Uncategorized

عشر سنوات ربيت أبني بدون أب

ابني نسي أن يأتي ليأخذني بعد الجراحة وما اكتشفته بعد ذلك غير كل شيء كانت عقارب الساعة تدق في غرفة المستشفى باردة معقمة لا مبالية. كنت ممددة هناك والغرز تشد جلدي وقلبي أثقل من جسدي.
ابتسمت الممرضة برفق وقالت يمكنك المغادرة الآن يا السيدة هايز. هل سيأتي أحد من عائلتك ليأخذك
عائلتي.

اتصلت به خمس مرات.
غرايسون. ابني الوحيد.
وفي المرة الخامسة أجاب أخيرا.
قال بصوت بارد كالجليد
لم أنس أن آتي لآخذك ديلايلا أنا فقط اخترت ألا أفعل.
جف حلقي. سمعت ضحكة في الخلفية ضحكة زوجته.
قالت بسخرية
لماذا تتصل مجددا كأنها زومبي على الخط الساخن والرائحة نفسها أيضا.
ضحك غرايسون.
ثم قال
دعيهم يدفعون سىرير ج.ثتها إلى المشرحة. سيوفر علي ثمن الوقود.
وانقطع الخط.
الطفل الذي كنت أقبل ركبتيه المجروحتين تمنى الآن مو.تي.

قلت للممرضة إن ابني في طريقه.
لكنه لم يكن كذلك.
وقعت أوراق الخروج واستأجرت سيارة وقدت بنفسي.
كانت الطريق إلى المنزل تتلاشى تحت أضواء الشارع الباهتة.
أربعون عاما في ذلك البيت. أربعون عاما من الحب والزواج وتربية الطفل الذي لم يعد يراني شيئا.
وعندما وصلت إلى الممر انتعش قلبي للحظة حتى حاولت فتح الباب.
المفتاح لم يعد يناسب القفل.
طرقت مرة. مرتين.
تحركت الستائر.
ثم سمعت صوتها بيل زوجته يأتيني من نافذة الطابق العلوي
ربما الآن سيتوقف البيت عن رائحة الغبار والندم.
انطفأ

استدعيت سيارة أجرة.
كان السائق شابا لا يتجاوز العشرين متوترا ومهذبا.
ساعدني في حقيبتي وسألني بابتسامة مفعمة بتفاؤل الشباب الذي لم يعد يسكنني
ذاهبة إلى العائلة
قلت ببساطة لا.
أنزلني أمام مكتب لتأجير السيارات يبعد ثلاثة أميال عن المستشفى.
وقعت الأوراق بيد لا تزال ترتجف وجلست في كورولا قديمة تعود لعام 2011 تفوح منها رائحة سجائر قديمة ومعطر هواء برائحة الصنوبر.

تذكرت يدي وأنا أمسك بيده اثنتي عشرة ساعة متواصلة في قسم الطوارئ عندما كانوا يثبتون العظم المكسور في ساقه بعد إصابته في مباراة كرة القدم في المدرسة الثانوية.
تذكرت وقوفي كتمثال رخامي في جنازة توماس أكتم حزني لأبدو قوية لأن ابني كان يحتاج إلى من يتكئ عليه.
تذكرت كل شيء. كل شيء.
وصلت إلى حينا مع بداية الغروب والظلال تمتد طويلة ونحيلة على الأرصفة.
نفس الشرفات المطلية نفس الأسوار المقصوصة بعناية نفس الضوء الدافئ المنبعث من نوافذ لم تختبر طعم الرفض.
انعطفت إلى ممر البيت الذي كان بيتي.
كان ضوء الشرفة مضاء والستائر مسدلة والدرج الأمامي نظيفا.
بدا كأنه ما زال منزلي.
نزلت من السيارة أتمسك بجرحي بيد وبالحقيبة بالأخرى.
كان مفتاحي القديم باردا في كفي.
أدخلته في القفل. لم يتحرك.
حاولت مرة أخرى أحركه بعناد بينما عقلي يرفض تصديق ما أدركته يدي.
لا شيء.
طرقت مرة ثم ثانية.
كان الصوت عاليا بشكل غريب وسط سكون المساء.
رأيت ظلا يتحرك خلف الستارة.
ناديت بخفوت
غرايسون
للحظة لا شيء.

ثم جاء صوتها صوت بيل من نافذة الطابق العلوي حادا وواضحا
ربما الآن سيتوقف البيت عن رائحة الغبار والندم.
توقف ضوء الشرفة.
وانغمست في ظلام يشبه الحكم.
وقفت هناك على عتبة المنزل الذي عشت فيه مع زوجي أربعين عاما
المنزل الذي ربيت فيه ابني
والذي أغلق في وجهي الآن.
لا معطف.
لا بيت.
لا ابن.
عدت إلى السيارة.
قدت بصمت كثيف يخترقه فقط أزيز الإطارات.
توجهت إلى أرخص فندق في أطراف البلدة ذاك الذي لا يسأل الأسئلة ويقبل الدفع نقدا.
الفتاة عند الاستقبال لم ترفع رأسها حتى ناولتني بطاقة الغرفة وأشارت إلى ممر خافت الإضاءة.
دخلت الغرفة أغلقت المزلاج جلست على طرف السىرير الخشن أحدق في الجدار الملطخ ببقع الماء حتى تيبست ظهري

من الجمود.
لم أبك.
لم أصرخ.
همست فقط إلى لا أحد
أفهم الآن أراكما بوضوح.
وفي تلك الغرفة الكئيبة ومعدتي مخيطة وروحي تتفكك ببطء اتخذت قراري.
لقد ظنا أنهما محوا وجودي.
ظنا أنهما انتصرا.
لكنهما سيكتشفان قريبا أن بعض الأشياء مهما د.فنت ترفض أن تبقى ميتة.
كنت سأغير كل شيء.
هناك نوع خاص من الصمت يسكنك حين تدرك أن ابنك لم ينسك فقط
بل أعاد كتابة قصتك عمدا.
في تلك الليلة داخل الفندق ملفوفة ببطانية بوليستر خشنة والتلفاز مطفأ والمطر يطرق النافذة كآلة موسيقية تضبط إيقاع الحزن
لم أنم.
لم أستطع.

بدلا من ذلك تذكرت.
ليس لأنني أردت بل لأن الصمت دائما ما يجلب معه الذاكرة.
والذاكرة خصوصا تلك التي د.فنتها عميقا لتنجو لعقود لا تطرق الباب قبل الدخول.
تذكرت من كنت.
من أنا تحت كل هذا الغبار والحزن.
قبل أن أكون أما وقبل أن أكون زوجة كنت صانعة.
كانت يداي تتحدثان لغة القماش.
كنت أميز بين الحرير الفرنسي والشيفون الإيطالي وأنا مغمضة العينين.
كنت أملك مشغلي الخاص في ب.وسطن لأكثر من ثلاثين عاما
Delilahs Dressings بجانب محل الزهور والمكتبة الصغيرة التي كانت رائحتها مزيجا من دخان الغليون والأسرار.
كنت أخيط فساتين الزفاف لثلاثة أجيال من عائلة ب.وسطنية مرموقة.
أصلح أردية الأوبرا وأزياء المسرح وثياب المعمودية وآلاف

فساتين الحفلات.
كان الناس يأتون إلي من أجل لحظات أرادوا تذكرها إلى الأبد.
وتذكرت توماس زوجي.
كان معلم أدب في الثانوية تفوح منه رائحة النعناع والكتب القديمة يقرأ لي السوناتات وأنا في حوض الاستحمام وطلب يدي بمكولة فضية صغيرة بدل الخاتم لأنه عرف أني سأرتديها أكثر.
بنينا حياة هادئة وجميلة.
بنينا غرايسون.
وحين مرض توماس أمسك بيدي على سىرير المستشفى ذلك السىرير المعقم المشابه تماما لذلك الذي تركته للتو وقال لي بصوت ضعيف لكنه ثابت

ديلايلا أبقي الأرض باسمك. كلها.
إن حدث شيء احمي نفسك.
فالناس يتغيرون.
لم أجادله.
لم أفعل يوما حين كان يتحدث بتلك القناعة الهادئة.
وبعد رحيله نفذت وصيته.
كنا قد اشترينا تلك الأرض في مين منذ سنوات منزلا متداعيا على سبعة أفدنة من الأرض البرية الجميلة الممتدة حتى البحر.
وبعد و.فاته بعت مشغلي في ب.وسطن وعدت إلى مين.
كان غرايسون يعيش هناك بالفعل مع بيل في منزلي وظننت بسذاجة الأرملة التي تبحث عن دفء العائلة أننا قد نبدأ من جديد معا.
أحضرت معي صك الملكية.
احتفظت به مع أوراقنا المهمة داخل صندوق معدني مقاوم للنا.ر في أسفل صندوق الأمل القديم خاصتي.
ليس لأنني كنت أخطط لشيء ولا لأنني شككت في ابني
بل فقط لأن زوجي طلب مني ذلك.
لكن غرايسون لم يتقبل فكرة أنني ما زلت أملك العقار.
في البداية كانت أشياء صغيرة
تعليقات لاذعة على العشاء عن كوني لا أعامله كرجل البيت.
أسئلة مموهة بالسخرية مثل
ما زلت تظنين أني ذلك المراهق الذي سر.ق عشرين دولارا من محفظتك وأنا في الخامسة عشرة
ثم وببطء توقفت النكات عن كونها نكات.
في صباح ما حين ناولته الكريمة مع قهوته نظر إلي وقال ببرود
أنت لا تثقين بي أليس كذلك لم تفعلي قط. لم تنظري إلي يوما كرجل بل كعبء اضطررت لحمله أكثر مما ينبغي.

أما بيل فكانت كالعادة مهذبة بطريقة مصطنعةتلك الرقة الزجاجية التي تخفي وراءها احتقارا لا يحتاج إلى مجهود. كانت تعانقني بجسد متصلب بذقن مرفوعة وكأنها تتجنب أن تلمسني حقا. تمتدح طعامي وكأنه عمل خيري غير متوقع.
كانت تتصرف وكأن وجودي في البيت عيب في ديكورها قطعة أثاث قديمة لا تعرف كيف تتخلص منها.
لكن عندما أصبحت مسألة الأرض محور الخلاف تحول ازدراؤها إلى رواية كاملة وأصبحت هي الراوية وأنا الشريرة في قصتها.
سمعتها ذات يوم تتحدث عبر الهاتف بصوت مرتفع ومهمل ظنت أنني في الحديقة
هي تعيش من أجل السيطرة تخزن العقارات والذكريات كما يخزن العجائز الحبوب. هي العفن تحت ورق الحائط. نحاول أن نعيش حياة عصرية بسيطة لكنها دائما في الخلفية بمئزرها المغبر وتلك النظرة التي تحكم على كل شيء. إنها مثل رائحة كريهة لا يمكن التخلص منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى