عام

جوزي اداني 15 مليون

أبويا قرب منه، وبص له في عينيه مباشرة وقال له بثبات:

“أوعى من السكة يا عادل. بلاش تخليني أعمل حاجة نندم عليها إحنا الاثنين. بنتي خرجت من بيتي معززة مكرمة، وهترجع بيتي معززة مكرمة، ولما تعرف قيمة الست وقيمة أهلها، نبقى نشوف الحسابات اللي بينا.”

عادل بعد عن الباب وهو مش قادر يبص في وشنا. نزلنا السلم وأنا حاسة إن رجليا مش شايلاني، والشارع كان ساكت كأنه حاسس بالوجع اللي جوايا. وصلنا بيت أبويا، دخلت الأوضة اللي تربيت فيها، حطيت ابن الصغير على السرير، وجلست جنبه وأنا بنفجر في العياط. أمي جت أخدتني في حضنها وقالت لي: “يا بنتي اطلبي من ربنا الخيرة، اللي ملوش أصل في الكرم، ملوش أصل في العشرة.. أبوكي عمل الصح عشان يعلم الراجل ده إن بنات الناس مش لعبة.”

مرت أسبوعين وأنا في بيت أبويا. عادل ما بطلش يرن على تليفوني ولا على تليفون أبويا ولا أمي، بس أبويا كان قافل كل الطرق ومصمم إنه ما يردش عليه، ويرد بس على رسائل تطمن على البيبي كلمة بكلمة من غير زيادة.

في اليوم الخامس عشر، جرس الباب رن بصوت متواصل. أمي فتحت الباب، ولقينا عادل واقف، ومعه اتنين من كبارات عيلته وأحد عمامنا الكبار اللي بيتحكموا في الأمور العرفية في قريتنا. عادل كان شكله مجهد جداً، وش أصفر، وعينيه دبلانة، وكأنه مانامش من يوم ما خرجت من .

دخلوا الصالة، وأبويا استقبلهم بكل واجب وأصول، قدم لهم القهوة وقعد معاهم. عم عادل الكبير بدأ الكلام وقال:

“يا حاج أحمد، إحنا جايين النهارده ونفسنا فوق رؤوسنا، إحنا عارفين إن ابننا غلط غلطة كبيرة وقليل أصل في حقك وحق بنتك، وهو جاي يقر بذنب قدامك وقادم اعتذاره.”

أبويا قعد ومسك سبحته، وقال بوقار:

“يا حاج، أنا كرمت عادل لما خطب بنتي، وكرمته لما جوزتها له، وما طلبتش منه غير إنه يصونها ويراعي ربنا فيها. لكن إنه يتهمني أنا وبنتي بأننا ‘لطشنا’ فلوسه، ويحسب على مراته لقمتها وهي نفاس ومولدة ابنها، ده مش بس قلة أصل، ده جرح في الشرف والكرامة.”

عادل نزل على ركبه قدام أبويا في وسط الصالة، قدام عمامه كلهم، مسك إيد أبويا وحطها على راسه وقال بصوت مكسور ومصحوب بدموع صريحة:

“حقك عليّ يا عمي، قطّع لساني اللي اتكلم، وحياة ابن الصغير سمر إني كنت مضغوط وغبي، الفلوس كانت عامية عينيا من التعب والسفر، وعرفت إنك دفعت من جيبك لحجز المستشفى وفاتورة الأدوية، أنا عرفت إني كنت صغار قوي قدامك.. سامحني يا عمي عشان خاطر ابن اللي مالوش ذنب.”

الكل في الصالة اتأثر بطفولة موقف عادل ودموعه، وعمامه بدأوا يترجوا أبويا إنه يسامح وعادل يتعهد بكتابة الحقوق وتعديل معاملته كلياً. أبويا بص لعادل لفترة طويلة، الشفقة امتزجت بالصرامة في عينيه، وبعدين بصلي وأنا واقفة ورا الباب بستمع للكلام.

أبويا قال بلهجة هادية بس قاطعة:

“أنا هسامح في حق نفسي يا عادل عشان الراجل اللي جابك وعشان الأصول اللي اتربيت عليها. لكن حق بنتي وكرامتها مش بالساهل. شروط رجوع بنتي بيتك هتبقى على الورق، وأولها إنك تعرف إن كل مليم بتصرفه على بيتك وابنك ده فرض عليك ومش فضيلة منك، وإن بيت أبوها يفضل مفتوح لها ومعزز لها في أي وقت.”

عادل هز راسه بسرعة وقال: “موافق على كل اللي تقوله يا عمي، موافق بالورق وبالحق وباللي يرضيك ويرضي ربنا!”

أبويا التفت لي وقال لي بصوت دافي: “تعالي يا سمر.. رأيك إيه يا بنتي؟”

وقفت في الصالة وبصيت لعادل اللي كان باصص لي بنظرة أمل وندم حقيقي، وفي نفس الوقت بصيت لأبويا اللي رفع رأسي وصان كرامتي لما جوزي حاول يستقل بيا وبأهلي. حسيت إن الدرس كان قاسي جداً لعادل، بس كان ضروري علشان يبني بيتنا على أساس صح.

قلت بصوت ثابت: “أنا موافقة أرجع يا بابا، بس بشرط واحد.. عادل يفهم إن كرامتي وكرامة أهلي خط أحمر، والفلوس اللي بتتكلم عنها بكرة وتيجي وتروح، لكن الأصول لو راحت مش بترجع تاني.”

عادل وقف ومسك إيدي قدام الكل وقال: “توعدك يا سمر.. عمرك ما هتشوفي مني اللي يزعلك تاني، والبيت ده وأهلك على راسي من فوق.”

اتفقنا على كل شيء، وعادل دفع الفلوس اللي كان أبويا صرفها للمستشفى وزيادة، واعتذر لأمي وقبل رأسها قدام الجميع. لمينا حاجتنا، ورجعت شقتي وأنا حاسة إن الموقف ده بالرغم من قسوته، غيّر عادل تماماً وخلاه يشوف أهلي بنظرة احترام وإجلال عمره ما هينساها طول حياته.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى