عام

انا حامل 2

بعد ساعتين، فتحت عيني ببطء شديد. النور كان خفيف، وجسمي كله مهدود وبتألم من جرح القيصرية. أول ما فتحت، لقيت حسن قاعد جنبي على الكرسي، ماسك إيدي وبينقط عليها دموعه، والطفل الصغير نايم في المتقارب من .

بصيت له بصوت مخنوق ومتقطع:

«حسن.. الطفل كويس؟»

حسن رفع راسه، وباس إيدي بقوة وقال بصوت مليان شجن وحب:

«الطفل كويس، وأمه العفيفة الجدعة كويسة.. الحمد لله يا هدى، ربنا ما حرمنيش منك».

ابتسمت بكسرة وقلت له:

«سميته إيه؟»

حسن بص لي بثبات وقال:

«سميته (صالح).. عشان يطلع صالح وما يظلمش حد، ويكون العزوة والسند لأمه اللي اتحرمت من الأهل، وعشان يعرف إن أمه بطلة استحملت اللي ما يتحملوش بشر».

في اللحظة دي، الباب اتفتح بهدوء، ودخل الحاج متولي لوحده، وفي إيده شنطة فاكهة وشايل على وشه نظرة ندم كبيرة. قرب من وبص لي وقال بصوت حنون لأول مرة أسمعه منه:

«حمد لله على سلامتك يا بنتي.. حفك عليا، وحقك على العيلة كلها.. أنا عرفت الحقيقة كاملة، والنهاردة بالليل هيكون لينا قعدة تانية خالص مع أختي وبناتها».

خرج الحاج متولي من  بعد ما اطمن عليا، وسابنا أنا وحسن في هدوء المستشفى. حسن قرب الصغير بتاع “صالح” مني، وشاله بالراحة وحطه بين أحضاني. في اللحظة دي، وأنا حاسة بدفا جسمه الصغير وصوت أنفاسه الهادية، حسيت إن كل الوجع والمغص وإهانات الشهر التاسع اتمسحوا، بس أثر الجرح النفسي كان لسه حفر جوة قلبي.

عدى يومين في المستشفى، وحسن ما فارقنيش لحظة. كان بيغير لي على الجرح بمساعدة الممرضة، ويشيل صالح لما يبكي، وينيمنا ويقعد يتأملنا بنظرة كلها خوف وحماية. وفي اليوم التالت، الدكتورة كتبت لي على خروج، وسندني حسن لحد العربية ورجعنا البيت.

أول ما فتحنا باب ، استقبلتنا ريحة بخور هادية ونظافة غريبة. الحاج متولي كان مكلم جارتنا الأستاذة أم أحمد تنزل تنضف الشقة وتجهز لنا أكل سخن قبل ما نوصل. حسن دخلني  ونيمني على ، وجاب صالح وحطه جنبي، وقالي بنبرة حسم:

«ارتاحي يا هدى.. النهار ده العيلة كلها جيا هنا، والحاج متولي هو اللي جمعهم. حقك هيجي لحد عندك وأنتِ حاطة رجل على رجل، ومن غير ما تنطقي كلمة واحدة».

على الساعة سبعة بالليل، الصالة برة بدأت تملى بالصوت. صوت خطوات تقيلة وكلام مكتوم. الحاج متولي جاب حماتي، ونعمة، ووفاء، وأزواجهم، وقعدهم في الصالة. حسن قفل باب النوم عليا بالراحة، وخرج يقف في نص الصالة، مكلّم حد ولا مبين أي تسامح في وشه.

الحاج متولي وقف في النص وبدأ الكلام بصوت يهز الكيان:

«أنا جمعتكم النهاردة عشان نضع حد للمهزلة دي. سعاد أختي.. أنتِ كبرتي في السن، بس نسيتي إن الظلم ظلمات يوم القيامة. البنت دي دخلت بيت ابنك يتيمة، بدل ما تكوني ليها أم وتلميها، عايرتيها بقلة أهلها، وسخنتي ابنك عليها وهو راجع مهدود حيله، ولما لقيته حنين عليها وقفتي تدعي !»

حماتي كانت قاعدة بصة للأرض، ووشها مسود، وقالت بقلة حيلة:

«يا متولي.. أنا كنت خايفة على ابني يركبه الدلع، وأنا طول عمري بشقى..»

رد عليها الحاج متولي بقسوة:

«الشقا ما يعلمش القسوة والافتراء! وأنتِ يا نعمة..» ولف أصبعه ناحية نعمة اللي كانت قاعدة حاطة إيدها في جنبها: «أنتِ وأختك.. بدل ما تكونوا إخوات لبنت يتيمة، بتتصلوا بأخوكم تشرشحوا له وتعايروه بمراته وتتهموه في رجولته عشان بيأكلها وهي بتموت بالطفل؟ هو ده الأصل اللي ربيتكم عليه؟»

زوج نعمة حاول يتدخل ويقول: «يا حاج متولي الموضوع مش كدة..»

بس حسن قطع كلامه بصوت كلها:

«سكتك يا حسام! محدش يتكلم في بيتي غير الحاج متولي! أنت ومراتك جايين تحاسبوني في بيتي وتسخّنوا أمي؟»

حسن خطى خطوتين وقاف أمام أخته نعمة وحماتي وقال بنبرة مليانة مرارة وقوة:

«أمي.. على راسي، ورجليها أشيالها فوق دماغي في أي وقت، بس شرط واحد: رجلك ما تعتبش الشقة دي تاني إلا لما تعتذري لهدى وتطلبي منها السماح على كل كلمة سمّت بيها قلبها. أما أنتِ يا نعمة.. وأنتِ يا وفاء.. فالمفتاح اللي كان معاكم اتمسح، وبيتي محرم عليكم لحد ما تعرفوا أدب التعامل مع بيت أخوكم وتعرفوا إن هدى مش لوحدها.. هدى أختكم الكبيرة برضاكم أو غصب عنكم، وعيلتها هي أنا وصالح اللي جوة ده!»

نعمة وقفت بغل:

«بتبايع إخواتك عشان واحدة غريبة مالهاش عيلة؟!»

حسن قرب منها وعيونه فيها شرار وقال بصوت هادي ورسول:

«هي مش غريبة.. هي بيتي. واللي يمس بيتي يتقطع لسان أي حد يذكره بسوء! الحاج متولي موجود، وأنا قدام العيلة كلها بقولها: أي حد هيقول كلمة تانية في حق هدى أو يعايرها بيتمها، هعتبره خصمي ليوم الدين ومش هشوف وشه تاني!»

الحاج متولي ضرب بعصايته على الأرض وقال:

«الكلام اتختم! سعاد تعتذر لمراته دلوقتي، والبنات يلموا نفسهم ويرجعوا بيوتهم وما يدخلوش هنا إلا بالاستئذان وباحترام!»

حماتي رأسها بالرفض في الأول من كبرياء الغل، بس لما شافت عين حسن وعين أخوها متولي اللي إنه ، قامت ببطء ودخلت عندي.

أنا كنت قاعدة على ومسكة صالح في حضني، ودموعي نازلة بأسى. حماتي وقفت عند باب ، بصت لي وللطفل، ولأول مرة أشوف في عينها انكسار حقيقي مش تمثيل. قربت خطوتين وقالت بصوت مكسور ومردود:

«سامحيني يا هدى.. الشيطان كان حاطط غشاوة على عيني.»

أنا بصيت لها، والجرح كان لسه حاي، بس قلت بصوت واطي:

«مسامحاكي يا حماتي عشان خاطر ربنا وعشان خاطر حسن وصالح.. بس الجرح اللي اتفتح مش بسهولة يتلم.»

خرجت حماتي من  وهي ساكتة، وسحب الحاج متولي العيلة كلها وخرجوا، والباب اتقفل وراهم.

الصمت رجع للشقة، بس المرة دي كان صمت نقي، صمت نصرة وراحة. حسن دخل ، وقفل الباب بالمفتاح، وقعد جنبي على . حط إيده حوالين كتفي وضمنا أنا وصالح لصدره، وقال وهو بيتنفس بعمق:

«خلصت يا هدى.. الحق رجع، والبيت ده مش هيدخله تاني إلا اللي يعرف قيمتك».

أنا بصلت له وقلت وأنا بحط رأسي على كتفه:

«يا حسن.. أنا خايفة، أختك نعمة مش هتسكت، وعيونهم المليانة غل دي مش هتسيبنا في حالنا..»

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى