزوير المحررات والاستيلاء على أموال التأمين، موجود في الغرفة 302… أرجو إرسال قوة لاستلامه.

أحمد انهار على الأرض تماماً وبدأ يبكي بجنون، يترجى عمر ويترجى المحامي. لكن عمر وقف سدّاً من حديد بينه وبيني.
بعد عشر دقائق، دخلت قوة الشرطة الغرفة. العسكري قبض على أحمد، وأحمد بيبص لي بعيون مليانة توسل ورعب وهو بيتسحب لبره الأوضة.

الغرفة هديت فجأة. عمر قرب مني وقعد على طرف السرير، مسك إيدي وباسها ودموعه نزلت:
— حقك هيرجع يا مريم… والله العظيم حقك وحق اللي في بطنك هيرجع بالقانون.

غمضت عياي. الوجع الجسدي كان لسه موجود، والحزن على جنيني المفقود كان يطحن قلبي… لكن لأول مرة من سنين، حسيت إن الكابوس بدأ ينقشع، وإن الضلام اللي كنت عايشة فيه انشق، ولسه فيه فصل أخير ونهائي مع نهى، ومع المحكمة، ومع الحقيقة كاملة!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى