Uncategorized

رحلة لابني

اسمي مريم عادل. تجاوزتُ الخمسين بقليل، وعشتُ ما يكفي لأعرف أن الحياة لا تمنح أحدًا ما يريد كاملًا، لكنها تمنحك على الأقل فرصة أن تختار كيف تتعامل مع الخسارات. كنتُ أمًّا وحيدةً لابني كريم بعد وقاة أبيه بسنوات، وربّيته على أن الاحترام ليس كلمة تُقال، بل سلوكٌ يُمارس. وحين تزوّج كريم من سارة، قلتُ لنفسي إنني سأكون ذكية: لن أكون تلك الحماة التي تخاف منها البنات، ولن أكون أيضًا المرأة التي تُستغل ثم تُلام لأنها “طيبة أكثر من اللازم”.
سارة بدت لي في البداية لبقة، مرتّبة، تعرف كيف تبتسم في الوقت المناسب. كانت تقول “حضرتك” بلهجةٍ مهذّبة، وتُكثر من عبارات الشكر، حتى ظننتُ أنني أحسنتُ الاختيار لابني. وفي أول عامٍ من زواجهما، بذلتُ جهدي لأجعلها تشعر أنها ابنتي لا ضيفةٌ عابرة. دعوتُهما إلى العشاء، شاركتُهما في تجهيز البيت، وساعدتُهما عندما ضاقت الأمور بالمال. كنت أفعل ذلك بلا منّ ولا تذكير، فقط لأنني أردتُ أن أرى ابني مستقرًا.
ومن هنا بدأت فكرة السفر

في إحدى الليالي، كنا نجلس أمام التلفاز في زيارةٍ عائلية. ظهر تقرير عن أوروبا: شوارع روما القديمة، مقاهي باريس، قطارات تمر وسط جبال سويسرا. قال كريم مبتسمًا: “نفسي أزور الأماكن دي يومًا”. سارة ردّت بسرعة: “أكيد، بس الرحلات دي غالية جدًا”. لم أقل شيئًا وقتها، لكن العبارة علقت في رأسي كخيطٍ سحبتُه بعدها ببطء.
بدأتُ أدّخر. لم أخبر أحدًا. كنتُ أقتطع من راتبي ومعاشي، وأؤجل ما أريده أنا، وأقنع نفسي أن السعادة ليست في شيءٍ أشتريه لنفسي، بل في لحظةٍ أرى فيها ابني ممتنًا. بعد عامين تقريبًا، صار المبلغ كافيًا لرحلةٍ تليق بالحلم: خمسة عشر يومًا، فنادق راقية، قطارات سريعة، جولات مُنظّمة، وعشاءات محجوزة في أماكن معروفة. رتّبتُ كل شيء بنفسي، حتى التأمين الطبي والتنقلات من وإلى المطارات.
اخترتُ مسارًا واضحًا: نبدأ بروما، ثم ننتقل إلى فلورنسا، فالبندقية، ثم باريس، فزيورخ، ثم فيينا. كانت الرحلة مُصممة لتكون تجربةً مريحة، ليس فيها هرولة ولا إرهاق. كل ليلةٍ فيها حجزٌ مؤكد، وكل صباحٍ خطةٌ واضحة. والأهم: كل الحجوزات كانت على أسماء الثلاثة، لأنني أردتُ أن يكون كل شيءٍ مُرتبًا رسميًا، لا يتوقف على “النيات”.
عندما سلّمتُهما الهدية، فعلت ذلك في عشاءٍ بسيط داخل بيتي. وضعتُ أمامهما ظرفًا أنيقًا، وفيه جدول الرحلة ونسخ الحجوزات والتذاكر. فتحت سارة الورق بعينين اتسعتا دهشةً، ثم قامت لتعانقني. قالت: “حضرتك… أنا مش عارفة أقول إيه”. كريم قبّل رأسي، وقال وهو يضحك: “أنتِ أفضل أم في الدنيا، والله”.
صدّقتُه… لأنني أردتُ أن أصدق

مرّت الأسابيع التالية في تجهيزات السفر: جوازات، تأكيدات، اتصالات. كنتُ أرسل لهما التفاصيل على مجموعةٍ أنشأتها في الهاتف بعنوان “رحلتنا”. سارة كانت ترد بكلماتٍ قصيرة، وكريم يرد بملصقات ضاحكة. لم أشكّ في شيءٍ وقتها. لم يخطر ببالي أن الإنسان قد يشكرُك وهو يخطط لإقصائك.
جاءت صباحية السفر.
استيقظتُ مبكرًا، جهّزتُ نفسي بملابس بسيطة أنيقة، ووضعتُ الأوراق في ملفٍ أزرق. حملتُ معي قهوةً ساخنة وكرواسون، كأنني أريد أن أبدأ الرحلة منذ تلك اللحظة لا من بوابة الطائرة. ثم قدتُ سيارتي إلى شىقتهما. كنتُ سعيدة على نحوٍ خجول، سعيدة وكأنني أستعيد شبابًا ضاع بين عملٍ ومسؤولياتٍ طويلة.
حين وصلت، كان الحي هادئًا، والسماء تميل إلى زرقةٍ باردة. صعدتُ الدرج بخفةٍ غير معتادة، وطرقتُ الباب طرقاتٍ قصيرة. فتحت سارة بسرعة، لكنها لم تبدُ سعيدة بقدر ما بدا وجهها مُتقنًا. كانت بكامل أناقتها، تحمل جواز سفرها وتبتسم ابتسامة لا تصل إلى عينيها. في الداخل، رأيتُ كريم يجر حقيبتين كبيرتين.
قال كريم بنبرةٍ حاول أن يجعلها طبيعية: “صباح الخير يا ماما… شكرًا إنك جيتي بدري”.
ابتسمتُ: “أنا جاهزة من زمان”.
كنتُ على وشك أن أسأل إن كانت كل الأوراق معهم، أو إن كانوا يريدون شيئًا من الصيدلية قبل المطار، حين تقدمت سارة خطوةً وقالت ببرودٍ غريب، كأنها تُبلّغني بموعد المطر:
“مريم… في الآخر ماما هي اللي جاية. حضرتك لا”.
تجمدتُ.

لم أفهم الجملة أول مرة، كأن عقلي رفض أن يستقبلها. ثم سمعتها ثانية داخل رأسي، واضحةً قىاسية: “حضرتك لا”.
قلتُ بصوتٍ خرج بصعوبة: “ماذا تعنين؟ أنا لا؟”
رفعت سارة كتفيها بلا اكتراث: “أمي هدى محتاجة تغيير جو. وبما إن حضرتك… يعني… بتسافري كتير، فقلنا ده الأعدل”.
التفتُّ إلى كريم. كنتُ أتوقع أن يضحك ويقول إنها تمزح، أو أن يعترض، أو حتى أن يبدو مرتبكًا حقًا. لكنه تنحنح فقط، ثم قال بصوتٍ متردد: “ماما… مش موضوع شخصي. هدى بتمر بظروف صعبة”.
تراجعتُ خطوة كأن الهواء دفعني للخلف. نظرتُ إلى الحقائب، ثم إلى مفاتيح السيارة في يدي. شعرتُ بقدرٍ هائل من الخجل، ليس لأنهم أساؤوا إليّ فقط، بل لأنني فجأة رأيتُ نفسي بعين الجيران الذين قد يفتحون نوافذهم الآن: امرأة جاءت لتُسافر، فطُردت من الرحلة عند الباب.
كنتُ أستطيع أن أصرخ. أستطيع أن أقول: “أنا التي دفعت”، “أنا التي رتبت”، “أنا التي…” لكنني أدركت في لحظةٍ قصيرة أن الصراخ لن يعيد كرامةً سىقطت. الصىراخ سيُسعدهم لأنه سيجعلهم يرونني أتشبث. وأنا لم أعد أريد أن أتشبث.
تنفستُ ببطء، ورسمتُ على وجهي ابتسامةً هادئة لا معنى لها. قلتُ: “حسنًا. أتمنى لكم رحلة سعيدة”.
سارة قالت بسرعة: “شكرًا لتفهمك”.
كريم حاول أن يقترب: “ماما…”

رفعتُ يدي إشارةً قصيرة توقفه: “لا داعي. استمتعوا”.
استدرتُ ومشيتُ نحو السيارة. لم أهتز. أو هكذا بدا الأمر من الخارج. لكن في الداخل، كان شيءٌ ما ينهار بهدوء. قدتُ بلا موسيقى، والمدينة تمر من حولي كأنها لا تعرف أنني خرجتُ لتوي من حيانةٍ عائلية مؤلمة. وصلتُ البيت، أغلقتُ الباب، وجلستُ على الكرسي دون أن أخىلع حذائي.
فتحتُ الملف الأزرق.
كانت الأوراق مرتبة بعناية: أرقام الحجز، أسماء النزلاء، مواعيد القطارات، أسماء الجولات. وفجأة، بدأتُ أرى الحقيقة في التفاصيل: كل شيء على بريدي الإلكتروني، وكل المدفوعات عبر بطاقتي، وكل التأكيدات تصلني أنا أولًا. لم يكن ذلك صدفة؛ أنا من فعلته هكذا لأنني أحب التنظيم. لكن التنظيم اليوم صار سلاحًا.
قلتُ لنفسي بصوتٍ واضح: “إذا استطاعوا أن يبدّلوا الراكبة عند باب الشىقة، فأنا أستطيع أن أبدّل أشياء قبل أن تهبط الطائرة”.
لم يكن في ذلك انتفامٌ أعمى. كان ردًّا محسوبًا. أنا لا أريد أن أكسرهم، بل أريد أن أعيد ترتيب الميزان. أريد أن أعرف أن هناك حدودًا لا تُداس ثم تُغفر ببساطة.
ذلك المساء، اتصلتُ بأول فندق في روما. كنتُ قد اخترته بعناية لأنه يطل على ساحة جميلة، ولأنه من الفنادق التي تحترم التفاصيل. أجابتني موظفة الاستقبال بالإنجليزية، فطلبتُ منها تحويل المكالمة إلى مسؤول الحجوزات. ثم قلتُ بصوتٍ هادئ ثابت:
“مساء الخير. أنا مريم عادل. أحتاج إلى تحديث عاجل على الحجز”.
سألتني عن رقم الحجز، فأعطيته لها. سألتني عن البريد الإلكتروني، فأكدته. ثم قالت: “نعم، الحجز لثلاثة أشخاص. كيف يمكنني المساعدة؟”

‫12 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى