فن ومشاهير

ام جوزي 3

“خالد.. وفر خبطك وإيدك متتعبهاش، الكالون اتغير عشان ده بقى بيتي أنا وعيالي، وأنت ملكش خطوة واحدة جواه من بعد النهاردة.”
خالد بدأ يترجى وصوته يتهدج:
“يا حكمت اسمعيني بس.. أنا غلطت وعارف إني قصرت، بس أنتي بنت أصول ومش هتهوني عليكي العشرة.. أمي فوق بتتبهدل وريهام مش طايقاها وولاء قالبة الدنيا، افتحي نتفاهم وهعملك كل اللي أنتي عايزاه!”
ضحكت بسخرية وقهر وقلتله بصوت سمّع السلم كله:
“بنت الأصول ماتت يوم ما استغفلتها وخليتها خدامة ببلاش لأمك عشان تحوّش وتصرف على دلعك وفنادقك! مش كنت بتقرف تاكل من إيدي عشان بغير لأمك الحفاضات؟ أهو سيبتلك أمك لحبيبة القلب اللي كنت بتأكلها في بوقها وبتشيلها على كتافك.. خليها تنضفلها وتفرّجك على أصلها، وإن كان على حقوقي وحقوق عيالي، المحاكم بينا يا ابن الأصول!”
خالد اتجنن وفضل يزعق ويخبط برجله على الباب:

“افتحي بدل ما أكسر الباب فوق دماغك! أنتي فاكرة نفسك مين؟ دي شقتي وأنا حر فيها!”
رديت عليه ببرود أشد من الرصاص:
“اكسر.. عشان أطلبلك النجدة حالا وأعملك محضر عدم تعرض وأفضحك قدام العمارة كلها.. امشي من هنا أحسنلك يا خالد، مبقاش ليك مكان في حياتي!”
صوتي الحاسم ونبرتي اللي مفهاش ذرة تردد خرسته.. حس إن كل الأبواب اتقفلت في وشه بجد، وإن مفيش أي مجال للرجوع.
نزل على السلالم بخطوات تقيلة وراسه في الأرض، مكسور ومذلول، ماشي قفاه يقمر عيش، وهو راجع لجهنم اللي مستنياه فوق بين ريهام وولاء وأمه، بعد ما خسر الست الوحيدة اللي كانت صايناه وشايلاه وشايلة همه.
أول ما خطوات خالد اختفت من على السلم، دخلت أوضتي ومسكت تليفوني بإيد ثابتة، اتصلت بأهلي وحكيت لأمي وأخويا كل اللي حصل من الألف للياء، من أول قرفه وخدمتي لأمه المريضة، لحد جوازه وصوره في الفنادق وتغيير الكالون.
أمي صوتها كان بيترعش من الغيظ والقهر، وأخويا حلف ما يسيب حقي يضيع هدر. في أقل من ساعتين، كان أخويا وأمي واقفين على باب الشقة، دخلوا واحتضنوني بحرارة، وأمي قالتلي وعيونها مليانة دموع وعزم:

“ولا تزعلي يا بنتي، إحنا معاكي وضهرك، والبيت ده مش هيخرج منه غيره هو، وأنا مش هسيبك لوحدك وهقعد معاكي أنتي وعيالك.”
تاني يوم الصبح بدري، أخدني أخويا ونزلنا على محامي شاطر في قضايا الأسرة. قعدنا معاه وحكيناله التفاصيل، فبدأ يتحرك فوراً في الإجراءات القانونية:
* قرار التمكين: جهز أوراق طلب تمكين منفرد من شقة الزوجية بصفتي حاضنة للأولاد، عشان ميقدرش خالد يلمس الشقة أو يدخلها غصب عني.
* دعوى الطلاق للضرر: رفع قضية طلاق للضرر لزواجه بأخرى وإساءة المعاملة والهجر، عشان أخلص من عصمته وأنا رافعة راسي.
* النفقات والحقوق: طالب بكل حقوقي الشرعية من مؤخر ونفقة عدة ومتعة، بجانب نفقة الأولاد وأجر المسكن ومصاريف دراستهم.

خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة براحة عميقة وبداية جديدة، بعد ما أدركت إن حقي اللي كان مستباح هيرجعلي بالقانون، وإن خالد هيدفع تمن غدره وخيانته قرش بقرش وهو محبوس في جحيمه الجديد.
مرت الأسابيع وأنا عايشة في هدوء وسكينة وسط أمي وولادي، رجعت لصحتي ووشي نور من تاني بعد ما انزاح عن كاهلي حمل سنين من القهر والخدمة المذلة. قرار التمكين نزل واستلمت الشقة رسمي بقوة القانون كحاضنة، بينما كان خالد فوق بيغرق في مستنقع مشاكله اللي ملهاش آخر.
شقة خالد الجديدة اللي كانت المفروض قصر أحلامه اتحولت لساحة حرب يومية.. ريهام رفضت رفض قاطع تمد إيدها في كوباية شاي لحماتها، وبقت تقفل على نفسها باب أوضة النوم بالمفتاح ومبتخرجش غير عشان تطلب أوردرات أكل دليفري لنفسها وتطلب من خالد فلوس بالآلاف عشان تعوض “صدمتها” وفرحتها اللي باظت.

أما ولاء، فبعد أسبوعين من المشاحنات ومسؤولية أمها المريضة، ضهرها انحنى وتعبت من الشيل والحط والتنظيف، وبقى صوت زعيقها مسمّع العمارة وهي بتصرخ في وش خالد: “أنا مش خدامة عندكم! أنا ورايا بيتي وجوزي اللي هددني بالطلاق لو مروحتش، ارمي مراتك دي في الشارع وخليها تشوف شغلها ولا هاتلها ممرضة على حسابك!”، وسابت أمها ومشيت وقفلت تليفونها.
خالد لقى نفسه فجأة بين نارين.. بيجري يغير لأمه الحفاضات بنفسه وهو قرفان ومشمئز، والريحة اللي كان بيعيرني بيها بقت لازقة في هدومه وشه، وريهام بتبصله بقرف وبتنام في أوضة منفصلة وبترفض حتى تسلّم عليه، وفوق ده كله فلوسه اللي كان محوّشها خلصت بين توضيب الشقة ومصاريف شهر العسل والطلبات اللي مبتخلصش، ونزلت عليه إعلانات القضايا ونفقات الأولاد وحبسه لو مدفعش.
في يوم، كنت نازلة أوصل ولادي للمدرسة لابسة أحسن ما عندي ومبتسمة للحياة، لقيته واقف على مدخل العمارة مستنيني.. كان متبهدل، دقنه طويلة، عينيه غايرة من قلة النوم والهم، وباين عليه كبر عشر سنين في شهرين.
قرب مني بخطوات مكسورة وقال بصوت مهزوم بيكاد يتسمع:
“حكمت.. عشان خاطر ربنا والعيال سامحيني، أنا بضيع.. الشقة دي جحيم، وريهام رفعت عليا قضية خلع وطالبة مؤخرها، وأمي عيانة ومحدش سائل فيها.. ارجعيلي وهكتبلك كل حاجة باسمك وهكون تحت رجلك!”
بصيتله من فوق لتحت بنظرة مفهاش غير شفقة باردة، مسكت إيد ولادي وابتسمت وأنا بعدي من جنبه وبقوله بكلمات قاطعة رنت في ودنه:

“اللي يبيع الأصيل برخيص عشان المظاهر، يدوق مرارة الندم طول عمره.. شيل شيلتك يا خالد، الخدامة ماتت، وربنا يسامحك على اللي عملته فيا وفي نفسك.”
سبته ومشيت وراسي مرفوعة للسما، وأنا سامعة صوت أنفاسه المكسورة وعارفة إن عدالة ربنا نزلت عليه أسرع وأقسى مما كنت أتخيل.
مرت الأيام وخرج حكم المحكمة بطلاقي للضرر، وحكمولي بكل مليم ليا من مؤخر ونفقة متعة وعدة ونفقة شهرية للعيال متناقصش قرش، وبقى الحكم زي السيف على رقبته مبيرحمش.
وفي الناحية التانية، عيشة خالد كانت بتتهد فوق دماغه حتة حتة.. ريهام خلعت نفسها ورمتله الباقي وخرجت من حياته بعد ما شفطت اللي وراه واللي قدامه، ومبقتش تبصله حتى، واضطر البيه يبيع الفرش المودرن الغالي والعربية اللي كان بيتباهى بيهم عشان بس يسدد الديون والنفقات ومصاريف علاج أمه.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى