ولدت من اربع ايام 1

مشيت على أطراف صوابعي، كل خطوة كانت بسكينة في بطني، بس الإهانة كانت أكبر من وجع الجرح. اتسحبت بالرضيع بالراحة، فتحت كالون الباب من غير ما يطلع صوت، وخرجت للسلم..وفجاء
خرجت من العمارة والشارع لسه بيستقبل أول خيوط الشمس، البرد كان بيلدع وشي بس ما حسيتش بيه، الوجع اللي جوه بطني واللي جوه قلبي كان مخدّر كل حواسي. لفيت الملاية على البيبي أكتر وأنا حاضناه بقدام جسمي عشان أحميه من هواء الصبح، ومسكت الشنطة بأيدي التانية بالعافية. كل خطوة كانت بتخليني أحس كأن جرح القيصرية بيتفتح من جديد، بس صورته وهو واصل لقمة الاستسلام أمام أمه، وصوتها وهي بتعيرني بفقر أهلي، كانوا زايقيني لقدام زي السوط.
مشيت لحد أول الشارع الرئيسي، الدموع مغشية عينيا ومش شايفة قدامي. وقفت توكتوك بالعافية، الراجل أول ما شاف منظري وأنا بسند على باب التوكتوك ودموعي نازلة كتم حسرته وقال لي: “خير يا أختي؟ على فين على الصبح كده؟”. قلت له بصوت مخنوق مش طالع: “وديني موقف الأتوبيسات أو محطة القطر.. أي حاجة رايحة الصعيد.. رايحة للبلد.”
الراجل ما سألش تاني، شغل التوكتوك ومشي بالراحة عشان حاسس باهتزازات الشارع اللي كانت بتخليني أصرخ مكتوم وأنا ضاغطة على بطني. وصلنا محطة القطر، قطعت تذكرة بالفلوس القليلة اللي كانت معايا في جيب الروب. قعدت على بنش خشب في المحطة، ضامة ابني لصدري، العيل كان بيئن بصوت واطي ونبضه خفيف، كان حاسس بالرعب اللي أنا فيه.
في الوقت ده، في الشقة فوق، كان جوزي وأمه بيشربوا الشاي. أمه قامت بجمود وقالت له: “قوم نزلها يلا عشان المحلات بتفتح ونلحق نشتري شوية منظفات ونطلع على أختك.”
جوزي قام بخطوات ثقيلة، خبط على باب الأوضة.. ما حدش رد. فتح الباب وهو بيقول: “يلا يا شيماء اخلصي عشان أمي ما تزعلش..”
الأوضة كانت فاضية. دولاب مفتوح، ودواليب الهدوم متنعكشة، ومهد البيبي فاضي. عينيه وقعت على التسريحة، ما لقاش حظاظة الذهب الصغنونة ولا شهادة ميلاد الولد.
طلع يجري في الصالة وهو بيزعق: “شيماء مش جوه! شيماء أخدت الولد ومشت!”
حماتي وقفت بثقة وقالت ببرود: “تلاقيها استخبت عند جارتكم اللي تحت ولا نزلت تقعد على السلم تعمل شوية دراما عشان تصعب عليك! أنزل هات من شعرها من تحت، دي بتلوي دراعنا!”
نزل يجري على السلم، سأل البواب، البواب هز رأسه وقال له: “دي نزلت من يجي نص ساعة يا أستاذ، كانت ماشية بالعافية وماسكة الولد في حضنها وراكبة توكتوك، كانت بتبكي بكى يقطع القلب.”
هنا بس، جوزي حس بالثلج بينزل على صدره. تلفونه رن، كانت أمه بتتصل من فوق بقمة الجبروت: “لقيتها فين يا واد؟”
رد عليها بصوت بيترعش لأول مرة: “شيماء سابت البيت ومشت بالولد يا أمي.. مشت وهي لسه جرحها مفتوح!”
حماتي ما اتهزتش، ردت بحدة: “طب غور هاتها من بيت أهلها! أصلها مش هتروح في مكان تاني، فاكرة نفسها هتضغط علينا عشان ما ننضفش شقة أختك؟ والله لو ما رجعت ورجليها فوق رقبتها لأكون مجوزاك غيرها!”
في الوقت ده، القطر كان بيتحرك بيا. الصوت بتاع العجل وهو بيخبط في القضبان كان زي دقات قلبي. الوجع شد عليا جداً، وبدأت أحس بسخونية بتطلع في جسمي وجرحي بدأ ينزف دم خفيف علّم في هدومي. ست كبيرة كانت قاعدة جنبي في القطر، بصلتي بنظرة شفق وركزت في وشي الأصفر وشفت الهدوم المبلولة دم.
مسكت إيدي بسرعة وقالت بفزع: “يا بوي يا بتي! أنتِ مالك؟ أنتِ والدة قريب؟ جرحك ينزف يا بنيتي!”
ما قدرتش أرد، عيني زغللت، والدموع نزلت صامتة، مش قادرة حتى أقولها أنا هاربة من الظلم. الست طلعت شال من شنطتها ولفته حوالين بطني عشان يضغط على الجرح، وأخدت البيبي من حضني بالراحة وقعدت تهز فيه وتدعي على اللي كان السبب.
وصلت المحطة في الصعيد بعد ساعات كانت أطول من السنين. القطر وقف، والست كثر خيرها شالت معايا الشنطة وسندتني لحد ما نزلت. أهلي ما كانوا يملكونش تذكرة قطر ييجوا بيها مصر، بس لما طلعت من باب المحطة وطلبت من حد يكلمهم، أبويا أخد حمار جاره وجالي يجري على المحطة، ووراه أمي طالعة حافية من القلق.
أول ما أمي شافتني على باب المحطة، سني دمي سايح ووشي زي الورقة البيضاء ومكبوسة في شال غريب، صرخت صرخة هزت المحطة: “يا مري يا بتي! عملوا فيكي إيه يا شيماء؟!”
وقعت في حضنها، والجرح بينزف، وأبويا مسكني وهو بيبكي من قلة الحيلة والدموع نازلة في سبالته: “حقك علينا يا بتي.. حقك على فقرنا اللي خلاكي تنضامي عند ناس ما يرحموش!”
أخدوني على البيت، الشقة البسيطة اللي بالطين والحصيرة. جابوا الداية بسرعة، الداية أول ما شافت الجرح صرخت وقالت: “دي خياطتها مفككة من الحركة والضغط! دي لو كانت قعدت ساعة كمان كانت جابت ميكروب وماتت!”
عملت لي كمدات وطهرت الجرح وربطت بطني، وأمي قعدت جنب مني تمسح على رأسي وتعيط وهي بتبص للبيبي الصغير اللي كان يادوب بيمص صباعه من الجوع.
في نفس اليوم بالليل، الباب اندعك خبط شديد.
أبويا قام فتح الباب وهو شال عصايته في إيده، كان جوزي واقف على الباب، وشة أسود من الطريق ومبهدل، ووراه أخته اللي نازلة من السعودية وجوزها!
جوزي دخل باندفاع وهو بيقول: “شيماء فين؟! إزاي تمشي وتفضحينا كدا؟ أختي نزلت من السفر ولقيت البيت مقلوب وأمي بتعيط!”
أبويا وقف زي الجبل، رفع عصايته في وشه ووقف في نص الصالة، وبص له بنظرة عمره ما شافها منه، بصة راجل صايم صابر بس الكرامة عنده خط أحمر.
أبويا قال له بصوت يرعب: “اخس عليك يا قليل الأصل! جاي تدور على فضيحتك؟ بتي راجعة لي با مفتوح عشان أُمك العاصية تخدمها وشقتها مقفولة بقالها سنتين؟!”
أخت جوزي اتدخلت بغرور وقالت: “جرى إيه يا راجل يا كبارة؟ إحنا جايين ناخد مرات أخويا وابننا، وهي كبرت الموضوع وعملت شو شوية عشان شوية تراب! ما إحنا كلنا بنخدم وبنعمل!”
هنا، أنا جمعت كل قوتي اللي باقية في جسمي، وتسندت على حيطة الأوضة وطلعت لهم. مسكت بطني بأيد، وبالأيد التانية شايلة ابني، وبصيت في عين جوزي وعين أخته وقُلت بصوت ثابت هز الأوضة كلها:
“التراب اللي بتتكلمي عنه يا ست هانم، كان هيتكتم في صدر ابنك وابني! والخدمة اللي أُمك عايزاها مني وأنا جرحي ينزف، دي مش خدمة.. دي استعباد! وأنت…” (وبصيت لجوزي) “.. أنت اللي بعتني برخيص عشان ترضي أُمك، وسبت كرامتي ودمي ينزل قدام عينك وقلت لي قومي عشان مش عايزين مشاكل!”
جوزي اتوتر وبص لأخته ولأبويا وقال: “يا شيماء تعالي معايا الدكتورة هنا وهاتي الولد ونرجع نصلح كل حاجة..”
أبويا قرب منه، وحط إيده على صدر جوزي وزقه بره الباب بقوة وقال له:
“مالكش حريم عندنا يا ابن فلان! بتي مش هترجع معاك إلا على جثتي، والولد ده ولدنا ونبتنا.. ولو راجل قرب من عتبة البيت دي تاني!”


